الرئيسية » مقالات » العراق بحاجة إلى نظرة عراقية لا أمريكية

العراق بحاجة إلى نظرة عراقية لا أمريكية

من أكبر الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية في العراق،عندما فوضت أمره إلى البنتاغون،ليتعامل بمنطق عسكري أفلج،أخذ مسارات مختلفة أتسمت بالتخبط والانتقائية والجهل بواقع العراق،والقصور في التهيئة لما يكون بعد الحرب،ولو كان لأمريكا خططها المبنية على دراسات مسبقة لطبيعة وواقع المجتمع العراقي،وعملت بما يلائمها،لأخذت الأمور مسارا آخر،ولو كان لمراكزها الإستراتيجية رؤيتها من خلال دراسة المجتمع العراقي استنادا لما كتبه الباحثين في علم الاجتماع ،وخصوصا المرحوم الدكتور علي الوردي في لمحاته الاجتماعية،والاستناد للخبرة البريطانية بجكم تجربتها السابقة في العراق، لكان بإمكانها انتهاج سياسة صائبة قد تغير الكثير من المسارات،ولا أعتقد أنها جاهلة بما سيكون عليه موقف الجوار العراقي من تدخلات في الشأن الداخلي،وما لها من تأثيرات وامتدادات ،فإذا كانت جاهلة بكل ذلك حق عليها الرجم لعدم أهليتها لأن تكون الدولة الأعظم في العالم،لها طموحاتها في الهيمنة على مقدرات الشعوب،وإذا كانت تخطط لما يحدث أنقلب السحر على الساحر ومنيت بفشل ذريع،لعدم تقديرها لعواقب الفوضى الحاصلة في العراق،فقد كانت تحليلات الساسة والعسكريين والمحللين الاستراتيجيين قبل الغزو تشير بما لا يقبل النقض إلى أن “دخول الحمام ليس مثل خروجه”،فالمستنقع العراقي الموعود طغى على كافة التحليلات السابقة،وكان جرس إنذار للإدارة الأمريكية لاتخاذ احتياطاتها اللازمة لتلافيه،ولكن هل جاء هذا نتيجة جهل أم خطأ متعمد،ذلك ما لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم من مخططي السياسة الأمريكية،وصقور البنتاغون.
واليوم ما يعنينا هو الوصول بالمركب العراقي إلى شاطئ الأمان،وهذا الأمر يحتاج إلى أرادة عراقية غير متوفرة في الوقت الحاضر،لاختلاف الأجندات في الساحة العراقية،وتباين اللاعبين فيها،والتدخلات الفجة لدول الجوار،وقدرة أمريكية على تجاوز الأخطاء السابقة،بانتهاج سياسة جديدة،بعقلية عراقية تتعامل مع الواقع العراقي بما يتلاءم وطبيعته المختلفة عن الآخرين،وليس بعقلية أمريكية تتعامل وفق صيغ جاهزة لن يقدر لها النجاح في ظل الواقع الجديد للعراق.
لقد مر العراق عبر قرون عديدة بحكومات مركزية مستبدة لا تؤمن بغير منطق القوة سبيلا لأحكام سيطرتها،وطبيعة المجتمع العراقي الالتجاء للقوي القادر المهيمن المسيطر،لا العاقل الواعي المعتدل،والدارس لطبيعة المجتمع العراقي يتلمس عبر تأريخه الطويل،أن الحاكم العادل أو الضعيف أو المتسامح،ليس له مكان،ولنا عبرة بالكثير من الرؤساء الذين مروا دون أن يتركوا أثرا يذكر في التاريخ العراقي،فالتاريخ العراقي لا يذكر عبد الرحمن عارف،أو يشار إلى عهده في الأدبيات السياسية لما تميز به من هدوء لا يليق بطبيعة الحاكم العراقي الذي يصوره المجتمع بالقدرات غير المحدودة،ومدى قدرته على البطش ،ولعل التربية العراقية أخذت مساراتها عبر هذه الاتجاهات،لذلك كان الخطأ الأمريكي هذه الفوضى والانفلات الذي واكب دخول قواتها العراق،وإسقاط حكومة بغداد،وعدم وضعها إستراتيجية ثابتة لما بعد الاحتلال،حيث الفوضى التي عمت جميع مسارب الحياة،مما أعطى المجال للقوى التي أضر بها التغيير،أن تعيد لملمة صفوفها،وتوحد جهودها للعمل على تقويض الأمن وإفشال التوجه الجديد، بما عرف عنها من إمكانات على الهدم والتخريب،وتنفيذ الأجندة المعدة لما بعد السقوط.
