الرئيسية » مقالات » أجتثاث البعث

أجتثاث البعث

قد يتهمني البعض بالتطرف،وآخرين بالسلبية عندما أطرح بعض الآراء التي تتباين وآرائهم في ضرورة التعامل مع الأمور أستنادا لتجارب الماضي،والخبرات المكتسبة من دراسة الواقع،وقد أظهرت الأيام صدق أقوالي،وصحة تصوراتي،وما توقعت أن يكون،لقد دعوت من خلال قنوات متعددة الى عدم التسامح مع المجرمين والقتلة،الذين أوغلوا في دماء العراقيين،واتخاذ الأجراآت اللازمة بحقهم ،وعدم أفساح المجال لهم لألتقاط أنفاسهم،لئلا يعودوا الى سالف عهدهم في التأمر والشر،ولكن البعض عن قصد أو دونه،كان يدعوا للعفو عن المسيء والتجاوز عن الأخطاء وفتح صفحة جديدة،ونسيان الماضي بكل ويلاته والامه ،ويومها كنت أثور وأصر على سلامة أرائي وصحة تصوراتي ،وأن الأيام ستثبت صحة ما ذهبت اليه ،وكان رأيي ـ وهو رأي الكثيرين ـ أن يأخذ القانون مجراه في محاسبة المسيء،وعدم خلط الأوراق،وأخذ البريء بجريرة المذنب، الا أن هذا الخلط ـالذي كان بدوافع عديدة ـ ادى الى ضبابية التعامل،مما أعطى في المجال حق الدفاع عن المسيء لأنعدام المعايير في التمييز،والتلاعب بالألفاظ،وما زاد الطين بلة أن الكثير من ذوي الضحايا والمظلومين،تنازلوا عن حقوقهم القانونية،بعد أن منحوا أموال طائلة تحت أسم (الفصل) او (الدية)وجعل الكثير من الجناة يتخلصون من الحكم العادل بحقهم،وقد أهتبلها الناس فرصة لجني الأموال حتى وصلت الأمور الى مديات مخجلة ،بل أن البعض أدعى ما ليس بحادث من أجل الحصول على المال،في الوقت الذي رفض الكثيرون التنازل عن حقهم القانوني في محاسبة المسيء،مما جعل المطلوبين يختفون عن الأنظار،في حين تستر أخرون ممن بيدهم مقاليد الأمور بفعل علاقات القربى والروابط الأجتماعية،وأمور أخرى لا مجال لذكرها،لقد تستر هؤلاء في الباطن،وأظهروا العداء في الظاهر،مجارات للناقمين على النظام السابق وكسب رضا الشارع عنهم،وهذه الأزدواجية في التعامل ظهرت جلية واضحة في الكثير من الأمور التي سنشير لها لاحقا،وظل هؤلاء القتلة يسرحون ويمرحون،وعادوا لنشاطاتهم السابقة بما لدى قياداتهم من أمكانيات مادية،وقدرات على الأستفادة من المتغيرات،وبدأت اعمال العنف تتنامى بوتائر عالية،يساعدهم في ذلك دول الجوار والقادمين من وراء الحدود من التكفيريين،وبعض الجهات التي ترى فيهم رديفا فعالا لها،وأثبتوا وجودهم في الساحة العراقية،وأخذوا زمام المبادرة في الهجوم والدفاع،في الوقت الذي بدأت فيه الأطراف المناوئة لهم تثبت عجزها في المواجهة وعدم قدرتها على التصدي وايقاف العنف الدائر في البلاد،بسبب عوامل كثيرة،لعل اهمها سوء التخطيط والأدارة،وانشغال هؤلاء بتصفية المخالفين لهم في الرأي من المشاركين في العملية السياسية،ومحاولة الهيمنة والأستحواذ على السلطة،بأزاحة حلفائهم السابقين،بل محاربتهم في بعض الأحيان،والأنصراف للأستحواذ على الغنائم بسرقة المال العام،مما ادى الى أستفحال الفساد الأداري والمالي في الوزارات العراقية،وسرقة مليارات الدولارات من قبل المهيمنين على صناعة القرار،كما حدث في معركة أحد عندما امر الرسول الكريم فرقة من الجند بعدم الأشتراك في المعركة والوقوف لمراقبة الفرقة التي يقودها خالد أبن الوليد التي كانت واقفة في كسر جبل،وعندما تم الأنتصار للمسلمين،وانقضوا لأخذ الغنائم قامت الفرقة التي أمرت بعدم الأشتراك في المعركة بأخلاء اماكنها والمشاركة في الكسب والمغنم،مما اعطى المجال لخالد أبن الوليد في الأنقضاض على القيادة الأسلامية،وامعن فيها قتلا،وادى الى هزيمة منكرة بسبب الطمع والجشع الذي جبل عليه هؤلاء،مما جعلهم يخالفون أوامر نبيهم،وترك مؤخرة الجيش عرضة لهجوم الأعداء.
