الرئيسية » مقالات » عودة أخرى لفتاوى الإرهاب

عودة أخرى لفتاوى الإرهاب

بعد نشر مقالي عن الفتوى الصادرة بمنع بيع الأسماك النهرية وتناولها،كتب لي بعض الأخوة مستفسرين عن الأمر في تصور من بعضهم بأن ما ذكرته نكتة،أو خبر غير قابل للتصديق،فيما أخبرني أحدهم أن هذه الفتوى باطلة شرعا،لعدم ثبوت تناول هذه الأسماك لجثث القتلى،والحكم الفقهي يقضي بالبناء على اليقين في معرض الشك بحلية أو حرمة الأشياء،وإكمالا لما تقدم،وإشباعا لنهم القراء من هذه الفتاوى،فقد أصدر فقهاء القرن الواحد والعشرين،فتاواهم بحرمة بيع الطماطم والخيار،وإجبار البقالين على عدم الجمع بينهما في العرض،أو تجاورهما،ووضعهما في كيس واحد،وحرمة شرائهما،لأسباب لا يعلمها إلا ألله والراسخون في العلم،من هؤلاء المتفيهقون،من ذوي الدشاديش القصيرة،واللحى المتسخة التي تعشش فيها الحشرات،ولا أدري ما هي الحكمة في الجمع بين الاثنين ،هل للون الطماطم الأحمر الذي يشير إلى الدماء البريئة التي يسفكها هؤلاء،والخيار للونه الأخضر الذي هو رمز الحياة والنماء،على أمل مسخ الحياة الحرة الكريمة التي لا تتواءم وفكرهم المريض،أم لأن الخيار يمثل العضو الذكري،والطماطم تمثل الرمز الأنثوي،كما يقول أحد المتنطعين بالعلم الديني،لا أدري ولعل في المتصدين للإفتاء من يستطيع الإفصاح عن الدوافع وراء هذه الممنوعات التي تكاثرت هذه الأيام.
ولعل الأغرب في فتاوى الإرهاب،ما يدعوا إليه البعض في تحريم بيع الثلوج،لأنها تصنع من الماء الذي لا يجوز بيعه والمتاجرة به شرعا،وأن السلف الصالح لم يتناول الماء المثلج فعلينا التأسي والاقتداء بها ليحشرنا الله في عليين،ولا أدري ما هي المقاربة في هذا الرأي فالسلف الصالح،لا يستعملون الكثير مما نستعمله في زماننا هذا،وهو من مستحثات العصور الحديثة،ولا أدري كيف يستعملون الأسلحة الحديثة في القتل والتفخيخ والدمار،أو أجهزة الموبايل والتلفون والسيارة والقطار والطائرة وما الى ذلك من المخترعات الحديثة،التي لم يستعملها السلف الصالح أو يحلم بها أو تجري على تفكيره في يوم ما،ولماذا لا يركب الأخوة السلفيون الجمال،ويستعملون السيوف ويأكلون الجرابيع،ويشربون مياه الآبار،تأسيا بما كان عليه الأعراب في ذلك الزمان.
ولا تنتهي قائمة الممنوعات،فباعة الكماليات لهم حظهم في هذه الفتاوى،فقد حرم هؤلاء فقد حرم هؤلاء بيع مستلزمات التجميل بأنواعها،والملابس الداخلية بجميع تفاصيلها،أو وضع الدمى للإعلان عن الأزياء النسوية الواردة حديثا،وعلى صاحب المحل أن لا يكلم المرأة،ويحادثها عن طريق كتابة الرسائل من تحت الماء،لأنها محجبة بنقاب كثيف يجعلها لا ترى أشارته،ولا تستطيع التأشير له خوفا من ظهور المحارم،لأن جميع جسمها من المحارم في الشرائع الجديدة،ولا أدري كيف كانت المرأة المسلمة تشتري ملابسها أو مستلزمات زينتها،فالأعراف القبلية والاجتماعية،تعيب شراء الرجال مستلزمات الحريم من زينة أو لباس ،ولا أعتقد أن نساء السلف الصالح كن عرايا،أو لا يتزين لأزواجهن،فالمعروف عن الأعاريب في تلك الأزمان ،أنهم مزواجون ويقتنون الجواري والغلمان،لأغراضهم الخاصة،ويختارون الأجمل من الجواري في المزادات العلنية التي تجري في أسواق النخاسة،فكيف يجيز مشرعي ذلك الزمان ما لا يجيزه مشرعي القرن الواحد والعشرين،ولا أعتقد أن مطلقي هذه الفتاوى يعاملون زوجاتهم بهذه الحدية،فعهدي بنساء الكثير منهم من ذوات الجمال الخلاب والأنوثة الطاغية،وشهدنا بنات الكثيرين منهم في الزمن الماضي يجبن الأسواق بلباسهن المصنوع وفق أحدث التقليعات الغربية،وزاملنا الكثيرات منهن في الجامعة،فكن لا يختلفن عن الأخريات في الملبس والعلاقات والنشاطات الشبابية والطلابية،بل أن الكثيرات منهن يتأنقن في لباسهن وحديثهن ليظهرن بمظهر يجلب الانتباه،فهل ما أحل لهم حرام على غيرهم،أم ان الشرائع لا تنطبق على المشرعين.
