الرئيسية » مقالات » كفا علوا واستكبارا

كفا علوا واستكبارا

 المساجلات التي تدور هذه الأيام في المواقع الالكترونية بين القوى اليسارية،مما يثير الأسى في النفس،والشجى في الفؤاد،فلا زال اليسار لم يلتقط أنفاسه من جراء الضربات المتلاحقة التي تتوالى عليه من الرفاق أو الأعداء،،ويحاول أن يجد له مكانا بين القوتين المتقاربتين الرأسمالية والإسلام السياسي،التي بدأت تأخذ حيزا كبيرا في ساحة الصراع،في ظل العولمة المتوحشة،ولا أدري هل تصب هذه السجالات في مجرى الصراع الدائر بين الخير والشر،وهل في مصلحة التيارات اليسارية المتباينة أن يكون الصراع الفكري بينها،لتخلوا الساحة لعدوها الطبقي كي ينفذ مخططاته،وهل بين مدعي اليسار من يحاول أفراغ هذا التيار وأضعافه خدمة لأسياده،كل شيء جائز فلا يخلوا تيار من عملاء يعملون داخله لأضعافه أو إسقاطه،واليسار أكثرها تهيوأ لدخول مثل هؤلاء فيه،فقد أصبح الكثير ممن يدعون اليسار،وهم يسعون لأضعافه وتفكيكه وتقنينه وحسر تأثيره عن ساحة الصراع،بسجالاتهم المثيرة التي لا تصب في مصلحته،فالقوى اليسارية الحقيقية عليها أن تدعوا وتناضل لتوحيد اليسار،لا تشتيته وتمزيقه وأضعافه،وهو في أوج المواجهة مع أعتا قوتين ظهرتا خلال العقود الأخيرة،ولا أجد أي مصلحة لليسار في هذه السجالات،لمن تركوا ساحة النضال في بلدانهم،وتربعوا في المنافي الامبريالية،يعيشون على فتات موائدها،ويناضلون عبر الأثير لإنقاذ شعوبهم من نير الاستبداد والتسلط،أنهم مدعوون أن كانوا يساريين قولا وعملا،العمل على تقوية اليسار لا أضعافه ومحاولة إنهائه من داخله بأساليب رخيصة.
لقد قرأت ما كتبه الأستاذ الكريم”حسقيل قوجمان”في الحوار المتمدن،ردا على الرفيقين جاسم الحلوائي وعادل حبة،ولست بمعرض الناعي عليه الرد والتعقيب،ولكن هذا الاستصغار لشأن الآخرين ليس من الخلق اليساري في شيء،ولا من آداب السجال والنقاش الموضوعي بين المتحاورين،فقوله”المدعوين” فيه ما فيه من التعالي البرجوازي الذي يربأ اليساري الأصيل التعامل به ناهيك اتخاذه منهجا للحوار،وهؤلاء ليسوا نكرة يا سيدي العزيز،فهم – شئت أم أبيت – من قادة الحزب الشيوعي العراقي صاحب الأمجاد التاريخية المعروفة،والمناضلين الذين شهدت لهم ساحات النضال الوطني طيلة عقود من السنين،ولا زالا يواصلان عملهما السياسي رغم التقدم في العمر،ولم يتركا معترك النضال كما فعل البعض ويجلسا في الجحور القصية ،يترصدون الأخطاء والمثالب،فليس من الآداب السلطانية أن يخاطبهم سيدي الكريم بهذا الأسلوب الرخيص،ولا من الأخلاق البروليتارية أن يعاملهم كنكرات في دهاليز السياسة التي لا زالوا يصولون في دروبها،ويعملان ما وسعهما الجهد لإعادة البناء لأضخم صرح للإنسانية،هو الحزب الشيوعي العراقي،الذي لا زال رغم الهجمات القاسية والمحاولات البائسة لإنهائه والقضاء عليه،يناور ويصاول كالجبل الأشياء،يهزأ بعاتيات الرياح،ليقف كالديدبان لحراسة المبادئ التي آمن بها،والنضال من أجل شعبه ووطنه،وهاهم أعضائه وأنصاره يبذلون ما وسعهم الجهد لإعادة بناءه على أسس متينة،تتواءم والتغيرات الطارئة على العالم الجديد،ويخوضون أشرس حرب في مواجهة قوى تتمتع بإمكانات هائلة،لا يمكن الوقوف بوجهها إلا لمن