الرئيسية » مقالات » طفل يستنجد ويستغيث فهل من سميع مجيب ؟

طفل يستنجد ويستغيث فهل من سميع مجيب ؟

الايزيديون, منسيّون مهمّشون, كأنهم يعيشون خارج الزمن في بلد يمتلك ثاني أكبر إحتياطي نفطي في العالم, يلاحقهم الفقر والبؤس والظلم والاضطهاد في موطنهم الاصلي في ظل حكّام المنطقة من الارهابيين الجدد من أمراء ما يسمى بدولة العراق “الاسلامية” وعصابات القاعدة.
“بإستثناء أقليم كوردستان” فقد ضاقت بهم السبل, ويلاحقهم الموت في كل مكان من العراق بقطع الرؤس, ورجمآ بالحجارة, ورميآ بالرصاص, وبالحرق, وبالتفجيرات, بالمفرد وبالجملة لدرجة أصبح لهم هذا البلد جحيمآ لا يطاق فهل من منقذ للبقية الباقية من 72 فرمان؟
الثلاثاء الاسود 14 – 8 أربعة إنفجارات إنتحارية زلزلت الارض تحت أقدام الفقراء “المحتارين في توفير لقمة العيش” الذين يسكنون البيوت الطينية التي تهدمت فوق رؤس ساكنيها الابرياء من الاطفال والنساء والشيوخ. المشاهد المروّعة لتلك الانفجارات أعادت بنا الى التاريخ وجعلتنا نعيش هاجس الموت الجماعي الذي بات يهدد وجودنا كبشر في أي يوم من أيام وليالي العراق وذكرّتنا من جديد بالجرائم وحملات الابادة الجماعية والغزوات التي تعرّضوا لها “ولازالوا” من قبل جيرانهم لا لذنب إقترفوه ولا لجرم إرتكبوه بل لكونهم لم يعتنقوا الإسلام دينآ تارة , ولتشبثهم بجذورهم الكوردية تارة أخرى.
أيّ قلب يحملونه , وأيّ ضميريمتلكونه , وأيّ دين يعتنقونه , وأيّ إله يعبدونه هؤلاء القتلة المجرمون؟!!
لا قلب لهم كي يرحموا به , ولا ضمير لهم كي يحتكموا اليه , ولا دين لهم كي يعملوا بتعاليمه , ولا إله لهم كي يخافوا حسابه , إنهم إرهابيون ووحوش متعطشة للدماء , إنهم أعداء الله والانسان الذي هو أفضل خلائقه ذكرآ كان أم أنثى , أسودآ كان أم أبيض, مؤمنآ كان أم كافر.
نزيف الدم المستمر والجرائم اليومية الاخرى التي ترتكبها قوى الظلام والارهاب بحق العراقيين الابرياء أصبح جزء من المشهد العراقي الدموي اليومي وهو ثمن الحرية الذي يدفعه العراقيون المؤمنون المتطلعون والمضحون بسخاء لبناء بلدهم على أسس حضارية جديدة.
العملية الارهابية البربرية الاعنف, التي هزت ضمير كل من يمتلك ذرة منه, طالت هذه المرّة أبناء الديانة الايزيدية التي لا يفكر معتنقيها لا بالسلطة ولا بالمحاصصة وانّما جل همهم هو التفكير بعيشهم والنجاة بجلدهم .
آخر المعلومات الواردة من شنكال تشير الى إرتفاع عدد ضحايا التفجيرات البربرية في مجمعي كرعزير وسيبا شيخ خدر الى حوالي أكثر من 800 ثمان مائة شخص بين شهيد وجريح وتدمير عشرات الدور التي سوّيت بالارض نتيجة شدة الانفجارات التي تدللّ على الحقد الدفين الذي تحمله قوى الظلام والارهاب ضد معتنقي هذه الديانة التوحيدية الكوردية العريقة أمام مرأى ومسمع القوات الامريكية والمتعددة الجنسيات !!
