الرئيسية » مقالات » الكاميرا الخفية

الكاميرا الخفية

قد يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم،إني سأتحدث عن البرامج الكوميدية التي تقدمها الفضائيات العربية والعالمية عن الكاميرا الخفية،والمقالب المضحكة التي يقع فيها المواطنين،وبما أن الفكاهة قد دخلت كل شيء فلماذا لا تدخل في السياسة ودهاليزها السرية،فكما يبدع الأخوة الفنانين أبدع البرامج والمواقف الكوميدية المضحكة،فأن القوات الأمريكية استخدمت هذه الطريقة،ونقلت إلينا مشاهد للقارئ أن يفسرها بالوجهة التي يريد،فمن يسعى إلى الضحك والفكاهة له أن يضحك،ومن يجعل من كل شيء مأساة له أن يتصور ما سأنقله بالطريقة التي يشاء،حتى تتحول إلى مأساة لواقع علينا أن نعيشه نحن العراقيين.فقد صرح المقدم فرانك قائد احدي الكتائب الأمريكية العاملة في خطة فرض القانون،أن جنوده هوجموا في حي العامل من قبل مسلحين،قاموا بإلقاء القنابل الحارقة من نقاط التفتيش التي تديرها الشرطة العراقية،وقتل عشرة من أفراد كتيبته منذ الشهر الثالث،وقد أستخدم المهاجمون قنابل (أي أف بي سي ) القادرة على اختراق الدرع الأمريكي،والتي تشير التقارير إلى ضلوع إيران في تجهيز الجماعات المسلحة من الطائفتين بمثل هذه الأسلحة الحديثة والمطورة،وأنه لمس بالدليل القاطع هذا التعاون بين القوى الأمنية العراقية والجماعات المسلحة في منطقة حي العامل،والدورة والسيدية والبياع وحي الجهاد،عندما أجتمع بضابط الشرطة في أحد المراكز،وناقشه في أمر اعتقال أحد رجال الدين المتهمين بالإرهاب،فما أسرع ما تسربت الأنباء للمطلوب فهرب إلى جهة مجهولة،وأن الكثير من أفراد الشرطة العراقية يتعاونون مع المسلحين من طوائفهم،فيما تصدر الأوامر بنقل الضابط الذي لا يتعاون أو يتعاطف مع أبناء طائفته،وجرى تبديل الكثير من الضباط بهذه الطريقة،واستبدالهم بآخرين يتعاونون مع المسلحين.
وإزاء ما يعانيه قائد الكتيبة الأمريكية،رأى أن ينصب كمينا لكشف المتعاونين مع الجماعات المسلحة،فقام بوضع كاميرا فيديو خفية قرب بناية متروكة على طريق حي العامل،بالقرب من نقطة تفتيش للشرطة العراقية،وهو ذات المكان الذي يهاجمون منه القوات الأميركية،وعندما فحص ما سجله الشريط على أثر هجوم تعرضت له مركبة أمريكية،ظهر أن اثنان من أفراد الشرطة يتحدثان مع زميلين لهما،كانا يقومان بنصب عبوة ناسفة،وبعد ذهاب الشرطيين بقليل انفجرت العبوة الناسفة عند مرور مدرعة أمريكية قربها،وعلى أثر ذلك أعتقل عدد من ضباط الشرطة،ممن ثبت تورطهم بهذه الأعمال.
وقد تمكنت القوات الأمريكية من كشف العديد من المتعاونين مع الجماعات المسلحة في أحياء بغداد،حيث كان هؤلاء المتعاونين يقومون بنصب العبوات الناسفة بالقرب من أماكن الدوريات الأمريكية،مما يؤدي إلى إحراق العجلات المدرعة الأمريكية،فيما قام جنود أمريكان بقتل اثنان من المسلحين عند قيامهما بزرع عبوة في أحد مناطق بغداد،وبعد تفتيش ملابسهم بحثا عن المستمسكات الدالة على شخصيتهم،أتضح أنهم يحملون أذن دخول(باج) إلى المنطقة الخضراء،حيث السفارتين ألأمريكية والبريطانية والدوائر الحكومية المهمة،وبذلك يتجلى حجم النفوذ الهائل للجماعات المسلحة داخل الأجهزة الأمنية نفسها مما يدفعنا للتساؤل عن جدوى وجدية العمليات العسكرية الجارية لتعقب المسلحين وإنهاء نفوذهم،وكيف تتمكن القوى المشاركة في خطة فرض القانون،أحكام سيطرتها على المناطق التي تنتشر فيها،إذا كانت القوات ألأمنية المكلفة بهذه المهام نفسها هي التي تقوم بأعمال القتل والتفجير والتهجير.