تمرس بالنضال والمنازلة ومواجهة الصعاب،وكان الأمل في الرفاق الذين أتعبهم النضال فانتبذوا الزوايا القصية أن يكونوا مصدر نفع لرفاقهم الذين يواجهون الموت بصدورهم ببسالة منقطعة النظير،ويزاولون العمل في أصعب الظروف،لا أن يكونوا سهاما مصوبة لأفئدة رفاق الأمس،ولمن يجد في نفسه الأهلية أن يكون شيئا في النضال الجديد،أن يتفضل ،فالساحة العراقية تتسع للجميع،ولن يضيرنا أن يزداد عدد الأحزاب واحدا،في عراق تعمل في ساحته مئات الأحزاب!!!ولا أخال الخارجين على العراق يجهلون هذه الأحزاب التي تصول وتجول في الساحة ولا يضيرها أن تتوالد أحزاب جديدة تحمل ما تشاء من المسميات،وهذه دعوة مخلصة لكل القادة السابقين،العودة إلى وطنهم ومواجهة الإرهاب العاتي،والاحتلال البغيض،ولهم استعمال كل الأسلحة بمواجهة أعدائهم الطبقيين،لا توجيه سهامهم المسمومة إلى الحزب الشيوعي،فيقفون إلى جانب أعداءه الذين يحاولون إنهاء وجوده في العراق،وإذا كان هؤلاء ينعون على الحزب سياسته الحالية،فلهم تغييرها بالعمل داخله،لا رميه بحجارة من سجيل،وأن التخرصات والأراجيف والسموم التي ينفثونها،خير عون لأعدائه للنيل منه،وحسر نفوذه عن الشارع العراقي،وربما أشد ضررا من سهام أعداءه طيلة تأريخه المجيد:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند
وأن كانت لديهم الأهلية والكفاءة لبناء حزب جديد،فأهلا بهم أن وجدوا أنصارا ومؤازرين،ولهم أن يعملوا ضمن الآليات المناسبة للعمل السياسي،وسيجدون منا الدعم امتثال لقول الخالد فهد”قووا تنظيم حزبكم ،قووا تنظيم الحركة الوطنية” أن كانوا وطنيين فلهم منا العون والمؤازرة،وأن كانوا غير ذلك فلهم خطهم ولنا خطنا،وعليهم مواجهة أعدائهم الطبقيين،لا محاربة أخوانهم اليساريين،فالحزب الشيوعي العراقي يسير حاليا ضمن سياسة وطنية أختطها لنفسه،وأقرت بموجب آليات ديمقراطية لم تتوفر في أي حزب شيوعي أو غير شيوعي،ولا يحق لمن هو خارج الحزب أن يفرض تصوراته أو آرائه أو الاعتراض على سياسته،لأنه غير معني بها،إلا إذا أراد أن يكون عدو له فيعامل معاملة الأعداء،وليس له التشدق بماضيه،فماضي الجميع معروف لدينا ونستطيع نشر غسيلهم على الملأ بما يتوفر لدينا من وثائق تدين تصرفاتهم ومواقفهم،ولكن الأخلاق الشيوعية تمنعنا من وضع النقاط على الحروف،لمن تلبسوا بأردية ما كان لهم ارتدائها،لعدم ملائمتها لمقاسهم،فبانت أكبر من أحجامهم.
وأعود إلى صلب رد سيدي الكريم،لأريه مدى التزامه بالخلق الماركسي عندما يقول(وكتب المقال بنفس الأسلوب الهابط الذي كتب به الذي دعا نفسه دحام التكريتي ضد حسقيل قوجمان واقتبسا في مقالهما نفس ما جاء في مقال دحام..)ونسي أنه يردد نفس ما ردده بعض الأحبة من رفاقنا السابقين،فقوله(ويبدوا أن جاسم الحلوائي وعادل حبة نسيا أن الحزب الشيوعي العراقي،هو الذي عقد الجبهة مع حكومة صدام الفاشية وهو الذي رفع أسم الرفيق صدام إلى السماء،وهو الذي أطلق على الرفيق صدام كاسترو العراق)وهذا القول مأخوذ أيضا عن السيد صباح الموسوي،فهل يعني تطابق الآراء أنك أستلفت منه هذا القول،فإذا كان قولهما قد أستند لما كتبه التكريتي،فأنت تردد ما كتبه الموسوي،وتردد نفس التقولات التي يرددها الآخرون ولم تأتي بجديد.
