الرئيسية » مقالات » كردستان تجربة رائدة لمقاربة الثورة مع الدولة

كردستان تجربة رائدة لمقاربة الثورة مع الدولة

حينما اكتب عن الأكراد يبدو لي ـ على الأقل ـ أن امرهم غريب عجيب ، فكل المصادر تقول ان هذا القوم يشتهر بالشجاعة وشدة البأس ، وإن بلادهم تشتهر بوعورة تضاريسها وشموخ جبالها ، وإن ثقافة الأكراد تبدو متناغمة مع واقعهم الجغرافي . وكان هذا الأتفاق على الجغرافية يقابله تباين النظريات في تاريخ الشعب الكردي ، حيث تباينت التفسيرات عن اصول هذا الشعب ، منها تأصيلهم الى الميديين مثلاً ، وغير هذا ذهب الكتاب والمؤرخين شتى المناحي . ولا يسع لنا المقام هنا الى التطرق الى كل تلك الأفتراضات لكن منها ما هو غريب عجيب بإلحاقهم بالجن عن طريق إماء سليمان بن داود ( شرفنامة ومروج الذهب ) ، وفي المعارف لأبن قتيبة فيذكر أن الأكراد هم فضل من طعم ( بيوراسف ) وذلك اذ كان يأمر ان يذبح له كل يوم إنسانان ، ويتخذ طعامه من لحومهما ، وكان له وزير يقال له أرمائيل ، فكان يذبح له واحداً ، ويستحيي واحداً ويبعث به الى جبال فارس ، فتولدوا في الجبال وكثروا ..
وبعد هذه التفسيرات نقول :
نحن أبناء اليوم أمامنا الشعب الكردي قائم بذاته ويحمل هويته بين الشعوب والأمم ويطالب المجتمع الدولي بالحد الأدنى من المساواة بين الأمم في أن يكون له كيان ذاتي وشخصية مستقلة .
لقد ارتبط اسم الشعب الكردي بالمفهوم الذي نحته له مختلف الأطراف فتركيا تقول عنهم أتراك الجبال وبريطانيا كانت تقول عنهم :
انهم قوم غير متحضر فكان قائد جناح Gale للسلاح الجوي يقول :
إذا لم يتعلم الأكراد منا كقدوة أن يتصرفوا بأسلوب متحضر ، وجب علينا ان نؤدبهم . وكان ذلك يتم بالقنابل والرشاشات .
وصدام ايضاً سعى من أجل ترويضهم فأعمل فيهم القتل الجماعي التي ارتكبت بحقهم في عملية الأنفال السيئة الصيت ، أما موقف أمريكا من الأكراد فقد عبر عنه موظف أمريكي في اواسط التسعينات بقوله :
لدينا سمكات أكبر لنقليها والأكراد ليسوا سمكة كبيرة جداً .
في اعقاب الحرب العالمية الأولى وبعد تقويض الأمبراطورية العثمانية كان الشعب الكردي يعقد الآمال في تكوين كيانه المستقل أسوة بالأمم الأخرى ، لكن ذلك لم يتحقق بسبب إرادة بريطانيا التي كانت مصالحها النفطية تقضي بإلحاق ولاية الموصل مع العراق وعدم منح أي حكم للأكراد . فشكّل الأكراد دائماً ظاهرة غريبة في العالم الحديث ، كونهم أمة من غير وطن .
وإذا توخينا المقارنة بين كردستان وفلسطين او اسرائيل فسيكون لكردستان وضع خاص أيضاً فالشعب الفلسطيني يحظى بتأييد ودعم الدول العربية المجاورة والمنظمات الأنسانية الدولية . وأسرائيل التي يحيط بها الأعداء من كل جانب لكنها تحظى بتأييد ودعم الدول الغربية وأميركا . تبقى كردستان محاطة بدول متفقة على تقسيمها ، ويغيب عنها الـتأييد السياسي ومساعدات المنظمات الأنسانية .
إن هذا الواقع قد أجبر القيادة السياسية الكردية في مختلف المراحل بالأعتماد على القدرات الذاتية للشعب الكردي اولاً والتضاريس الجبلية المساعدة في حرب العصابات ثانياً ، وترك هذا الواقع بصماته على هذا الشعب فكان قدره ان يكون في دوامة من الثورات في تاريخه المعاصر ، وطفقت ثقافة الثورة ملازمة لخطابه .
الثورة مهما اختلفت بيئتها فهي معنية باتخاذ استراتيجية سياسية ودبلوماسية وعسكرية ، فالثورة لا يمكن ان تكون معلقة في الهواء إنما هي واقع معاش على الأرض يتفاعل مع الأطار العالمي والأقليمي والمحلي ، والثورة تسعى الى تغيير واقع غير مقبول وهي معنية بتجنب الوقوع في شباك العمليات الأرهابية .
إن اهم معاني الثورة وتفسيراتها ، انها ليست غاية بذاتها ، إنما هي تكتيكات هادفة لأنجاز استراتيجية مرسومة وتنتهي بعد انتهاء مهامها وهي تعبد الطريق امام تشكيل دولة المؤسسات والأدارة المدنية بغية دفع عجلة التقدم والتنمية نحو الأمام .
المشهد الأجتماعي والسياسي والأقتصادي في كردستان يشير الى نجاح المقاربة نحو دولنة الثورة الكردية ، وصيرورتها الى دولة المؤسسات والمجتمع المدني في ظل دمقرطة الحياة السياسية والأجتماعية .
من الأمراض السياسية لبعض الدول هي الأنصراف الكلي نحو البناء الأقتصادي وإهمال الجانب الديمقراطي ، وهذا يؤدي بالأخلال في عملية بناء دولة المؤسسات ، إذ ينبغي التنسيق في كل مفاصل الحياة منها الأهتمام في البنية التحية والخدمية وملازمة العملية الديمقراطية والبناء الأقتصادي .
إن كان ثمة صراع من اجل أستمرارية الثورة على حساب الغاء أو تأجيل الدولة فإن البلاد تبقى في أتون الصراعات ، وتختفي عملية البناء المطلوبة . إن الثورة على الحكم الملكي في العراق وأعلان الجمهورية قد أبقى الدولة العراقية اسيرة لبداوة الثورة ، فكان نبذ او أهمال الديمقراطية وعمليات التعمير والبناء ، وأدخل العراق في اتون الصراعات الداخلية والخارجية ، فمن التعامل الشوفيني مع القوميات العراقية وفي مقدمتها القومية الكردية ، فكانت هذه المعضلة قميص عثمان للتهرب من الديمقراطية والبناء العلمي للدولة العراقية الحديثة .
النظر بعدسة التفاؤل الى التجربة الناجحة لأقليم كردستان سينمو الأمل في نفوسنا في امكانية ترسيخ وانتصار الدولة العراقية على بداوة التقسيمات المذهبية والعرقية والدينية التي تحاول تمزيق هذه الدولة وإرجاعنا الى القرون المظلمة ، ونأمل ان يكون تفاؤلنا في محله .
حبيب تومي / اوسلو