العمل الارهابي الجبان ليس الاول من نوعه وبالتأكيد سوف لن يكون الاخير وهو يدخل ضمن سلسلة العمليات الارهابية التي تستهدف المواطنين الكورد في كركوك والموصل وديالى ضمن مخطط مبرمج يهدف الى نشر الخوف والرعب لإفراغ هذه المناطق من سكانها الكورد بدعم من المخابرات الاقليمية خصوصآ ونحن نقترب من السقف الزمني المحدد لتطبيق المادة 140 من الدستور العراقي الدائم في نهاية هذا العام.
إستبشرنا خيرآ بصقوط الصنم وبدء مرحلة جديدة من تاريخ العراق لكن يبدو ان المسافة التي تفصلنا عن المحطة لازالت طويلة, والتحول الديمقراطي وسيادة القانون والعدالة والسلم الاجتماعي في هذا البلد هي أوهام تصطدم وتتعثر أمام صخرة التطرف “الديني” والمدّ الاصولي الذي يكتسح المنطقة “كما يستعر النار في الهشيم”.
في ظل ما تشهده أغلب البلاد الاسلامية – منها العراق- من نمو نفوذ الاحزاب والتيارات والمرجعيات الدينية وتزايد دورها في الحياة السياسية في ظل إنحسار وتراجع دور القوى والاحزاب العلمانية والليبرالية , والعمليات التي تستهدف الاقليات الدينية “بشكل مبرمج” في وسط وجنوب العراق المحكومان من قبل الميليشيات المذهبية التي تكفرّ كل من يخالفها في ظل إنعدام سلطة الدولة والقانون فأن العيش في هذه المناطق أصبح جحيمآ لايطاق تحمّله وتقطع الشك باليقين بأن لا مستقبل لهذه الاقليات في هذا البلد الذي مزقته السياسات العنصرية والشوفينية القومية والمذهبية والتي نعاني من تداعياتها في الاحتراب المذهبي والطائفي الذي تشهده الساحة العراقية التي يشكل الفقراء المغلوبين على أمرهم ضحايا ووقود تلك الحرب اللعينة.
السؤال المشروع الذي تطرحه هذه الاقليات “الحلقة الاضعف” ما هو السبيل للخلاص من المصير الذي ينتظرها إذا أرادت المحافظة على وجودها وخصوصياتها ؟
أمام هذه الصورة السوداوية لمستقبل المسيرة والتحولات الديمقراطية التي تنشدها بعض القوى العلمانية التي هي الاخرى تقع تحت ضغط وتأثير المرجعيات الدينية فأن القراءة الصحيحة لمجمل الوضع العراقي تنذر بالتشاؤم وما لم تحتكم هذه الاقليات الى خطاب منطقي وعقلاني بعيد عن العواطف والوطنية العراقية الزائفة, التي حرمنا من أبسط حقوقنا في المواطنة منذ تشكيل الكيان العراقي في 1921 في ظل إستئثارالمكون العربي السنيّ بالسلطة والثروة طيلة 80 عام مضت تحت عبائة القومية العربية وسنحرم منها في ظل العبائة الدينية والمذهبية أيضآ, فأنهم سيكونوا عرضة للابادة عاجلآ أم آجلآ.
إزاء الواقع المرّ الذي تعيشه تلك الاقليات ومنهم الايزيديون الساكنين في المناطق التي أشرت اليها “محافظة الموصل” فأنهم أمام خيارات ثلاث لا رابع لهم وهذه الحقيقة يدركها كل ذي بصيرة وعقل وإن تغافل عنها البعض لأي سبب كان والخيارات حسب قرائتي وفهمي المتواضع هي :
1 – القبول بالامر الواقع في ظل دولة العراق الاسلامية والتنازل عن ديانتنا التي حافظ عليها آبائنا وأجدادنا مقابل الحفاظ على حياتنا وحياة أطفالنا وهذا ما لا يرتضيه أي أيزيدي غيور.
2 – البحث عن ملجأ آمن بالهجرة الجماعية “وهو أمر صعب التحقيق” الى أوروبا وأمريكا والانصهار الطوعي التدريجي في مجتمعاتها التي تعتبر بحار هائجة لايمكن لأي مجتمع صغير خصوصآ المجتمع الايزيدي أن يحافظ على خصوصيته والحفاظ على توازنه أمام أمواجها المتلاطمة.
