الرئيسية » مقالات » القوانين الرجعية

القوانين الرجعية

من ألبديهيات التي قرأناها في الصف الأول الابتدائي في مدرسة الحزب الشيوعي العراقي،”الرجعية” والاستعمار والامبريالية،وأمريكا عدوة الشعوب ،لذلك ظلت هذه المصطلحات راسخة في تفكيرنا لا تزيلها منظفات الأرض والسماء جميعها،ورسخت في كل مسارب حياتنا حتى أخذنا نسم ب (الرجعية) كل من يدعوا إلى القديم،ويحاول إيقاف عجلة التقدم،وبعد شيوع المصطلحات الحديثة الطارئة على الساحة السياسية،ونمو الأفكار الجديدة في الشفافية والتسامحية والرأي والرأي الآخر،تنازلنا عن الكثير منها،وحاولنا من أجل أعادة البناء وترسيخ الوحدة الوطنية وبناء دولة المؤسسات،أن نتعامل بالسياسة التي تعني فن الممكن،لذلك ليس من الغرابة أن تلتقي قمة التقدمية،بعتاة الرجعية،ويضع يده في يدها من أجل بناء ما خربه الأشرار،ولا نقول عملاء الامبريالية والرجعية المحلية خوفا من (زعل) البعض ممن وسمت على جباههم مياسم الرجعية التي لا يمكن أن تزيلها الأصباغ والرتوش،ولا زالوا على ما عهدناهم في قديم الزمان على ذات الأخلاق التي كانوا عليها رغم تغير العهود والأزمان،ف(عدو العام ما يكون صديق السنة)وهؤلاء الثعالب الذين تربوا في الأحضان الهجينة لا يمكن لهم إلا أن يكونوا هجائنا،وأن انتسبوا لأشرف القبائل.
وعذرا من هذا الاستطراد،فقد يتصور القارئ أني بسبيل الدعوة إلى المبادئ القديمة،ولكن ما دفعني إلى ترديد مسلماتنا التاريخية ما لمسته من أجرا آت تعسفية لإدارة العراق الجديدة،تتخذها هذه الوزارة أو تلك،والتصرفات التي لا تقرها الشرائع السماوية والأرضية،ف(الإسلام يجب ما قبله)من الأحاديث المتفق عليها بين أئمة الحديث،وفي القوانين والدساتير الأرضية عدم جواز سريان القوانين الجديدة بأثر رجعي،هذا ما درسناه ولمسناه وخبرناه طيلة حياتنا وعملنا في الشؤون العامة،ولكن وزاراتنا المحترمة يبدوا أنها تعمل بما لا ينسجم وقوانين الأرض والسماء،وتجهل المبادئ العامة للقوانين،بسبب افتقارها للكفاآت القانونية والإدارية التي ترشدها لسواء السبيل،وتخلوا من المستشارين أو(المشيرين) كما في الاصطلاح الدارج،الذين يفقهون شؤون الإدارة،لذلك تأتي القرارات الوزارية والقوانين البرلمانية بعيدة عن كل المعايير الدولية،وما توافقت عليه المجتمعات الإنسانية،والأدلة على ذلك كثيرة،وسأضرب بعض الأمثلة عسى أن يطلع عليها السادة النواب،أو أصحاب المعالي الوزراء،رغم علمي أنهم لا يقرؤون الصحف،ولا يعيرون اهتماما لما تبثه وسائل الأعلام،ومكاتبهم الإعلامية يتولى شأنها من لا يفرق بين الأعلام والإعدام، فقد شاء سوء الحظ أن يرتقي من كان بالأمس القريب حافيا، فارتدى حذاءا طويلا في عز الصيف ليظهر أمام الناس أنه من طبقة النبلاء في عصر كثر فيه الجهلاء،وأصبح من هب ودب قيما على إدارات ما كان لأمثاله أن يحلموا بأن يكونا حراسا فيها لافتقارهم إلى أبسط الكفاآت التي توصلهم الى هذه الدراجات،مما أثر سلبا على العملية الإدارية في العراق وأخذت بالانحدار من سيء الى أسوء بحيث لا تجدي معها كل الترقيعات التي يحاول المرقعين أخفاء ما فيها من عيوب، فعلى سبيل المثال لا الحصر:
*قانون التقاعد الموحد،الذي مضت ثلاث سنوات وهو يتقلب بين المالية ومجلس النواب كالسكران لا ينام في درج حتى يغفو في آخر، ورغم تسميته بالموحد فهو غير موحد فإلى جانبه عشرات القوانين التقاعدية،التي يسري كل واحد منها على طبقة اجتماعية معينة،مما سيثبت أن نظريتنا في صراع الطبقات هي الأرجح والأصح بين كل النظريات الأخرى،فقد قسم المجتمع إلى طبقتين في قوانين التقاعد طبقة السادة وهم قادة البلاد من رؤساء الجمهورية والوزراء والنواب ومن بدرجتهم،وطبقة العوام وهم من أمثالي من عباد الله المظلومين،وللطبقة الأولى الأرض وما عليها والسماء وما فوقيها،فرواتب الوزراء والنواب والدرجات العليا في المجتمع لا تخضع للقوانين السارية في بلدان العالم،فهؤلاء يتمتعون برواتبهم في الغياب والحضور والموت والنشور،فبعضهم لم تطأ قدميه مجلس النواب العتيد،ولا يدري أين يقع من المنطقة الخضراء،ولكن راتبه يصله في نهاية الشهر جزاء لما قدم لشعبه العظيم،ولأرثه النضالي الخالد في مواخير الدول الغربية،التي آوته وأعطته ما يغني عن العمل ويكفل له العيش الكريم،والوزير الذي يقال من وزارته يبقى متمتعا برواتبه حتى لا يتدحرج لمستويات الطبقات الدنيا من الشعب ،فيعيش بمستواها ألمعاشي الواطئ،لذلك فأن خدمته القليلة تغني عن خدمة الآخرين من الطبقات الدنيا الذين خدموا لثلاث عقود أو أكثر ويمنحهم السيد وزير المالية مكرمة شهرية لا تزيد على المائة دولار شهريا،إكراما لما قدم هؤلاء لوطنهم العزيز،ويخصص إعانات لضباط الجيش السابق ومراتبه بما لا يكفي لأعالتهم إلا أيام لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة،لماذا؟لأنهم خدموا العراق القديم،والعراق القديم لا يرتبط بالعراق الجديد بأي رابطة وكما قيل ولعلها من النكات(القديم يرمى في المزابل)،وفعلا يعمل الكثير من الجيش القديم حليا في جمع القناني الزجاجية والألمنيوم من المزابل لتباع الى معامل التصنيع.

