الرئيسية » مقالات » اللاعب الاكبر

اللاعب الاكبر

تعاني المنطقة العربية من صراعات دامية داخلية او خارجية, واوضاع استثنائية تثير القلق في اسبابها ومبرراتها و خصوصا في الظرف الراهن الذي يشهد مواجهة ساخنة بين الولايات المتحدة الاميركية وحلفائها , وجمهورية ايران الاسلامية التي صعدت من مواقفها بشكل خطير و خصوصا في الملف النووي الذي كان تحديا خطيرا للقرارات الدولية التي دعت ايران لوقف نشاطاتها النووية و عمليات تخصيب اليورانيوم, واللجوء الى المفاوضات في حسم المشاكل العالقة بينها و بين المجتمع الدولي, و قدمت لها ضمانات و اغراءات لم تكن تحلم بها سابقا لما تعانيه الولايات المتحدة من مشاكل داخلية و خارجية, و قد وسعت ايران من جبهات المواجهة مع الولايات المتحدة على امل ترتيب اوراقها حسب المستجدات و الحصول على اكبر قدر من التنازلات و الاستفادة من الوضع الدولي المتأزم, لتظهر في الساحة الدولية كلاعب قوي له تأثيره الواضح فيما يجري من احداث, لذلك اخذت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة و ايران تجري على محاور عديدة و بوتيرة عالية من الخطورة و اهم هذه المحاور:

1. العراق: بعد سقوط النظام البائد اصبح لأيران دورها المؤثر على الساحة العراقية وصعدت من صراعها مع امريكا, حيث تقوم ايران عن طريق سوريا وحزب الله بتغذية الجماعات الارهابية و تزويدها بالاسلحة الحديثة ووسائل الدعم الاخرى لمواجهة القوات الامريكية في العراق و تدمير البنى التحتية, و مرتكزات الاقتصاد العراقي و اشاعة الفوضى و الدمار, لا حبا بالعراق بل لأرغام الاميركان على اعطائها التنازلات, و جعل ذلك ورقة ضغط للحصول على مواقع في العراق و المنطقة او التساهل في ملفها النووي و السماح لها بتخصيب اليورانيوم و المضي ببرنامجها الى امام, والأدلة على ارتباطات الجماعات الارهابية بأيران كثيرة , حيث كشفت التقارير الاستخباراتية وجود قواعد لتنظيم القاعدة و معسكرات تدريبية في اصفهان و زاهدان وطهران يديرها الارهابي المقبور ابو مصعب الزرقاوي و جماعته, وقد اضطرت ايران الى طردهم جراء الضغوط الدولية, ولا يزال للقاعدة قواعدها وعلاقاتها المتميزة بالنظام الايراني.و قد اتخذت ايران من حليفتها سوريا مقرا لتسلل الارهابيين الى العراق و تزويدهم بالأسلحة المختلفة وتوفير معسكرات التدريب, وتعتبر ايران في الوقت الحاضر اللاعب الاكبر في العراق بما لها من نفوذ و هيمنة في وسط وجنوب العراق ,وما لحليفتها سوريا من تأثير على الجبهة الغربية و لها الدور المؤثر في اشتداد الاحتراب الطائفي داخل العراق لتعاملها مع الجانبين بطريقة ذكية لا تضعف احدهما امام الاخر مما يؤدي الى شدة الصراع واستمراريته, وكثرت الاضرار و الخسائر في صفوف الشعب العراقي و تدمير اقتصاده بما يعود بالنفع عليها في انعاش اقتصادها لاعتماد السوق العراقي على ما تضخه الاسواق الايرانية من بضاعة فاسدة تمررها من خلال عملائها المسيطرين على الحدود بين البلدين , وقد تم حجز الكثير من المواد الغذائية التالفة كبيض المائدة و الدجاج واللحوم والرز, اضافة لقيامها باستحصال ما تنفقه لتدمير العراق بواسطة عمليات تهريب النفط المنظمة عبر حدودها بواسطة المافيات المرتبطة بها مما يؤدي بالتالي الى اضعاف العراق اقتصاديا و انهاكه ماديا و تدمير المرتكزات الحقيقية لبناء الدولة, وهي تضرب عصفورين بحجر واحد, فانها تعيق انجاح المخططات الامريكية الهادفة لتطويقها , وتضعف جارها القوي ,الذي اذاقها الويل و الثبور في حربه الدامية معها, ليكون تحت هيمنتها, و تنتقم من هذا الشعب المسكين الذي لازالت تعامله بأحقادها التأريخية منذ مئات السنين و ما كان للعراق من دور في اسقاط امبراطوريتها و تدمير جيشها في حرب الخليج الاولى و ارغامها على طلب الصلح بشروط مذلة . تزامن مع ذلك التأثيرات الاخرى لدول الجوار و بقايا الصداميين و التكفيريين الذين اتخذوا من الارهاب وسيلة لايقاف النهوض والبناء الديمقراطي في العراق وافشال العملية السياسية و تصعيد وتيرة التوتر بما يخدم الاجندات المختلفة للاعبين على الساحة العراقية.