ويقول(كما استنكفت من مناقشة محتوى مقال التكريتي،أعتبر نفسي أسمى من الانحطاط إلى مستوى مناقشة محتوى مقال جاسم الحلوائي وعادل حبة،فأنا كماركسي أؤمن بضرورة الانتقاد..الخ)فهل من الأيمان الماركسي سيدي العزيز هذا التعالي والغطرسة البرجوازية،وهذا الازدراء الثوري أو الاحتقار اليساري،أو الخلق الماركسي أن تنحط هذا الانحطاط كما تقول وترد على هذين الذين تراهم نكرة إلى جانب خلقك الماركسي الرفيع،فقولك”أعتبر نفسي أسمى من الانحطاط إلى مستوى مناقشة” فلماذا تنازلت من عليائك وانحدرت لمناقشتهما،كان الأولى بك أن تبقى في صومعتك أو برجك العاجي متفرجا،بدلا من الهبوط من علياءك والرد عليهما.أن ماضيك الشيوعي سيدس الكريم يدفعنا إلى معاملتك بالاحترام الذي يليق بالفرسان،على أن تبقى محتفظا بأخلاق الفرسان ونبلهم،لا النزول إلى مستويات أدنى فيحق للآخرين الرد عليك بأسلوبك الذي اخترته بمحض أرادتك.
وأن التبجح بالماضي،لا يبيح لصاحبه القيمومة على الآخرين،فالسياسة فن الممكن،وتتطلب المناورة والمداورة والكر والفر،وقد يخسر السياسي معركة أو أكثر،وقد تكون لذلك أسبابه الموضوعية، ولكن لا تعني الخسارة نهاية الحرب،فالحرب سجال،والشجاع من يستطيع الوقوف ومعالجة جراحه،والعودة إلى ساحة النضال من جديد،لا أن يتطير ويجلس على التل ليصدر أحكامه دون أن يعرف طبيعة المعركة أو الأسلحة التي استخدمت فيها،فالتحالفات سيدي الكريم لها أسبابها وظروفها الموضوعية،ولا يجوز الحكم عليها بمعزل عن تلك الظروف،وجبهة السبعينيات كان من السباقين لأقامتها من تراهم في القمة من الثورية واليسار،فالرفيق أبو خوله الموسوي،من أشد المدافعين عن ذلك التحالف والمحبذين له والداعين إليه،ولعل سيدي الكريم يجهل أن الرفيق أبو خوله لا زال يدعوا حتى هذه الساعة للتحالف مع البعث،وأسباب خروجه من الحزب بسبب توجهاته تلك،لا بسبب ثوريته المزعومة،وأن تأييد المقاومة هذه الأيام من قبل هذه المجموعة لا يعني ثوريتها ونقائها الماركسي،فهو يخفي وراءه فشلهم في أيجاد البديل الذي يواكب متطلبات المرحلة،وما تفرضه ظروف العراق.
وفي الفقرة الأخيرة من المقال،ظهر الازدراء المقيت للآخرين،وبانت السخرية اللاذعة في خاتمته(فهنيئا لحزب يكون أمثال جاسم الحلوائي،وعادل حبة من كوادر قيادته)لو كنت تملك ما تقول للرد على المقال لناقشته مناقشة موضوعية،وفندت ما جاء فيه،ولكن الاتكاء على السخرية والازدراء دليل قصر الحجة وصحة ما قيل،أما نضال الرفيقين فأن وجودهما في الحزب لأكثر من ستة عقود دليل على شيوعيتهما الأصيلة التي فقدتها قبل أربعون عاما،وماركسيتهما الرصينة التي لا زالا عليها رغم تغيير الظروف والأحوال،ولكن الذي يترك ساحة النضال عند اشتداد المنازلة،وينتبذ ركنا قصيا ليكون متفرجا،فليس إلا هاربا من جحيم المعركة،خائفا من مغبة نتائجها،وليس الماركسي الأصيل فرارا عند اشتداد الخطوب،وأتمنى لسيدي الكريم،أن يحافظ على نقاءه الماركسي،لأنه تبرأ من الشيوعية وأحزابها،وأن يكون عند حسن ظن ماركس في الرد المهذب والكلام المؤدب ،ومقارعة الحجة بالحجة،ولو كان الخالد فهد حيا هذه الأيام وقرء ما يكتبه السيد قوجمان لضربه على قفاه…!!!
*ملاحظة:للعلم لم التق شخصيا بالرفاق جاسم الحلوائي أو عادل حبة أو قوجمان ولكني متتبع لتاريخ الحزب وأعرف الغث من السمين.