الرئيسية » مقالات » التوجهات العلمانية للشعب العراقي

التوجهات العلمانية للشعب العراقي

أظهرت استطلاعات للرأي أجراها الباحث منصور معدل ،ظهور تغيرات جديدة في التوجه الشعبي نحو العلمانية ففي آخر الاستطلاعات في آذار 2007 ظهر إن نسبة 54 % يقولون إنهم عراقيون في اعتزاز ظاهر بالهوية العراقية مقارنة مع 28 % في نيسان 2006 ،ولاحظ الباحث وجود انخفاض كبير في التأييد الشعبي للسلطة الدينية، فقد بلغت النسبة في بغداد 75 % بما يفوق النسب المسجلة لبلدان الشرق الأوسط، عازيا ذلك إلى أعمال القتل والتهجير التي تقوم بها الجماعات الإرهابية، فيما أظهر الاستطلاع إن ثلث العراقيين يرون العراق أفضل إذا تم الفصل بين الدين والسياسة، و كانت النسبة 18 % في تشرين أول 2006 ،وهذا التباين في التوجهات، يدفعنا لبيان بعض الحقائق عن طبيعة المجتمع العراقي وتوجهه عبر التأريخ، وأود أن أشير إلى حقيقة مهمة إن الأجواء التي تعيشها البلاد لا تعطي التوجه الحقيقي، فالنسبة المذكورة قد تزيد لو كان العراق بعيدا عن الهيمنة المفرطة للمتطرفين، وخشية الناس من الإدلاء برأيهم الصريح في مثل هذه المواقف .
لو درسنا طبيعة المجتمع العراقي بعيدا عن الأحكام المسبقة، لوجدنا إن النسبة الغالبة منه ذات توجه علماني، مع الإيمان الكامل بتعاليم السماء وقد يتصورها البعض من المفارقات، ولكنها الحقيقة الثابتة لدى الجميع ،فالعراقي مهما وصل في علمانيته، لا يستطيع التخلي عن الثوابت التي نما عليها أو يتنكر لالتزامه الديني، وكذلك ما يسمى بالمتدينين، فهؤلاء لا يختلفون من حيث الجوهر عن العلماني الملتزم دينيا، فهم في ظاهرهم متدينين، وفي داخلهم بعيدين عن جوهر الدين وفلسفته في الحياة ، فرجل الدين ذاته وإن ارتدى الزى الديني، ونصب نفسه حارسا للدين، قيما على مبادئه، إلا إن الغالبية منهم لا ترى في الدين إلا سلما للحصول على المجد، وكسب الثروة، والاستفادة من هذا الطريق، كما يستفاد التاجر من بضاعته، فهم تجار أديان كما غيرهم تجار سياسة، والمبادئ ظواهر للاستهلاك، وليست جوهر ثابت، والأدلة على ذلك كثيرة، فرجال الدين بدون استثناء، يعيشون حياة مترفة لا تختلف عن حياة أكثر المترفين سعة في العالم، ويمتلكون من الأموال والشركات والمؤسسات ما يجعلهم في حصن حصين من العوز والإملاق إلى أجيال وأجيال، ولعل المراقب لاحظ إن أحفاد وأحفاد هؤلاء لا يزالون يعيشون بأفضال ما جناه أجدادهم المتولين سابقا لأمور الدين، والأسر الدينية المعروفة تمتلك مؤسسات وعقارات في الخارج، قد تضاهي ما يمتلكه أغنى الأغنياء في العالم . إن الإيمان الديني عند العراقيين لا يعني الالتزام بتعاليم الدين ونواهيه، فالإيمان ممارسات لشعائر قد لا تكون من صلب الدين ،وتقاليد اجتماعية يتنافى بعضها مع ثوابت الإسلام، والدين مظهر للإنسان وليس جوهرا، والدليل لو شاهدنا المتدينين الذين يؤدون طقوس الدين، ويلتزمون بشعائره وهم يزحفون في المناسبات الدينية، ولاحظنا الفساد الذي ينهش الدولة العراقية، لوجدنا أن أغلب هؤلاء ممن يمارسون الفساد المالي علنا، ويؤدون هذه الشعائر بهذا الاندفاع والإخلاص، ولو صح إن هؤلاء يهتدون بتعاليم السماء، لنتفت الحاجة إلى القضاء والقانون، واعتمدنا على إيمانهم ونسكهم وتقواهم، ولكنها مظاهر وعادات اجتماعية، أكثر منها إيمان وتدين بمبادئ دينية، وهذه موجات تظهر وتختفي تبعا لتطور المجتمع وتخلفه، ولو عدنا إلى الوراء قليلا لوجدنا إن البارات والملاهي ودور اللهو، تزيد أضعاف مضاعفة على المظاهر الدينية السائدة هذه الأيام، ولكن الموجة الدينية والتقليد الاجتماعي، دفعت الناس لهذا التناقض فهم لا يلتزمون بالتعاليم الدينية الحقيقية في المعاملات التي هي الأساس لبناء المجتمعات، ويؤدون الطقوس والشعائر بتلقائية روتينية، وهذه من النقائض التي تحتاج إلى دراسات خاصة لطبيعة الإنسان العراقي التي تزاوج بين الإيمان ونقيضه، مما يوحي بفقدان الإيمان الحقيقي بجوهر الدين .