2. القضية الفلسطينية: اتخذت ايران من القضية الفلسطينية قميص عثمان و جعلتها واجهة للصراع مع الولايات المتحدة, رغم العلاقات السرية التي تربطها باسرائيل و خصوصا في الحرب العراقية الايرانية , عندما زودت اسرائيل الجانب الايراني بالاسلحة حيث صرح اكثر من مسؤول ايراني عن استعداد بلاده للتعامل مع الشيطان من اجل كسب الحرب , و فعلا كان لايران علاقاتها التسليحية السرية مع شيطان امريكا الاصغر اسرائيل, رغم تصريحات كبار القادة الايرانيين بمواقفهم المناهضة لاسرائيل والمؤيدة للشعب الفلسطيني.
لقد ارتبطت بعض المنظمات الفلسطينية ارتباطا مباشرا ببعض مراكز صنع القرار في ايران و عن طريق الحكومة السورية المتحالفة ستراتيجيا مع ايران منذ الثمانينيات, و صعدت حماس من لهجتها في المواجهة مع العدو الاسرائيلي رغم وجودها على رأس السلطة الفلسطينية و حركت مقاتليها للقيام بخطف الجندي الاسرائيلي مما ادى الى تصعيد خطير في الموقف و قيام اسرائيل بالرد بقوة على هذا الاعتداء و احتجاز عشرات القادة الفلسطينيين و قتل و جرح المئات في اعتداء سافر يتعارض والقانون الدولي في ضرب البنى التحتية و قتل المدنيين, و ادى هذا التصعيد الاخير الى تدمير هائل في قطاع غزة و انهيار كامل للاقتصاد الفلسطيني مما ينذر بكوارث انسانية. ولو تسائلنا ما جدوى هذا التصعيد و اهدافه , وهل يخدم الشعب الفلسطيني في الحصول على حقوقه و بناء دولته المستقلة حسب القرارات الدولية و الاتفاقيات المبرمة بين الحكومة الفلسطينية و اسرائيل, ان الاجابة عن هذا التساؤل الكبير تشير الى الاصابع الايرانية التي تقف وراء هذا الانفجار الخطير و انها وراء الازمة الكبيرة و التدمير المروع الذي يعانيه الشعب العربي الفلسطيني , فقد كان للرئيس الايراني تصريحاته النارية في محو اسرائيل من الوجود و الوقوف الى جانب الشعب الفلسطيني , الا ان عنترياته الصدامية جعلته يقف مكتوف الايدي ازاء التصعيد الاخير و الاكتفاء بالوقوف موقف المتفرج و ترك الشعب الفلسطيني لقمة سائغة للاعتدءات الاسرائيلية التي كانت بسبب التأجيج الايراني للازمة ودفع المنظمات الفلسطينية لأتخاذ مواقف متشنجة ازاء الحلول الدولية بايحاءات سرية من ايران و حلفائها السوريين الذين يأوون المنظمات الفلسطينية و يقدمون لها الدعم المالي و التسليحي مما يجعل التوتر قائما و هو ما يخدم الحكومة الايرانية في جعل المنطقة تعيش في اتون حرب مدمرة يكون الرابح الاول فيها النظام الايراني بابعاده المواجهة الحاسمة مع اميركا والاكتفاء بالاخرين دريئة عن نظامه الاّيل للانهيار.

