الرئيسية » مقالات » الإرهاب الأعمى

الإرهاب الأعمى

مرة أخرى ينشط الإرهابيون في ملاحقة وقتل وتشريد وتهديد معتنقي الديانات الأخرى،فقد ذكرت إل BNA أن المجاميع الإرهابية طالبت بمغادرة المسلمين للأقضية والنواحي التي يسكنها الأيزيديون والمسيحيون والأكراد خارج الموصل،والرجوع الى مدينة الموصل خلال الأيام القليلة القادمة،إذا أرادوا تجنب ما تخطط له تلك المجاميع في المناطق المحيطة بالموصل،محذرة من أنها ستقطع رؤوس الخونة من المسلمين الساكنين والموالين لهؤلاء الذين حلل الإسلام هدر دمائهم حسب ما جاء في المنشور الذي وزعته الجماعات الإرهابية،كما هددت تلك المجاميع،المسيحيين والأيزيديين والأكراد،بأخلاء الموصل خلال الأيام القادمة،وانتقالهم الى النواحي التي خارجها،ليخلوا مركز المدينة من غير المسلمين،وقد تجاوز الأمر التقاليد والأعراف والأديان،قيام هؤلاء الإرهابيين بالكتابة على أبواب الدور الخاصة بالمهجرين من المسيحيين والكورد والأيزيديين،بعدم بيعها،وقتل من يحاول شرائها،ولا أدري هل أحتسبها فقهاء الإرهاب من غنائم الحرب،أو مجهولة المالك،فأبواب الفقه مفتوحة على مصراعيها لمن هب ودب ليفتي بما يوافق هواه وغاياته الإجرامية في الهيمنة والتسلط والغريب أن القوات الأمريكية والعراقية،لم تتخذ الأجراء اللازم بحق هؤلاء،فهم يسرحون ويمرحون ويجوبون الشوارع تحت سمعها وبصرها،دون أن تطلهم يد القانون.
وإذا سارت الأمور على هذه الوتيرة،ربما تفكر الجماعات الإرهابية بأجلاء الطوائف المخالفة لهم من المسلمين،أو مطالبة الأكراد بالرحيل عن المدينة،ولا أدري من أين حصل هؤلاء على حقوق التملك لمدينة الموصل،مدينة التآخي القومي والديني،والحاضنة لمذاهب وأديان وقوميات متعددة،والى ماذا يهدفون من وراء هذه الإعمال.فقد قامت العصابات الإرهابية خلال الأشهر الأربعة الماضية باغتيال أكثر من (63)أيزيديا معظمهم عمال وطلبة وموظفين مدنيين،واغتالت ما يقارب(81) مسيحيا بين قس وشماس وراهب وموظف،فإذا كان الإسلام يدعوا لقتل أبناء الديانات الأخرى؟كيف للرسول الكريم معايشتهم ومؤاكلتهم،فقد ورد في الأثر أنه دعي ذات يوم الى وليمة لدى يهود خيبر،ويقال أن أحدهم دس إليه السم،على ما ورد في الصحاح(ما زالت أكلة خيبر تعاودني) فإذا كان الحديث صحيحا،فلنا أسوة برسول الله،وأتباع ما فعله،واذا كان الخبر منحولا علينا أخراجه من الصحاح،وإلحاقه بالأحاديث المنحولة،ولو راجعنا التاريخ العربي الإسلامي في أكثر عصوره تخلفا،لوجدنا أن أبناء الديانات الأخرى كان لهم مكانهم في المجتمع الإسلامي،فكان منهم الشعراء والأدباء والفلاسفة والمنجمين والأطباء والوزراء وخزان بيت المال،ولنا أسوة بالأمام علي عندما شاهد متسولا في الكوفة في خلافته،فسأل عنه فقيل أنه فلان النصراني،فقال ولماذا لا تعطوه من بيت المال،فأخرج له سهما أسوة بالمسلمين،مما يدل على أن لأصحاب الديانات الأخرى ما للمسلمين،وعلى الدولة معاملتهم دون تفرقة أو تمييز.
