الرئيسية » مقالات » و لم يزل القاتل مجهول

و لم يزل القاتل مجهول

لم تكن الشاحنات الأربع التي انطلقت محملة بالوقود من أجل توزيعها على المواطنين الأيزيديين ، ولم تكن تلك الشاحنات قد نزلت من السماء ، فقد كانت مملوكة لأشخاص ويقودها سواق ، وتم تحميلها من المستودعات الخاصة بتوزيع المنتجات النفطية ، ومن ثم سارت تباعا الى النقاط المحددة لها ، ومرت على العديد من نقاط وسيطرات التفتيش ، ويقينا أن هناك من قرأ اوراقها والأوامر الصادرة لها بالأنطلاق الى تلك المواقع .

وحين دخلت الى ساحاتها المحددة للتفجير ، لم تكن البهائم التي تقودها لاتعرف مداخل ومخارج تلك القصبات .

ولهذه الشاحنات أرقام ولهذه الشاحنات سجلات في دائرة المرور ، ولهذه الشاحنات قيود في مخازن تعبئة الوقود ، ولهذه الشاحنات مالكين مسجلة بأسماؤهم ، وتتوفر معها ومع البهائم التي انتحرت معها العديد من الأدلة والقرائن التي تكشف ليس عن هوية البهيمة الذي انتحر ، وليس عن نوع السيارة الحوضية التي كانت مملوءة بالوقود والمتفجرات ، وإنما تكشف عن الجهة والأشخاص الذين خططوا لتلك العملية ، سواء أكانت القاعدة أو التكفيريين أو البعثيين الصداميين ، وسواء كانت أيران أو أمريكا أوأخوة عرب أو أكراد أو تركمان ، فأن الأمر لايعفي الجهات المسؤولة عن كشف الحقيقة خلال مدة لاتتجاوز عدد أصابع اليدين ، لتضع النقاط والحروف .

لم يعد احد يصدق ذلك المجهول الذي يقترف الاف الجرائم البشعة ، ويرتكب تلك الأفعال الشنيعة ثم لايتعرف عليه أحد .

هل أن المحاصصة الطائفية والمصالح السياسية تطغي على الضمائر فتكتم الحقيقة عن الناس ؟

هل إن الصراع على المناصب والكراسي يعمي الأبصار ويشل الوجدان ؟

هل أن الحقيقة تبقى مقيدة ضد مجهول في نظر الناس ومعروف ومكشوف في نظر جهات أخرى ؟

أين صارت الرجولة والشهامة وتغليب مصلحة الوطن على المصلحة الذاتية ؟

كيف يتم بيع أرواح الناس تحت مزاعم عديدة ومتنوعة لكنها واحدة بالنتيجة ؟

هل حقا أن قتلة العراقيين مجهولين ولانتعرف عليهم ؟ أو من الصعب إن نتوصل الى وجوههم ومراجعهم وأماكن يتسللون اليها ، وبيوت تمدهم بألآت القتل والذبح ، وبيوت تتستر عليهم وتطعمهم وتمدهم بالماء والعدد من أجل إن يستمر قتل العراقيين .

صهاريج من الوقود التي يفتقدها العراقي ويصارع من اجل الحصول على كمية لسد احتياجات عائلته ، يحصل عليها القتلة وتقودها البهائم المفخخة من اجل القتل ، ولاأحد يعرف من أين يتمكن هؤلاء الحصول على تلك الصهاريج ؟ ولا كيف تمت تعبئتها بالوقود ؟ ما زالت فرق الانقاذ تبحث بين الانقاض عن الضحايا. وبنتيجة البيوت الفقيرة المبنية من الطين ، تهدمت تلك البيوت على ساكنيها ، ويقوم عمال الانقاذ باستخدام ايديهم للحفر بحثا عن الناجين او المصابين او الجثث الراقدة تحت الأتقاض ،أو لأنقاذ ما يمكن أنقاذه ، خشية ان يتعرض احد المطمورين تحت الانقاض إلى الموت بسبب طبيعة بناء تلك المنازل البسيطة .

وبنتيجة تلك الأعمال الأجرامية والأرهابية ، قُتل اكثر من 250 شخص في عدد من الهجمات المتتالية بصهريج نفط و3 سيارات مفخخة في بلدتي القحطانية والعدنانية القريبتين من الحدود السورية والتي يسكنهما اكراد من أبناء الأيزيدية المسالمين .