لقد كان وراء اجتثاث البعث الكثير من الأمور الخاطئة التي اشرنا اليها سابقا،وله الكثير من الأهداف التي اراد من يقف وراء القانون وطبل له الأستفادة منها،من ذلك:
1- كسب الرأي العام الناقم على ازلام السلطة البائدة لما اقترفته من الجرائم بحق المواطنين،واعتبار هؤلاء السبب في قتل ابنائهم او تهجير اسرهم،او ضياع ممتلكاتهم،او اعتقالهم وتهجيرهم.
2- اشعار البعثيين بأن رقابهم في ايدي تلك الأحزاب،وتستطيع بأشارة منها ايذائهمأو اعدامهم او حبسهم،وهذا سيف ذو حدين تستطيع تلك الأحزاب من خلاله الأستفادة منهم بكسبهم لجانبها،وقد انضوى الكثير من ازلام النظام السابق في التشكيلات الحزبية المختلفة،بسبب افتقار هذه الأحزاب والتشكيلات الى القاعدة الشعبية،او القيادات الوسطية التي تستطيع بناء تنظيماتها،فاعتمدوا على هؤلاء الذين يملكون الخبرات المتراكمة في التنظيم والقيادة،حتى اصبح الكثير من هؤلاء في مراكز حساسة وقيادية متميزة،في معظم الأحزاب العاملة على الساحة العراقية،بل تمكن الكثيرون منهم التسلق الى هرم السلطة باستلامه لمسؤوليات لم يكن باستطاعتهم الوصول اليها في ظل النظام السابق،وقامت بعض الأحزاب – رغم انها تطالب باجتثاثهم – بطرح شعار (من دخل دار ابي سفيان فهوآمن)فالبعثي اذا دخل تلك الأحزاب،اصبح بعيدا عن المسائلة وأمن العقاب،ومن تاب تاب الله عليه،لذلك عليه التوبة والمغفرة والعودة الى الأيمان بالدخول في هذا الحزب الديني او ذاك ممن يحاربون البعثيين علنا،ويسندوهم سرا،وادخل الى البرلمان العراقي ،رغم وجود القوانين التي تحرم اشراكهم بالعملية السياسية،واصبح البرلمان شئنا أم ابينا زاخر بالعشرات منهم،ممن دخلوا تحت واجهة الأئتلاف العراقي الموحد،مما جعلهم يصولون ويجولون،ويغيرون ملابسهم القديمة بملابس جديدة لا تزيد عن لحية وبعض المحابس ذات الأحجار الكريمة.
3- كسب اصوات هؤلاء باستعمال سياسة الترغيب والترهيب،والتلويح بعصى النقمة او يد الرحمة،بتقديم العون لهم والتستر عليهم،او منعهم من المشاركة في التصويت،وتأشير بطاقاتهم من قبل المشرفين على الأنتخابات وهو ما حصل في الكثير من المراكز الأنتخابية.
4- استطاعت الكتلة السنية الأستفادة من هذا القانون وذلك من خلال دفاعها عن البعثيين،او اهتمامها بأمرهم،والمطالبة بالغاء القانون،وكسبوا الكثير من الأصوات في المناطق التي لا يمكن لهم الحصول على اصوات فيها،بعد ان اصبح التصويت للطائفة،لأن اغلب البعثيين في المناطق الشيعية،وهم المتضررين من القانون،مما حدى بتلك الأطراف الى استعمال الأساليب المختلفة لمنع الناس من التصويت لتلك الكتلة بالتلاعب بالنتائج بالألغاء والشطب،والتغيير،وهذا ما لمسته في المراكز الأنتخابية المختلفة.