*أصدرت وزارات، الاتصالات،الكهرباء،البلديات،الداخلية،والوزارات الخدمية الأخرى قرارات بزيادة أسعار المكالمات الهاتفية بعشرات الأضعاف،والكهرباء بستة عشر ضعفا،والماء بعشرين ضعف،والتنظيف بما يحرق أجداد المواطن،وبأثر رجعي اعتبارا من 1/1/2005 لأن الوزارات المحترمة ليس لديها الوقت الكافي خلال هذه السنوات الأربعة لاستيفاء ألأجور،فجمعتها وأفرجت عنها مرة واحدة،حتى يضطر المواطن لبيع داره وتسديد ديون الدولة،ونأتي بأناس من المريخ يسكنون العراق،ويهاجر أبناءه إلى المنافي العالمية ليستجدون في بلاد الكفار!!!ولا أدري أين كانت الوزارة كل هذه السنين،ولديها من الموظفين ما يزيد على أعداد الموظفين في العهود البائدة بعشرات المرات،ولا توجد لديها مهام أخرى فالكهرباء كما يعلم الجميع تشتغل في اليوم الواحد (26)ساعة ولا توجد لديهم أعطال ويؤدون واجباتهم على الشكل الأمثل،والخدمات البلدية في العراق من السمو بحيث تضاهي أكثر البلدان تقدما في مجال النفايات والخدمات،والماء المستعمل للشرب يصفى بأحدث المواصفات العالمية ،حيث تستعمل مواده في العمليات الانتحارية،وتباع الأخرى في الأسواق الشعبية،ناهيك عن الوزارات الأخرى التي أخذت الجوائز العالمية في رداءة الخدمات مما جعل العراق في المركز الأولى في العالم في كل ما هو سيء.
*والطامة الكبرى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي،التي تستحق بحق أن تسمى وزارة التهديم العالي والهجم العلمي،فهذه الوزارة الكريمة التي يعني أسمها الكبير أنها فوق الأخطاء،لأنها أم العلوم وأبو البحث العلمي،فقد أصدرت مؤخرا قرارا مجحفا أخر بحق الأوائل من خريجي الجامعات العراقية،يقضي بإلزام الطلبة الأوائل الذين صدرت قرارات بتعينهم كمعيدين،ومنحوا أجازات بدون راتب لإكمال الدراسة،أن يختاروا بين الوظيفة أو الدراسة،ولا أدري السر وراء الحرب الكارثية التي تشنها الوزارة ضد الطلبة الأوائل،هل لأن أدارتها من الطلبة الذين رفعتهم مؤهلاتهم غير العلمية ومكانتهم المخابراتية في النظام السابق ليكونوا من أصحاب الشهادات العليا،فدفعهم مستواهم الدراسي القديم الهابط إلى الانتقام ،أم أنها سياسة جديدة من مبتكرات القرن الواحد والعشرين لمحاربة النابهين والمتفوقين،في وزارة من واجبها رعايتهم والاهتمام بهم.
وهناك الكثير مما لم نشر إليه،لا لعجز عن كشفه،فعين الشمس لا تغطى بغربال،ولكن ما أوردنا يغني عن الإشارة لما يشابهها،أملنا كبير أن يسعى القوامين على أدارة العراق الى تلافي هذه الأمور والعمل من أجل أبناء شعبهم،فالشعب العراقي كما يعرف الجميع لا يؤتمن جانبه في السكوت على الظلم وثوراته معروفة،ورحم الله شاعرنا الكبير ألجواهري الخالد عندما قال في رائعته التي أستقبل فيها ثورة الشعب صبيحة الرابع عشر من تموز الخالد:
هذا العراق وهذه ضرباته كانت له من قبل ألف ديدنا