وكان ترك الحدود سائبة والسماح بدخول وخروج المسافرين دون ضوابط معقولة،أعطى المجال لدخول الإرهابيين والمتشددين،من دول الجوار العراقي للقيام بالأعمال الهادفة الى إشاعة الفتنة والطائفية والاحتراب بين الطوائف الدينية،وإفشال العملية السياسية،وإنهاء التحولات الجديدة،لما لها من أضرار مستقبلية على دول المنطقة ذات الأنظمة الشمولية،مما أعطى للصراع بعدا دوليا،يستدعي حزمة من الأجراآت لإيقاف نزيف الدم العراقي،وإعادة الأمور الى نصابها الصحيح،ولعل من أولى الأجراآت التي على الإدارة الأمريكية اتخاذها بوصفها اللاعب والموجه للسياسة العراقية،والقادر على لجم القوى السياسية العاملة على الساحة هذه الأيام،نبذ المحاصصة الطائفية والقومية بغض النظر عن آراء القوى السياسية،التي تحاول البناء بما يكفل إدامة وديمومة واستمرار وجودها،فهؤلاء كما يقول مظفر النواب”وعالمنه زلم من صفكة وحده يطير” فهم يؤسسون لبناء دولة طائفية تتحكم فيها الطائفتين الكبيرتين،والكتلة الكردستانية،في محاولة لتقسيم العراق الى أمارات يأخذ كل زعيم أمارة يكون الحاكم الأوحد فيها،لذلك فأن إلغاء المحاصصة الطائفية وتشكيل حكومة جديدة على أسس وطنية،يراعى فيها الاختصاص والكفاءة والنزاهة،والبعد عن أي تطرف ديني أو قومي أو سياسي،هو البداية الأولى لقيام عملية سياسية يقدر لها النجاح مستقبلا،وتستطيع بناء العراق الجديد على أسس وطنية بعيدة عن الواجهات الفرعية الأخرى.
والأمر الثاني،الضغط على دول الجوار،بما يمنع تدخلها السافر بالشأن العراقي،فالكثير من هذه الدول سائرة بالخط الأمريكي،ولا يمكن لها الخروج عليه أو مخالفته،وبإمكان الإدارة الأمريكية إيقاف تدخلاتها باستعمال تأثيرها الشامل في مختلف المجالات،حتى لو أدت الأمور الى استعمال القوة المفرطة للجمها ومنعها من التدخل في العراق،والعمل على تقويض أمنها بإثارة القلاقل في داخلها،مما يجعلها في شغل شاغل عن التأمر على سلامة العراق،والكثير من هذه الدول تحمل في داخلها ما يجعلها أتون ملتهب من المنازعات والخلافات،وعلى الإدارة الأمريكية في حالة امتناع هذه الدول عن التدخل أثارة الطوائف الدينية والمذهبية والقومية،وإذكاء الصراع الداخلي فيها.
والأمر الثالث قدرة الأمريكان بما يمتلكون من امتدادات داخل الهيئات الأممية،إصدار قرارات ملزمة لهذه الدول،بالكف عن التدخل،واتخاذ الاجراآت الكفيلة بردعها،حتى لو تطلب الأمر توجيه ضربات تأديبية،تكبح جماحها وتوقف تدخلها،أو العمل على تشكيل نظام يشابه من حيث الفحوى النظام التركي،الذي يجعل من العسكر اللاعب الأكبر في توجيه السياسة الداخلية والخارجية والحفاظ على التوجه العلماني للدولة،لأن العراق لا يمكن أدارته،من خلال أنظمة عقائدية شمولية،ويحتاج الى أدارة علمانية قادرة على إيقاف المد الطائفي الذي مزق البلاد،وبناء دولة المؤسسات البعيدة عن هيمنة هذه الجهة أو تلك.