ولا أدري على أي نص أستند هؤلاء في هذه الفتاوى،وعلى أئمة المسلمين وفقهاؤهم المعاصرين،بيان رأيهم الصريح في هذا الأمر،وعدم الإغضاء عنه أو إهماله،فإذا كان الإسلام يقر قتل غير المسلم بغير جرم،عليهم الإعلان عن ذلك،وأدراجه في الدستور،وإذا حرم قتل النفس بدون ذنب،عليهم توفير الحماية لهؤلاء،وإلزام أتباعهم بالالتزام بتعاليم الدين،فالحكومة الإسلامية التي تحكم البلاد الآن،عليها حماية المسلمين وغير المسلمين،لا أن يكون همهم توفير الحمايات لأنفسهم،وتوطيد حكمهم دون الاهتمام بمصائر الآخرين،ولا أدري كيف يجوز للمسلم الاحتماء بأصحاب الديانات الأخرى ،ولا يجوز له حماية الآخرين،فالقوات الأجنبية التي توفر الحماية للحكومة العراقية،ليس فيها مسلم واحد،وأكثرهم من أخواننا المسيحيين.
أن الأعمال المشينة التي تقوم بها هذه الجماعات،في معاملة غير المسلمين،ستؤدي مستقبلا الى حدوث شرخ كبير في العلاقات الاجتماعية ليس في العراق وحسب،بل في العالم أجمع فليس من المعقول أن تسكت الدول التي تدين بالمسيحية عن قتل أبناءها من قبل المسلمين،وربما تتخذ قرارات سياسية بمنع التعامل مع المسلمين،وإخراجهم من أراضيها،بمقبلة المثل بالمثل،وهو حق مشروع تضمنه الأعراف الإنسانية،وقد تنسحب أضرار هذه الأعمال على جميع المسلمين،وتظهرنا بمظهر لا يسرنا أن نكون فيه،وقد تعيد هذه الأعمال النعرات الدينية المقيتة بين الشعوب،مما يؤدي لحدوث معارك قد تحرق العالم بأسره وندفع ثمنها نحن الذين لا نملك غير الدعاء بالنصرٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ،وكل ذلك لإرضاء نفر ضال،يفسر الدين بطريقته الخاصة،بما يخدم توجهاته البعيدة عن منطق الأديان،وما وصلت إليه الشعوب الأخرى،من تقدم في التعامل بين البشر.
أن منطق العقل يدعونا،ونحن في القرن الواحد والعشرين،تجاوز الأفكار السلفية التي لا تتلاءم ومنطق العصر،وعقد المؤتمرات الساعية للتقريب بين الديان والمذاهب وتجاوز الاختلافات البسيطة،وأن لا تكون هذه المؤتمرات تحصيل حاصل،ولذر الرماد في العيون،وعلى المشاركين بها تفعيل قراراتهم،وإصدار الفتاوى الواضحة في تحريم هذه الممارسات غير الإنسانية،وتشريع القوانين الرادعة بحق القائمين بالتحريض على القتل بغض النظر عن أديانهم ومذاهبهم،حتى لو أدى الأمر الى غلق الأماكن الداعية للفتنة،دون الاعتبار لقدسيتها،لأن قدسية المكان نابعة من توجهاته الهادفة الى إشاعة روح المحبة والتسامح،وليس نشر القتل والدمار،وأن تتخذ أجرا آت رادعة بحق من يحاول نشر الفتنة ومحاكمتهم كمجرمي حرب،من قبل محاكم دولية لها قانونها الخاص،ولها صلاحياتها التي تبيح لها التدخل في شؤون الحكومات،ترتبط بالأمم المتحدة أو مجلس الأمن،وأن يكون هناك أجماع دولي على تنفيذ قراراتها،وإلزامية التعاون معها والخضوع إليها،وبذلك نستطيع قطع دابر الفتنة التي يراد منها إشعال حرب تحرق العالم بأسره.وعلى المنظمات الدولية،مجلس الأمن،والأمم المتحدة،ومنظمات حقوق الإنسان،التنسيق مع المنظمات الدينية والمرجعيات ودور الإفتاء،لإيجاد نوع من التقارب والتلاحم الديني والمجتمعي،وتفعيل دورها في محاربة هذه التوجهات،وإلزام أصحاب الديانات بتوحيد مواقفهم في هذا الجانب لقطع الطريق على العصابات الإجرامية،التي تتخذ من الدين ملاذا لها،وتحاول من خلاله بسط هيمنتها وامتداد نفوذها،من خلال هذه الأساليب المتعارضة مع كل ما هو أنساني في الحياة.