أن هذه الأدلة الصارخة تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن السيارات المفخخة والعبوات الناسفة،التي تقتل العراقيين بمختلف توجهاتهم هي من صنع القوى المكلفة بفرض الأمن،وأن الجماعات المسلحة لها ركائزها في مختلف الأجهزة الأمنية،مما يعطيها المجال للقيام بأعمالها الإجرامية،ويجعل من المستحيل إنهاء نشاطها،مما يدعونا إلى المطالبة بتشكيل لجان وطنية مشهود لها بالخبرة والكفاءة والتجرد من الميول الطائفية والعنصرية،لتطهير الوزارات الأمنية من العناصر المتورطة بمثل هذه لأعمال،والتي ثبت تعاونها مع الإرهابيين،وتشكيل قوى جديدة تتمتع بالمهنية العالية بعيدا عن تدخل الكتل البرلمانية التي تحاول فرض هيمنتها على الساحة السياسية،والإمساك بمقاليد السلطة باستخدام الطرق البعيدة عن البناء السليم لدولة المؤسسات،ولكن هل يمكن تحقيق هذا في ظل المد الطائفي البغيض،والهيمنة المحكمة للقوى التي لا تؤمن بالديمقراطية،وتسعى لبناء سلطتها على أسس بعيدة عنها، وجعل بغداد مدينة السلام عاصمة القتل والتهجير والإرهاب والدمار،مما حال لياليها اللاهية الساحرة إلى ليال سوداء،وجعل منها ساحة حرب لم يشهد لها مثيل،هذا ما لا يدركه إلا الله والراسخون في العلم ،أو فاتحين الفال الذين أصبح لهم الحظوة والجاه في العراق الجديد.
ولكن إلى أين يسير العراق في ظل هذه التداعيات الخطيرة،وهذا التكالب المحموم لدول الجوار في صراعها على الأراضي العراقية،هل كتب علينا نحن العراقيون أن نكون دمى بأيدي اللاعبين،ووقود لنار يشعلها الأغراب،والى متى نبقى ضحايا الأفكار الشوفونية المتطرفة،والمعتقدات الطائفية الباطلة،والاستبداد المغلف بقيم ومبادئ لا يحتاجها الإنسان في البناء المجتمعي والوطني،فدعاة القومية أصدعوا الناس بشعاراتهم الفارغة،وأفكارهم الغثة في النقاء القومي،والاختيار السماوي لهم كخير أمة أخرجت للناس،والفكر الطائفي المتهرئ الذي جعل الأشخاص بمستوى الآلهة والمذاهب فوق الأديان،،حتى بات الإنسان لا ينسب لدينه بل لطائفته،أن الشمولية مهما كان لونها هي شمولية مرفوضة حتى لو فرضت من السماء،فالإنسان سيد الكوكب وعليه أن يعيش حياة حرية رغيدة بعيدة عن المنغصات والعنعنة القومية والدينية والطائفية والحزبية المتكلسة،فلم توجد الأديان للقتل والتهجير والتدمير،بل جاءت للإصلاح الاجتماعي،والبناء الأخلاقي،ووضع الأسس السليمة لعالم خال من الاضطهاد والظلم والقهر،وما هذه الأستار المهلهلة التي يتستر الدعاة بها من هذه الطائفة أو تلك،إلا نزوع للسيطرة والتسلط والهيمنة تحت أسماء مستعارة لا تغني عن جوع،وعلى الإنسان مهما كان دينه وقوميته أو طائفته،أن يعمل بإنسانية بعيدا عن العناوين الجانبية الأخرى التي خلقت من فراغ.
ولنا أن نتساءل ماذا قدمت الطائفة الفلانية أو القومية العلانية لأبنائها خلال ألسنوات الأربع الماضية،هل قدمت لهم ما يساهم في رفع مستواهم المادي،وتوفير الاحتياجات اللازمة للعيش الرغيد،أو هيئت لهم المستلزمات السليمة لبناء مجتمع الكفاية والعدل،وما هي البرامج التي سارت عليها لتوفير احتياجات الناس الخدمية والأمنية والاقتصادية،لقد جعلوا من حياة الناس مسلسلا للمآسي والأحزان،فالمآتم ملأت البيوت،والقطع السوداء زحمت الجدران،والمقابر أخذت بالامتداد لاستيعاب الضحايا الأبرياء ممن طالتهم يد الإرهاب فحصدتهم المفخخات والعبوات،والقتل المنظم،ولا أرى في الأفق ما ينبئ بخلاص قريب في ظل الشحن الطائفي الذي أخذ مديات لا يمكن التكهن بنتائجها،ووجود قيادات استمرأت اللعبة الديمقراطية لبناء دويلات متناحرة،تنذر بمستقبل قاتم عصيب.