أما في الإطار الداخلي،فالأمر يحتاج الى جملة أجرا آت تكفل إيقاف هذا التدهور والانفلات،وهذا الأجراات تأخذ مسارين متوازيين،المسار الأول،هو أجراء مصالحة وطنية حقيقية،وبدور أمريكي مباشر،لاجتذاب القوى المعارضة،التي بالإمكان ترويضها وإشراكها في العملية السياسية،وعدم إسناد طرف على آخر،وإلغاء الطائفية السياسية والمحاصصة البغيضة،وبناء دولة المؤسسات،وتطهير الأجهزة الأمنية من العناصر الطارئة المعروفة بتوجهاتها الفئوية،والاعتماد على المهنية البعيدة عن الولاآت التي جعلت البلاد عرضة للانقسام،وحسر دور الجهات التي تتعامل بمنطلقات بعيدة عن لغة السياسة وسياقاتها المعروفة.
والمسار الثاني تكثيف عديد القوات الأمريكية،وأخذها زمام المبادرة،في توجيه الضربات الماحقة للقوى المسلحة،دون الأخذ بنظر الاعتبار المعايير الدولية التي لا تتلاءم وطبيعة المجتمع العراقي،وغلق الحدود العراقية وأحكام السيطرة عليها بقوات دولية تمنع تسرب الإرهابيين من الدول المجاورة،وتفرغ القوات الأمريكية لإكمال مهمتها الداخلية بتصفية بؤر الإرهاب والجريمة المنظمة،وبناء جيش جديد يجري اختياره من لجان وطنية،بعيدة عن التوجهات الطائفية والقومية،وإيجاد قيادات عسكرية كفوءة معروفة بحياديتها ومهنيتها العالية،وتطهير القوى الأمنية من العناصر التي لا تمتلك مؤهلات فنية وقدرات قيادية،كانت هي وراء الإخفاقات الحاصلة في الملف الأمني لجهلها بأبسط المبادئ العسكرية التي يجب أن يكون عليها القادة الميدانيين.
أن ما يجري في العراق كارثة حقيقية أسهم في صنعها الإدارة الأمريكية الجاهلة بطبيعة الأوضاع وخصوصية العراق،والقيادات السياسية التي تقاتل من أجل مصالحها الضيقة،دون الاهتمام بالقضية الوطنية التي تستدعي تجاوز العناوين الأخرى،والانصراف لمعالجة الأوضاع بمنظور جديد،بعيدا عن الانغلاق والتقوقع والنظرة الضيقة،ولضمان أعادة الأمن والاستقرار للعراق،وإذا وجدت الإدارة الأمريكية من القيادات الحالية تلكوء في تناسي خلافاتها والبقاء على طريقتها في التعامل مع الشأن العراقي،عليها سحب قواتها الى الحدود،لمنع دول الجوار من مساعدة جهة على أخرى،وترك المتصارعين لتصفية حساباتهم بالطريقة التي يشاءون،حتى تتعب جميع القوى المتصارعة وتضمحل قدراتها القتالية،لتدخل القوات الأمريكية مجددا وتعيد نشر قواتها في العراق،وبناء دولة بعيدة عن الطائفية والقومية.
ولكن هل ما يريده الأمريكان البناء الوطني السليم؟ذلك ما أشك فيه،فالمصالح الوطنية لم ولن تلتقي مع مصالح القوى الخارجية،ولعل ما يجري في العراق جزء من اللعبة الأمريكية الهادفة لبقاء العراق أرضا بلا رجال،ولعل القادم من الأيام كفيل بإزاحة الستار عن هذه المسرحية التي يدفع ثمنها الشعب العراقي.