في الوقت الذي بدأت تتفاقم الجرائم ضد أبناء الديانة الأيزيدية والمسيحية والمندائية في العراق ، متزامنة مع محاولة أنتشار الإرهاب والتنظيمات الأجرامية والصدامية ، لم تلق تلك الجرائم ذلك الاهتمام الكافي والمتناسب مع حجم تلك الجرائم في البحث عن الجناة ، وتشخيص مراجعهم وهوياتهم ، ولم تلق تلك الجرائم الا الاستنكار المعنوي والخجول الذي لايلبث إن يتبخر مع انقضاء نهار دموي جديد على العراق .

لم يزل العراق يعطي من فلذات كبده يوميا ، في قوافل من الشهداء ، ويقينا ستنتصر أرادة الإنسان والخير والمحبة على تلك العقول المغلفة بالشرور .

يقينا أن مقترفي تلك الجرائم مهما كانت هويتهم الطائفية إنما يخونون العراق ، وباقترافهم تلك الجرائم لايعبرون عن خستهم وخطورتهم الإجرامية ، إنما يعبرون أيضا عن خسة من يوظفهم ويتستر عليهم ، واستهداف أبناء تلك الديانات لم يكن دون قصد ، فقد عرف أهل العراق أبناء الديانات المسيحية والمندائية والأيزيدية عراقيون أصلاء ، وهم أبناء الديانات المسالمة والمتسامحة ، ولم يظهر أي تطرف أو شذوذ من أبناء تلك الديانات ، كما لم يظهر أي رد فعل متهور منهم ضد أي متطرف ، كما عرفهم العراق محبين للسلام وداعين له ومتمسكين به ، ولهذا لم يجد القتلة ذلك الاصطفاف المسلح والمواجهة التي ترتقي لمستوى الحماية من الأجرام المنتشر اليوم في العراق .

وإذا كان الإرهاب يطال المواطن العراقي ، وإذا كانت المجموعات الإجرامية تتوحد مع تلك التنظيمات الإرهابية ، فأن المواطن الأيزيدي والمندائي والمسيحي يطاله الإرهاب مرتين مضاعفتين ، المرة الأولى باعتباره عراقيا متمسكا بعراق ديمقراطي وفيدرالي ، والثاني باعتباره من أبناء الديانات العراقية العريقة والأصيلة غير الإسلامية .

وإذا كان في العراق مكونات اجتماعية مختلفة منذ أن نشأ الإنسان على أرضه ، فأن هذه المكونات تشكل ملح العراق وحياته التي لايحيا بدونها ، أذ لايشكل الاختلاف الديني أو القومي أو المذهبي درجة في المواطنة ، ولايمكن وبأي شكل كان أن يجري الذي جرى على ابناء العراق من غير أبناء الإسلام ، ودون ابناء العراق جميعهم وعلى اختلاف دياناتهم وقومياتهم لن يكون العراق الموحد .

ونشعر كما يشعر معنا الحريصين على تكاتف العراق وإحلال المصالحة والسلام ، وانتصار الحق والقانون على فلول الإرهاب والأجرام ، بأن تقصيرا كبيرا من لدن جميع المسؤولين عن هذه الصفحة المشينة في التاريخ العراقي ، إذ لم يتم الكشف عن تلك الأيادي الآثمة والمجرمة التي تعرضت لأبناء تلك الديانات بالقتل والتشريد أو الإجبار على تغيير الدين ، ولم يتم التعمق في التحقيق لمعرفة هويات القتلة ومن يقف وراءهم ، ولا تم إعلان القبض على فلولهم وعناصرهم الموبوءة ، ولا تم الالتفات الى تلك الجرائم التي وصلت الى درجة التعرض الى رجال الدين والكنائس ودور العبادة ، وصاحب كل هذا صمت مريب من رجال الدين لايليق بمن يكن للعراق المحبة والخير أن يسكت ، فالسكوت في معرض الحاجة الى القبول رضا ، ولا نعتقد إن سويا يمكن إن يرضى ويقبل على ما يجري من جرائم ضد ابناء الأيزيدية والمندائية والمسيحية .

