الرئيسية » مقالات » الأحزاب المعمِّرة :16 آب 1946 – 16 آب 2007

الأحزاب المعمِّرة :16 آب 1946 – 16 آب 2007

البارتي هو من الاحزاب المعمِّرة نسبياً في عصر عصفت حوادثه وانعطافاته بالكثير من الاحزاب الكبيرة، المعمِّرة نسبيا .
اذ باستثناء بعض الاحزاب الاوربية والحزب الجمهوري الامريكي والحزب الديمقراطي الامريكي، فانّ معظم الاحزاب السياسية التي ولدت وتأسست اواخر القرن التاسع عشر، واوائل واواسط القرن العشرين، قد انهارت وتهاوت بسرعة نسبية .
هناك في اوروبا احزاب معمرة مثل حزب العمال البريطاني وحزب المحافظين والعديد من الاحزاب الاشتراكية، والاشتراكية – الديمقراطية والمسيحية الديمقراطية، كذلك يعتبر الحزبان الجمهوري والديمقراطي في امريكا من الاحزاب المعمرة.
اما في آسيا وافريقيا فتندر الاحزاب المعمرة باستثناء الحزب الشيوعي الصيني وحزب المؤتمر الهندي وحزب العمل الفيتنامي والشيوعي الكوري وعدد آخر من الاحزاب المماثلة التي نشأت اواخر الثلاثينيات او بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945
وقد نشأت، في وقت مبكر من القرن العشرين، احزاب كبيرة في مصر وايران والعراق (في الثلاثينيات) وغيرها، الا انها لم تعمر طويلا، او انها تضاءلت بسرعة … اذ رغم بقاء بعضها واستمرارها حتى اليوم مثل حزب الوفد المصري، الا انها كانت ضعيفة للغاية او ان بعضها قد اعتراها الضعف والإنعزال في وقت مبكر مثل منظمة الاخوان المسلمين المستمرة في مصر حتى اليوم .
اما ان ينشأ حزب ويتوسع جماهيريا ويحوز على شعبية كبيرة ويبقى قوة رئيسة في الساحة، منذ نشوئه حتى اليوم، فهو امر نادر. مثلاً حزب المؤتمر الهندي نشأ قوياً وواسعاً ولكن سرعان ما انكمش على نفسه وانسحب نحو الخلف بعد رحيل جواهر لال نهرو. كذلك الحزب الشيوعي السوري قد تأسس في بداية القرن العشرين وتوسّع بشكل كبير في الاربعينيات والخمسينيات ثم تضاءل وكاد يتلاشى مع ستينيات القرن العشرين .
الحزب الشيوعي التركي ايضا حزب قديم النشأة لكنه تراجع بشكل كبير منذ عقود. اما الحزب الشيوعي العراقي (المؤسس عام 1934) فهو، زمنيّاً، حزب معمر لكنه فقد شعبيته وقوته السياسية منذ اواخر سبعينيات القرن العشرين، وكاد يتلاشى مع بداية القرن الـ 21
لم تحضرني، لحظة كتابة هذا المقال، التواريخ الدقيقة للاحزاب الكبيرة الناشئة في وقت مبكر، الا ان الحالات الاساسية لعمر الاحزاب تكاد تنحصر في المحطات التي ذكرتها آنفاً .
فهناك ظروف تأريخية اجتماعية ودولية معينة ادت الى نشوء وازدهار مجموعات كبيرة من الاحزاب اليسارية والديمقراطية، وظروف اخرى لنشوء مجموعات صغيرة من الاحزاب اليمينية والفاشية، حتى اشرف العالم على عصر العولمة وثورة المعلومات والتكنولوجيا وشيوع الحريات وحقوق الانسان وانتشار المبادىء الديمقراطية العامة، ممّا ادّى الى تغيير كبير في الحياة السياسية وفي شروط تشكيل الاحزاب، فنشأت احزاب ليبرالية ديمقراطية ما زالت هشة ضعيفة في البلدان النامية (المتخلفة) بشكل عام، في وقتٍ تتقدم الاحزاب المحافظة والعمالية القديمة وتتوسع حركة الخضر واحزابها في اوروبا، ويحتفظ الحزبان الديمقراطي والجمهوري الامريكيان بقوتهما وشعبيتهما ويسيطران على المفاصل الاساسية للحياة السياسية في الولايات المتحدة الامريكية .
الحزب الديمقراطي الكوردستاني
16 / 8 / 1946 – 16 / 8 / 2007
اين يقع هذا الحزب، المعروف منذ تأسيسه بالبارتي (وهو المصطلح اللاتيني للحزب)، من لوحة حياة الاحزاب في القرنين الاخيرين ؟
البارتي، بلا شك، حزب معمِّر. هذا اولا.
وهو استمر قويا وشعبيا الى حد كبير، ثانيا. كما أنه نشأ كاستمرار لاحزاب كوردية قوية قبله. فهو يعتمد على جذور تأريخية عميقة تمتد الى بدايات الحركة التحررية الكوردستانية منذ عام 1880.
فهو من الاحزاب السياسية القليلة جدا في آسيا وافريقيا، التي ظلت محتفظة بحيويتها منذ تأسيسها .
فالبارتي ظل حيويا وجماهيريا وقويا نسبيا، سواء في ظروف العمل السري (1946 – 1958) او في ظروف العمل العلني (1959 – وما بعده)، ام في ظروف المقاومة الشعبية والمسلحة منذ عام 1961 حتى 1991، ثم في ظروف الحياة العلنية البرلمانية منذ عام 1992 حتى اليوم .