3. القضية اللبنانية : مما لا يختلف عليه اثنان ان هناك علاقات قوية ومتميزة تربط جمهورية ايران الاسلامية بحزب الله اللبناني الذي يقوده السيد حسن نصر الله, و ان هذا الحزب قد انشأته الحكومة الايرانية و هي التي تمده بأسباب البقاء و تدعمه ماديا وعسكريا و سياسيا و رغم صدور القرار 1559 القاضي بنزع سلاح حزب الله الا ان قيادته لم ترضخ لهذا القرار, مما وضع الحكومة اللبنانية في وضع محرج, فهي غير قادرة على لجم جماحه واجباره على التخلي عن اسلحته و ايقاف نشاطاته في الجنوب اللبناني , ولا تستطيع الوقوف بوجه المجتمع الدولي الذي يصر على نزع اسلحته او ايقاف تحركاته و عملياته غير المحسوبة ضد اسرائيل , لذلك اصبح الشعب اللبناني بين المطرقة و السندان, واسيرا للتصرفات غير المسؤولة لحزب الله التي جعلت من لبنان ساحة للصراع الدولي في امور لا ناقة له فيها و لا جمل, وقد استغلت ايران هذا الجانب استغلالا بشعا في حربها مع اميركا يتجلى ذلك بالتصعيد الاخير و العملية المدانة التي قام بها مقاتلوا هذا الحزب في قتل عدد من الجنود الاسرائيليين و اسر اثنان منهم مما دفع اسرائيل الى شن عدوانها الاهوج و القيام بغارات وحشية و تدميرية للبنى التحتية اللبنانية اعادت لبنان عشرات السنين الى الوراء.
و لنا ان نتسائل ما فائدة الشعب اللبناني من هذا التصعيد الاخير و ما هي مصلحته في تفعيل الصراع العربي الاسرائيلي ؟ هل يساعد ذلك في توسيع الاراضي اللبنانية و ازالة اسرائيل من الوجود كما يريد النظام الايراني, او كما يتصور القومجية سابقا برميها في البحر, اما اّن لنا ان نبتعد عن هذه الخطب الجوفاء و التصريحات غير المسؤولة و العمل من اجل بناء حياة حرة كريمة للشعوب العربية, و الى متى نبقى بهذه العقلية التي لم نجن من ورائها غير الخراب و الدمار, اما يكفينا هذه الخسائر الفادحة في المواجهة مع اسرائيل منذ 1948 و لحد الان, قدمنا فيها اّلاف الشهداء و الجرحى و المعوقين و الاسرى و المزيد من الاراضي و الكثير من التنازلات امام التعنت الاسرائيلي, الا يمكن لنا ان نتسائل ان العرب في صراعهم الدامي و الفاشل مع اسرائيل هم الخاسر دائما, و اننا لو وافقنا على قرار التقسيم و تكوين الدولة الفلسطينية بحدودها المرسومة وفق ذلك القرار لكان اجدى لنا من هذه التنازلات التي دفعناها و نحن صاغرين و تجنبنا الكثير من الماّسي و الويلات , و الى متى نبقى رهائن العقلية البدوية التي لم نجن منها غير الدمار, مما دفع شاعرنا الكبير نزار قباني الى القول في (هوامشه على دفتر النكسة) عام 1967

اذا خسرنا الحرب لا غرابة
لأننا ندخلها بكل ما يملكه الشرقي…
من مواهب الخطابة
بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة
لأننا ندخلها بمنطق الطبلة و الربابة

واذا اضيف الى هذه العقلية الافكار السلفية التي تعيش بأوهام الماضي و احلامه في بناء امبراطورية لا تغرب عنها الشمس, و الغاء الاخر لتكون الارض وماعليها رهنا بعقلية الحالمين الذين لا يزالون يعيشون بعالم السيف الهندواني و الرمح الرديني والملائكة النازلين من السماء في مواجهة الاسلحة الفتاكة و القوى العسكرية التي ملئت الارض و السماء و يحلمون ببناء الامجاد واعادة عقارب الساعة الى الوراء وبناء دولة القائد الملهم و الزعيم الاوحد و نكون اسرى التصرفات الحمقاء للمصابين بجنون العظمة الذين وضعوا شعوبهم في اتون حرب مدمرة لأهداف ليس ورائها غير الدمار و الخراب, و ان يموت الملايين ارضاء لغرور و طموحات هذا الزعيم او ذاك, الذين يحاولون تسلق التأريخ و التربع على عروش الخيال.
و السؤال الاكبر اين الزعيم الايراني مما يجري على الساحة العربية, لماذا لا ينقض بصواريخه و قنابله الذكية و اساطيله البحرية ليقتلع اسرائيل و ينقذ الشعب الفلسطيني و اللبناني من هذه الحرب القذرة , لقد اكتفى بالتنديد و الوعيد لأسرائيل بمحقها اذا حاولت الاعتداء على سوريا, و هذا ايحاء يستعمله المنوم المغناطيسي في التوجيه , لتحترق سوريا كما يحترق لبنان و فلسطين, و تبقى ايران بمنأى عن عصا الغرب السحرية التي ستطيح بها في يوم من الايام.