ولعل ظاهرة فرض الحجاب،مما لا يستحق الخوض فيه والإشارة له،فهذا من الشائع الذائع،الذي لا يحتاج الى إشهار أو إعلان،ولكن ما علاقة أفران الصمون بالشرائع السماوية،فهل وجد نص في الكتب المنزلة أو الأحاديث المرسلة،ما يمنع من صناعة الصمون وبيعه أو تناوله،وهل يريد هؤلاء أعادتنا الى العصور القديمة،لنعمل خبز “الطابق”الذي كانت تعمله جداتنا في الغابر من الزمان،ولماذا يستهدف هؤلاء أفران الصمون بتفجيرها أو قتل العاملين فيها،وكيف للمواطن أن يعيش بدون خبز بعد أن عجزت الدولة عن تأمين الغاز له ،فأضطر للاعتماد على الأفران في تهيئة طعامه،ولا أدري لماذا لا يحرم أبناء العم الإرهابيين صناعة الموطا وبيعها،فأنها من عمل الكفار وابتكارهم،ولا يجوز للمسلم تناولها فأن ذلك من الكبائر.
وهذه البدع لا تنتهي،فإذا أستمر الحال على هذا المنوال،فسوف نسمع في القادم من الأيام العجائب والغرائب،وربما يجبرنا الأحبة الإرهابيون ذات يوم على امتطاء الجياد وترك السيارات،بحجة معالجة أزمة الوقود وتخفيف الاختناقات المرورية في المدن العراقية،وسلامة البيئة،والحفاظ على الثروة الوطنية،وإنعاش الاقتصاد العراقي،ونعود للطبخ على الأحطاب بدلا من الغاز لما فيه من المخاطر الكثيرة ومسببات الاحتراق،والتسمم برائحته،ونرسل نسائنا “الحطابات”لجلب الأحطاب من الجزيرة العربية،فالمخاطر الناتجة عن هذه المخترعات تبيح لهم تحريمها،فقد أدت الكهرباء الى قتل الملايين،وكذلك السيارات والطائرات،ولو كنا على ما كان عليه أجدادنا في استعمال الدواب،لما قدمنا هذه الأرواح البريئة طعاما للموت،ونعود لحياة البداوة والرعي وطلب الكلأ والمرعى،تأسيا بالسلف الصالح،فالأخطار الناجمة عن التقدم الحضاري تستوجب على سدنة الدين،الحفاظ على الإرث الخالد لأجدادنا العظام،الذين لم تبقى لهم عظام،والسير على منوالهم،في شظف العيش،ونترك خيرات الأرض لفقهاء الإرهاب،لينعموا بالعيش الهانئ الرغيد،في المنتجعات الأوربية،بين الغيد الحسان،كما يعيش لأبناء أسامة بن لادن في الغرب الكافر،ويتزوجون من الأوربيات الفاتنات،لأن أنفسهم القذرة لا تتقبل المسلمات المبرقعات بالسواد مثل الغربان،فهم كالطبيب الذي يصف الدواء ولا يتذوقه،- كما يقول أحدهم في تبرير فتاواه -،ولهم أسوة حسنة بخلفاء المسلمين في العصرين الأموي والعباسي،وعصور الانحطاط والتخلف،عندما كانوا ينعمون بالحور العين والولدان المخلدين،ويشربون الخمر،ويلعبون الميسر،ويجلدون من يمارس ذات الأعمال من أبناء الشعب،لأن طيبات الأرض خلقت لهؤلاء الخاصة وأتباعهم والسائرين بركابهم،وللناس الحياة الخالية من المسرات،لأن الأرض يرثه عباده الصالحون.
وليس لنا إلا أن نتساءل،عن الدور الذي يجب أن تلعبه الحكومة العراقية،في أعادة الأمور إلى نصابها مختلف الأسلحة التي تنهي هذه الظواهر المخزية التي يمارسها هؤلاء،حتى لو أدت الأمور إلى استعمال القوة المفرطة،وإغلاق مصادر الشر بغض النظر عن أسمائها ومسمياتها،فالاسم الذي لا يعبر عما في داخله،يفقد ما له من الميزة والاحترام،وعسى أن تكون هناك خطوات رادعة لمثل هؤلاء الإرهابيين.