3 – بارقة الامل الوحيدة والملاذ الآمن يكمن في ظل التجربة الديمقراطية لأقليم كوردستان والمطالبة بتطبيق المادة 140 والعودة الى أحضان الاقليم والقيام بمظاهرات في الداخل والخارج لدعم جهود حكومة الاقليم لتحقيق هذا المطلب لتوفير الارضية القانونية لحكومة الاقليم كمطلب جماهيري من أجل الاسراع بالمطالبة بتسليم الملف الامني وتوفيرالحماية لهم بإرسال قوات البيشمه ركة وتسليح سكان المنطقة بالتنسيق مع قوات التحالف الدولي خاصة بعد التنديد الذي أعلنه البيت الابيض على لسان ناطقه الرسمي والبيان الذي صدر عن السفير الامريكي رايان كروكر وقائد القوات في العراق الجنرال ديفيد باتريوس وكذلك التنديد الذي صدر من بان كي مون الامين العام للامم المتحدة والكثير من الدول الاخرى.
الرئيس الطالباني ورئيس الوزراء المالكي ورئيس حكومة الاقليم ومعظم القوى السياسية أدانت العملية الارهابية البربرية البشعة وهم مشكورين على الادانة والشجب والمساعدات التي أرسلوها للمنكوبين.
لكن يبقى المواطن الكوردي الذي تطاله عمليات القتل اليومي “على الهوية” من قبل الارهابيين متسائلآ الى متى سيستمر الوضع بهذه الصورة ويبقى يدفع ضريبة التناحر والاحتراب الطائفي ؟
الرئيس بارزاني الذي كرر في أكثر من مناسبة بأن الكورد لا يمكنهم السكوت الى مالانهاية على مايتعرضوا اليه من القتل اليومي على الهوية وقد جاء رده هذه المرّة واضحآ وحاسمآ طالبآ رئيس حكومة الاقليم وقوات وزارة البيشمه ركه والداخلية وقوات حماية الاقليم وبالتنسيق مع القوات المتعددة الجنسيات للدفاع عن المواطنين الكورد إزاء الهجمات الارهابية المتواصلة ضد السكان الكورد في الموصل وكركوك وديالى ودعا وزارة الصحة ومواطني الاقليم الى أبداء كل أشكال الدعم الى ضحايا الحادث الارهابي.
لنكن جميعآ عامل دعم ومساندة لجهود الرئيس بارزاني والقيادة السياسية الكوردستانية الرامية الى حماية الكورد والكوردستانيين ولكل من يتّخذ من كوردستان ملاذآ آمنآ له من الارهاب والارهابيين.
تحية لكل جهد خيريبذلُ, ولكل لسان بالحق ينطقُ, ولكل قلم لمظلوم ينصرُ.
تحية خاصة لكل أهالي محافظة دهوك الكرام الذين لبوّا نداء الرئيس بارزاني وتوافدوا على المستشفيات وتبرعوا بالدم للجرحى وإستقبلوا ذوي الضحايا بالدموع والاحضان.
لشهدائنا وكل شهداء كوردستان والعراق وكل ضحايا الارهاب أينما كانوا جنّات الخلود, ولجرحانا الشفاء العاجل, أمّا الجناة والقتلة والارهابيين فستلاحقهم لعنات كل ذي ضمير في الدنيا وغضب وعقاب الله في الآخرة .
أمّا أنت يا شنكال ستبقين في القلوب وفي ذاكرة الجيال مثل حلبجة الشهيدة, ولك سنذرف الدموع الى أن نجريّن أنهارآ, وسنصرخ صرخة مدوّية الى أن تملأ الدنيا, وسنعمل الى أن تشلّ الايادي وكل ذلك لا يساوي ولا يضاهي صرخة طفل تحتظنه والدته تحت أنقاض بيتها وهي قد فارقت الحياة وهو يلفظ أنفاسه الاخيرة يستغيث ويستنجد بمن يستجيب فهل من سميع مجيب؟

16 – 8 -2007