ورغم ان البارتي قد تراجع احياناً تحت ضغط حملات القمع الحكومية العراقية احيانا ام في ظروف المنافسة الحزبية العنيفة داخل كوردستان احيانا اخرى، فانه بشكل عام احتفظ بقاعدته الاساسية الجماهيرية الواسعة وبدوره السياسي ونفوذه المعنوي والقومي .
وكلما اصابه الضعف والتراجع النسبي بين حينٍ وآخر فانه سرعان ما كان يستعيد قواه ومواقعه ويعود اكثر جماهيرية. اما الاسرار الكامنة وراء هذا الاستمرار في الوجود والمقاومة فتعود اوّلاً الى ديناميكية نظام عمله الداخلي الذي يسمح بتجديد قواه والتزود بدماء جديدة وذلك بفضل قواعد بسيطة جداً وثابتة من ممارسة الديمقراطية الداخلية عن طريق المؤتمرات الحزبية المنتظمة. فقد ظل الحزب امينا على قرارات هذه المؤتمرات والالتزام بها مهما كانت الظروف، مما اكسبه الثقة والاحترام. وثانياً : تعود أسرار قوته الى حكمة قيادته المعتدلة المرنة والثابتة على الاهداف الوطنية والديمقراطية القومية، دون مساومة او تردد. فقد استمر نهج قيادة البارزاني يزود البارتي بحيوية وثقة وايمان قوي .
هذان العاملان الذاتيان الداخليان، وهما الالتزام الديمقراطي الداخلي وحكمة القيادة المعتدلة الراسخة في احترام الاهداف والمبادىء، هما اللذان اعطيا للبارتي هذه الفعالية الذاتية. لتقبل اي تطور جديد في الفكر السياسي واستيعاب التغييرات الدولية.
فالمعروف انّ العالم بأسره شهد تطورات وانعطافات حادة وكبيرة منذ عام 1946، اي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. حيث الحرب الباردة خلال 1945 – 1990، ثم ظروف العولمة وحروب الخليج وانتشار مبادىء حقوق الانسان والثورة المعلوماتية وغيرها. وطوال اكثر من نصف قرن ظهرت الموجة اليسارية الواسعة للغاية وسيطرت على العقول والنفوس في معظم مناطق العالم بما فيها بلدان الشرق الاوسط (حيث كوردستان)، ثم انحسرت وتراجعت الموجة اليسارية والاشتراكية في الفكر والتوجه السياسي والاقتصادي لتظهر موجة مختلطة من الليبرالية والاصوليات الدينية والحركات القومية العنيفة .
استطاع البارتي، خلال جميع هذه الانعطافات واحداثها الدراماتيكية أن يحتفظ باعتداله وثباته على التزاماته القومية والديمقراطية والجماهيرية وارتباطه بالاهداف الاقتصادية والاجتماعية للفئات والطبقات الفقيرة المعدمة، رغم انحيازه النسبي مؤخرا الى جانب اقتصاد السوق وتشجيع الاستثمار الرأسمالي. ان قابلية البارتي على تغيير هادىء لأفكاره وتوجهاته حسب الظروف ساعدته على التماشي مع العصر .
تلك الالتزامات الداخلية والخارجية هي من الاسرار القوية لبقاء الحزب واستمراره، الى جانب احتفاظ الحزب بنمط واحد نسبيا من القيادة المعتدلة الهادئة التي تتعامل مع الامور بحكمة وتأمل وتعقل واتزان .
فالاتزان صفة ملازمة لهذه القيادة التي لم تتسرع يوما ولم تهتز امام الضغوط الخارجية والداخلية ولم تساوم الحقوق والمبادىء العامة.
ان تجربة البارتي وقيادته تؤكد على مفهوم العمل السياسي الصحيح القائل بأن السياسة ايضاً اخلاق ومبادىء وضمير وفكر هادىء ثابت .
واثبتت هذه التجربة الغنية اهمية الالتزام بأخلاقيات العمل الاجتماعي والسياسي، وبالاعتدال الفكري بدل التطرف او تقليد الآخرين. فالبارتي ظل قوميا ديمقراطيا متسامحا معتدلاً دون غرور او تطيّر وهلع.
بناءً على هذا التأريخ، أعيد هنا ما كتبته سابقاً، عدة مرات، من انَّ البارتي سيتمكن من الاحتفاظ بموقعه الطبيعي ودوره الشعبي، وسيزداد جماهيرية وقوة فيما لو استطاع الاحتفاظ بأهم صفة فيه وهي التواضع والزهد والتجاوب الطبيعي مع الشعب دون غرور. ايَّ انَّ البارتي ينبغي ان يحذر من مخاطر قادمة وان يتجنب الوقوع في إغراءات الغرور والتعالي على الشعب وخاصة اذا ما ازداد قوة ومكانة في مستقبل قريب. اذ يؤمل له ذلك، وقد يتوسع فجأة بشكل كبير يصعب عليه استيعابه وتنظيمه في البداية. ففي هذه الحالة على وجه الخصوص، ينبغي على البارتي وقيادته الاحتفاظ بالتواضع والاعتدال والهدوء وضبط النفس وخدمة الشعب.

التآخي