فالعراقي الذي يستمع للدعاة والمروجين الدينين ،لا يجد غضاضة في سرقة المال العام إذا ألتزم بدفع زكاة المال وخمسه للقائمين بالتوجيه الديني، والمفارقات الموجودة في المجتمع تثير الضحك، فقد سرقت سيارة أحد المواطنين من عصابات تمارس الخطف والسلب على الطريق العام، وتمكن صاحب السيارة من معرفة سارقها، وعندما ذهب إليهم لاسترجاع السيارة طلبوا منه مبلغا من المال مقابل إعادتها إليه، وعندما ذهبوا إليه بالمال وجدوه قائما يصلي، وبعد أن أكمل صلاته أعطوه المال ليعيد إليهم السيارة، فطلب منهم البحث عنها بين السيارات المسروقة الكثيرة الموجودة في فناء داره لأن أبنائه اللصوص ذهبوا لأداء مراسيم الزيارة ، فهذا التناقض والجمع بين المتناقضات يثير الكثير من التساؤلات عن دور الدين في المجتمع ،لأن جوهر الأديان محاربة السرقة والفساد في الوقت الذي أصبح الدين مجرد عبادات اعتيادية، يؤديها الإنسان دون الالتفات لجوهرها وهو الردع عن ارتكاب المعاصي ، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فإذا كان ممارسها يرتكب الفحشاء والمنكر فما الجدوى من صلاته .
ولكن رجل الدين الذي لا يعنيه صحة الصلاة من عدمه، إلا بقدر ما يعنيه مدى استفادته منها، يبرر ذلك بالدعوة لأدائها لأنها واجب على الإنسان أداءه حتى لو مارس إلى جانبها الموبقات .ولعل الفشل الذريع الذي منيت به الأحزاب الإسلامية في إدارة الدولة، والفساد المالي المتفشي بشكل فضيع، وتدخلات العناصر المسلحة في الحياة الخاصة للمواطن، وفرض آرائها بالقوة على الآخرين، وهيمنتها المطلقة على الحاجيات الأساسية، وعجزها عن تقديم الخدمات وفشلها في تحقيق الأمن، وتكالبها على السلطة لفرض سلطتها، دون مراعاة الحريات المنصوص عليها في الدستور، ومحاولتها فرض سلطة استبدادية ،وارتباطاتها الخارجية المشبوهة، كل ذلك وعوامل أخرى ،كانت وراء اليأس العام من قدرة هؤلاء على بناء المجتمع، وظهور توجهاتهم الحقيقة، فقد دفع ذلك المواطنين لاختيار البديل المناسب للحكم الديني، فكانت العلمانية هي الحل، فالعلمانية تؤمن بالديمقراطية، وحقوق الإنسان والتعددية والمساواة والحرية الشخصية، وتتعامل مع الآخرين بروح المواطنة البعيدة عن العناوين الأخرى، مما يجعلها أكثر قبولا وملائمة لطبيعة الشعب العراقي، الذي خلق علمانيا يحترم الدين ويؤمن به دون تعصب أو تزمت، بل بعقلانية واضحة تقبل التعايش مع الآخر على مبدأ ( لكم دينكم ولي دينِ ) لذلك تعايشت القوميات والأديان والمذاهب جنبا إلى جنب في عراق واحد لا تشويه النعرات الطائفية والأوهام القومية، ولعل كثرة الأديان والمذاهب وتعدد القوميات وتعايشها عبر مئات السنين ،دليل على رفض العراقيين للدخيل الوافد من مسميات وعناوين جانبية ،لا مكان لها في العقل العراقي المؤمن بالتعددية في كل شيء .