5- وقد كان الكثير من البعثيين في الوسط والجنوب قد فرحوا لسقوط النظام الذي كان يفرض عليهم هيمنة قاتلة،جعلهم اسرى اوامره التي لا يستطيعون مخالفتها رغم عدم ايمانهم بها،ولكنهم ازاء الحرب المعلنة عليهم من ابناء طائفتهم بدأوا يتمترسون خلف البعث رغم عدم ايمانهم به ونقمتهم عليه،وكان لتصرفات بعض القيادات السياسية التي اعلنت حربها على البعثيين ،أثر في الشد الى الجانب الآخر،مما جعل الكثير منهم يرتمون في احضانه مجددا،ويتمنون عودته،بسبب سوء التعامل معهم والتنكيل بهم،وحصرهم في خانة لم يكونوا بها في يوم من الأيام،والأنكى من ذلك ان الكثير ممن طبلوا وزمروا للنظام السابق،عادوا اليوم للتطبيل والتزمير للوجوه الجديدة التي ظهرت على الساحة،وحصلوا على مناصب ووظائف لم تخطر على بالهم في يوم من الأيام،ولا اغالي اذا قلت ان الأغلبية ممن وضعوا في مراكز مهمة،لو دقق في ماضيهم لكانوا أشر واكثر بلاء ممن أجتثوا وحوربوا من البعثيين،بل كانوا الأداة الفاعلة في ايذاء المعارضين،والشعب العراقي عارف بهؤلاء،ولكن ماذا يستطيع ان يفعل وهو يرى رجال الماضي هم بناة الحاضر والمؤثرين الفاعلين في الساحة،بل ان الكثير من المحسوبين على النظام ابائد عادوا من جديد الى واجهة الأحداث بمباركة من بعض القوى التي تجهل حقيقة قواعدها وما تضم في طياتها من الغث والسمين،لأن قياداتها غير قادرة على الفرز والموازنة بسبب انشغالها بأمور بعيدة عن التنظيم،وقصورها في العمل السياسي والتنظيمي واعتمادها على معايير بعيدة عن كل ما يمت الى السياسة والعمل الحزبي بصلة ولآن اكثرها وارث لمركزه،لم يمارس العمل الحزبي من القاعدة الى القيادة،مثلما عليه الحال في الأحزاب العريقة التي مارست العمل السياسي لعشرات السنين.
لقد عاد البعث الى الساحة بأسلحته الجديدة،واصبح له انصاره وجماهيره،بسبب الشنيعة التي ارتكبتها الأحزاب الدينية،ومحاولاتها بسط سيطرتها على الشارع السياسي بالقوة المفرطة،واستشراء الفساد المالي الذي سيؤدي في القريب الى حدوث احتراب عنيف بين القيادات الدينية للحصول على المكاسب المادية،مما افسح في المجال لقوى البعث ان تعود للساحة لتعمل من جديد تحت يافطات مختلفة،وتنشأ قواعدها على الخراب الهائل الذي خلفته هذه الأحزاب بعد ان يثبت قصورها في ادارة البلاد،والدليل ان الكثير من الأحزاب الدينية تراجعت عن طروحاتها السابقة واصبحت تدعوا للمصالحة مع البعثيين،او اقتسام المكاسب معهم،على حساب القوى الوطنية الحقيقية،وتلوح في الجو بوادر أتفاقات سرية بين هذه الأطراف لتصفية التيارات الوطنية تمهيدا لأقتسام الكعكة العراقية بين الأسلاميين والبعثيين،رغم قناعتي بأن البعث سيلتهم هؤلاء في المستقبل،وربما لا يرتكب خطئه السابق ويبقي على احد منهم ليحارب البعث من جديد،فالتجربة البعثية مع رجال الدين عميقة الجذور وسبق لهم أن تمترسوا خلف الواجهة الدينية في اسقاط ثورة الرابع عشر من تموز،وهو ما سنتطرق اليه في مقال خاص عن علاقة البعث برجال الدين،ناهيك عن الأرتباطات السابقة للبعث مع القيادات الشيعية قبل مجيء البعث للسلطة عام/1968 ،ودخول البعثيين في السلك الديني بعد حرب الخليج،وهو ما ظهر واضحا في تغلغل الفدائيين في الحركات الأسلامية المتطرفة.