الرئيسية » مقالات » إبنُ السبعين يُعَلَّقُ لِشِباكِ القَصّابين!

إبنُ السبعين يُعَلَّقُ لِشِباكِ القَصّابين!

شَيخٌ في السبعين يُعَلَّقُ مُنْتَكِساً لِشباكِ القَصّابينَ بـ “سجنِ الإسكانِ” (1) ..

يسأله”غازي” (2) :

………أين تُخَبِئُ هذا الولدَ الجاحِدَ بالنعمةِ عن أنظارِ السُلطة؟!

………هِلْ تِنكُر إن “القائد” يَمنحَه نَفَساً مِثلَ جميعِ الأجناسِ؟

………القائدُ لا يكرهُ أحداً..

…………………….إن كانَ نزيلاً في قبرِ السُلطةِ..

……….لكِنْ..

……….يِسعى لخلاصِ الأمةِ من نارِ الضَيمِ بِقَبرٍ يبتلعُ الأوطانَ..

يجيبُ العاملُ ابن السبعين بصوتٍ مخنوقٍ:

……… يا ولدي..

يَقمعَهُ ..زَجْراً..”غازي”:

……..إخرَسْ..

……..فأبي اشرفُ مِنْ أن يُمْسي مِثلَكَ لا يعرفُ في أيِّ ديارٍ أولادَه..

ويَرُدُّ الشيخُ الطاعِنُ بالحيرةِ:

……..إسمعْ ياابنَ أبيكَ..

……..هذي سِننُ الدُنيا..

…….والولدُ “المطلوبُ” تجاوَزَ سِنَّ الخمسين..

……..فَكَيفَ أُلاحِقُ ولداً أصبحَ “جِدّاً” مُنذُ سنين..

يومِئُ “غازي” للكلبِ الأصهبِ ..

يطفئُ أعقابَ سجائِرِهِ بالجسدِ اليابسِ..

تَنفُثُ دُخّاناً اسود..

والعاملُ ابنُ السبعينَ يُنازِعُ بين الغَيبوبةِ والصَمتِ..

يَصفَعُهُ الكلبُ الأصهبُ بعصاه الشوكية..

…………………..يَفتحُ فاهً يابسةً بيضاءَ بِصِدْغِهْ..

يَجْفِلُ مرتعشاً..

تَسترخي الأطرافُ..

ويَغفو مشقوقَ الهامةِ ..

يَتَدلى كالخرقةِ بعد نزيفِ الأمطارِ اللَّزْجَةِ..

يَعرفُهُ “عمالُ السُكَّرِ” كَهْلاً..

……وحقولُ القَمحِ بأيامِ صِباه..

*******

أنْفُذُ مَفزوعاً من بيتٍ دونَ سقوفٍ أو جدرانٍ..

امسِكُ روحي من فَروَتِها..

أتَحَسَسُ وَجَعاً يَجتاحُ عُروقي..

أسالُهُ:

يا أبتي..

هَلْ مازِلتَ تُحاولُ تَقسيمَ “العَوَزِ” الـ تأخذهُ بعدَ غروبِ الشَمسِ..

بِعَدْلٍ..

بين اللقمةِ..ودفاتِرَ رسمٍ للأولادِ؟

كي يفرحَ أبناؤكِ يا “أم شاكر”..

يُقنِعُها:

……حمدانٌ إبنَ الجارةِ باعَ دفاترَهُ للبقالِ بـ”طوبة” (3) !

وهُموا .. أبناؤكِ ..

يمشون حُفاتاً.. هَوَساً في علبةِ ألوانٍ..

لَعَنِ اللهُ “خرابة سِعَدة”..

تَنشُرُ فُقراً وجُنوناً بين الصبيانِ..

كُلٌّ في دربٍ هائمٍ ..

هذا يَسعى لرغيدِ العَيشِ بثوبٍ سافرٍ..

وذاكِ يُنَقِبُ عَمْداً في عُشِّ عقارِبْ..



(1) سجن الإسكان: سجن التسفيرات –سيئ الصيت -في العمارة.

(2) غازي:ضابط أمن قتل بحادث سير في التسعينات.

(3) طوبة:كرة بلهجة أهل العراق.