فالصائم المصلي نهارا لا يتورع عن شرب الخمر ليلا، أو ممارسة البغاء سرا، أو رؤية الأفلام الرخيصة خفية، وارتكاب المعاصي والسرقة والتحايل والكذب والنفاق والخديعة والرشوة، وكل الممارسات المنافية للإسلام ،وما يدعوا له المصلحين في العالم ،فتراه قد أطال لحيته، وكوى جبهته، وأظهر ورعه للآخرين، في الوقت الذي يمارس أعمالا قد لا يمارسها غيره من غير المتدينين، ولعل الداهية الكبرى أن يروج بعض الدعاة الجدد، لمفاهيم لا تنسجم مع جميع الأديان والمذاهب، فأكبر الكبائر في عرف هؤلاء عدم دفع الخمس، والذي لا يدفعه لن تقبل صلاته، أو يثاب على صيامه، أو يحمد على عمله، ولا يجديه ما أنفق من أموال للفقراء والمعوزين، أو ما يصرفه لأغراض الخير والمنفعة العامة، لأن الخمس أساس الدين، وجوهر الإيمان، وغيره من الأصول والفروع لا جدوى منها دونه، ولو استمعت إلى الوعاظ الذين يرتقون المنابر، لفوجئت بأمور تثير الكثير من الريب والشكوك في صحة الروايات المتواترة جيل عن جيل ، فالإسلام في رأي هؤلاء ما جاء إلا كرامة لزيد أو عبيد، وما خلق الله الأرض والسماء إلا لأجل هؤلاء، إلى غير ذلك من أفكار تستحق المناقشة والتفنيد لذلك صور الدين للناس بصورة تنسجم وتطلعات دعاته،بما يعزز من سلطتهم،ويثبت من مراكزهم،دون الاهتمام بتطبيق الثوابت الإنسانية للأديان،ولعل ما يحدث في العراق هذه الأيام،ما كان له أن يحدث لولا التطرف الديني الذي ساد المجتمع،وجعله فرقا متناحرة،ليس من أجل دين أو عقيدة،وإنما ليكون فلان زعيما،أو علان أميرا،وهذا منتهى الخزي أن يحصر الدين في زاوية الاستحواذ والهيمنة المقيتة.
أن الغرب،لم يصل إلى ما وصل إليه من تقدم في المجالات كافة،لولا فصله الدين عن السياسة،واختياره العلمانية،بعد أن كان يعيش دوامة الصراعات الدينية،والفترة التي مرت فيها الدول الأوربية،نواجهها حاليا بشكل أكثر دموية،لذلك فأن الشعب يقارن وضعه الحالي ،بأوضاع الآخرين،ولابد له من اختيار العلمانية التي لا تغذي النعرة والخلافات،وتدعوا إلى المساواة بين الجميع بغض النظر عن الفروق القومية والدينية والمذهبية،ولعل في الإسلام ما يدعوا إلى ذلك”يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائلا لتعارفوا،أن أكرمكم عند الله أتقاكم” ولم يقل أكرمكم لدى هذا الزعيم أو ذاك،لذلك على هؤلاء العلماء أن يتركوا أدعا أتهم الباطلة بأنهم الباب للدخول إلى الله،فالجميع يعرف أين الباب التي توصله،وهي الأخلاق والمعاملة التي لم تعد موجودة لدى هؤلاء الدعاة.