وثمة سؤال يطرح نفسه ، لماذا الذي يجري ضدهم وفي هذا الوقت بالذات ؟ ومادام الأمر يتطلب من العراقيين التوحد والاصطفاف ضد فلول مجموعات الأجرام والإرهاب الذي يطال جميع أبناء العراق ويريد أحالة حياتهم ومستقبلهم الى جحيم ، ويسعى الى حجب مستقبلهم وحلمهم في دولة القانون ، ومادام الأمر صار في مواجهة بين ابناء العراق وأعداء العراق ، فلم هذه الجرائم التي يندى لها الجبين الإنساني ، والتي لاتعبر الا عن أرواح متلبسة بالشر والأجرام ، والتي لاتكتفي بالقتل أو بشرب دماء الناس ، وهذه الخطورة التي ربما شاهدها بعض في أشرطة مصورة ، لمجاميع إرهابية تقتل وتمعن وتطرز بالرصاص أجساد حتى بعد إن سكنت أرواحها وانتقلت الى بارئها تشكو ظلم الإنسان ، من يتمعن في تلك المشاهد يتأكد بأن المجرمين سيعاودون جرائمهم التي أصبحت زادهم وصيرورتهم ، حتى ضد أهاليهم فقد أدمنوا القتل ولن توقفهم النصائح والمناشدات ولا الاختلافات الطائفية والتطرف الديني الأعمى ، ولهذا فأن من يصطف مع أعداء العراق إنما يخون شعب العراق .

أين نحن مما يجري على أبناء الديانات غير الإسلامية في العراق ؟ وماذا قدمنا ؟ وكيف سنقبل التعامل مع تلك الجرائم التي اعتدنا إن نوجهها ونلصقها بعناصر إجرامية مجهولة .

ماهو دور الحكومة ؟ وكيف سيمكن إن نذكر للأجيال العراقية القادمة هذه الصفحة التي سجلها التاريخ العراقي بأحرف سوداء .

أن ابناء المسيحيين والمندائيين وأبناء الأيزيدية ليسوا عاجزين عن رد الشر ، ولم يتوجهوا لتكوين ميلشيات مسلحة أو مجموعات تحمل الأسلحة وتكتنز المتفجرات ، ليس عجزا أو خوفا ، إنما حرصا على هويتهم وتأريخهم ومبادئهم وقيمهم التي تربوا عليها ، وحين يضطرهم الدفاع الشرعي لسلوك هذا الطريق ، فأن التزامات أخرى تفاقم السعي لإحلال فرص السلام والتوحد بين العراقيين ، ونشعر أن حالات الأجرام التي ترتكب من قبل تلك العصابات حري أن يتم الأعلان عنها والكشف عن هويات مرتكبيها ومن يخطط لها ويحرض عليها ، ليتعرف اهل العراق على تلك النماذج المجرمة والقذرة التي تريد بالعراق كل العراق السوء والشر .

وإذا كان السكوت عن عمليات التهديد والرعب والأرهاب بالخطابات والرسائل قد تم السكوت عنها من قبل المسؤولين ، وإذا كانت عمليات الترحيل وقطع الأرزاق وأخلاء البيوت والمحلات التجارية قد تم التغاضي عنها ، فأن حالات الإجرام المرتكبة بحق البشر مدانة ويجب إن تكون العقوبة صارمة و في مكانها المتناسب مع خطورتها ، في مراحل التحقيق الأولي أو الابتدائي ، وان تلقى من السلطة التنفيذية ومن القضاء العراقي الردع والعقوبة المتناسبة مع الظرف والزمان الذي تم فيه ارتكاب تلك الجرائم .

ولايعقل إن يتم قتل الإنسان بسبب ديانته العراقية ، ولايقبل إن يتم قطع أرزاق الناس بسبب ديانتهم ، ولايمكن إن يحمل ذرة من ضمير وعقل من يرتكب تلك العمليات الإجرامية ، وعلى هذا الأساس ينبغي التوحد ليس في الصوت ، إنما بالعمل في إيقاف تلك الجرائم ، ووضع الحد الحاسم لها .

بأنتظار أن يتم كشف الحقائق والتوصل الى الفاعلين الحقييقيين ومن يقف خلفهم ، وبانتظار أن تكون تلك الأرواح البريئة سببا لأهتمام الحكومة والمسؤولين بتلك المجموعات البشرية المسالمة ، وبانتظار أن نتعرف على الفاعل مهما كانت قوميته أو جنسيته أو مذهبه أو دينه .