الرئيسية » الملف الشهري » أضواء – الاخلاص للنص الابداعي وحده – أبطال غائب طعمة فرمان لم يعبروا عن موقف أيديولوجي

أضواء – الاخلاص للنص الابداعي وحده – أبطال غائب طعمة فرمان لم يعبروا عن موقف أيديولوجي

الغرض من كتابة هذا المقال هو توضيح الأنتماء السياسي لشخصيات غائب طعمه فرمان الروائية وإزالة الغموض لدي بعض قرائه من العراقيين والعرب، الذين يتصورون رواياته نسخة أخري من (الأم) لمكسيم غوركي. لم يكن الراحل غائب طعمه فرمان أديبا خاصا بحزب معين. هذه هي الفكرة الأساسية لهذا المقال، فلم يكن غائب لسان حال حزب سياسي معين كما يبدو لبعضهم، إلا أن أغلب قرائه كانوا من الشيوعيين واليساريين والوطنيين المتنورين، الذين إهتموا بأدبه في حياته ومماته.
وقد أظهر إستفتاء أجرته مجلة الأقلام العراقية عام 1978 بأن غائب فرمان كان الأكثر شهرة والأوسع إنتشارافي صفوف قراء عراقيين من مختلف الأتجاهات السياسية رغم الأرهاب السياسي آنذاك.
وقد لمستُ من خلال لقاءاتي الشخصية بالقراء العراقيين والعرب في الخارج الحقائق التالية: إن مجموعة منهم وبالذات من الأجيال الجديدة لم تقرأ أعماله بل مجرد سمعت به علي اساس أنه أديب ثوري أو شيوعي! أو أنه صاحب رواية النخلة والجيران، التي نقلتها فرقة المسرح الحديث علي خشبتها ونقلها تلفزيون بغداد.
وهناك قسم آخر من اليساريين ومؤيديهم لم يقرأ لغائب طعمه فرمان كلَّ أعماله لكنه يكّن له الحب والأحترام لمجرد كونه محسوبا علي الشيوعيين واليساريين.
وهناك مجموعة أخري من قراء الصحف اليسارية في الخارج من الذين إطلعوا علي إسم غائب فرمان في في الصحافة الشيوعية العراقية، وهذا وحده يكفي لأعطاء التصور علي أن شخصياته الأدبية تنتمي إلي هذا التيار السياسي وتقال علي ألسنتها مواقف شيوعية. وهذا تصور غير صحيح ومضر بأدبه ولا يساعد علي فهم نتاجاته فهما صحيحا ويحد في الوقت نفسه من نشر أدبه في مختلف الأوساط بغض النظر عن ميولها الفكرية ومواقفها السياسية. ويعتقد بعض القراء العرب بأن غائب فرمان أديب شيوعي يكتب للدعاية الحزبية!.
وأود هنا أن أذكر علي سبيل المثال لا الحصر رأي الكاتب التونسي المطوي العروسي، الذي عمل سفيرا لبلاده في العراق وعاش احداث مابعد ثورة 1958، فهو ايضا بدا لي من خلال لقائي به في معهد الإستشراق الموسكوفي عندما كنت أكتبُ الدكتوراه عن الأديب الراحل، أنه لم يقرأ لفرمان غير كتاب (الحكم الأسود في العراق) وإعتبره أديبا حزبيا شيوعيا.
من الطبيعي هناك إختلاف بين أديب متحزب وآخر غير متحزب لا يأخذ بمقال لينين (الأدب الحزبي والأدب اللاحزبي)، وأن أغلب كتاب الخمسينيات دخل الأحزاب في فترة الشباب وإستقال قسم منهم منها ووقع جلّهم تحت ضغوط مختلفة، يكفي ان نتذكر قصة بدر شاكر السياب كمثال ليس إلا. وهناك كتاب عراقيون إستهلك الأنتماء الحزبي حياتَهم وإبداعهم.
علاقة الأديب الموهوب والمحترف بالسياسة ليست محددة دائما بانتمائه الحزبي، فهناك أدباء ملكيو الهوي لكنهم واقعيون مثل تشارلز ديكينز وفيكتور هيغو وكتاب آخرين كتبوا حسب أساليبهم ومتطلبات سوق النشر.
وبالنسبة لغائب فرمان فقد إنتقده أكثر من ناقد ماركسي متحزب لعدم تصويره الواقع العراقي بروح ثورية في مجموعته (مولود آخر) أو في روايته (النخلة والجيران). وأحاولُ هنا أن أقدم لمحة موجزة عن التوجهات السياسية في ادب فرمان.
قصة (مصرية في العراق) المنشورة في مجلة الجزيرة لعام 1949 عبرت عن مشاعر قومية لشاب عراقي. (1)
وقد وقعتُ بالصدفة اثناء بحثي عن قصصه الأولي المنشورة في صحافة الأربعينيات والخمسينيات علي رسالة بعثها قارئ عراقي إلي المفكر سيد قطب، وخمّنت وقتها من خلال أسلوبها أن كاتبها هو غائب نفسه، فسألته إن كان حدسي في مكانه فردَّ علي بالأيجاب مؤكدا لي أن هذا المفكر كان في البداية رمزا بالنسبة له. ونشير هنا إلي أن سيد قطب كان ناقدا متنورا في شبابه. ويمكن للباحث ان يلاحظ نفس المنحي في مقالات فرمان الأخري (يا اخواننا في وادي النيل) 1949، (صرخة أخري من العراق) 1951، (أديب عراقي يضجُّ بشكوي) وغيرها من المقالات الأدبية التي كرست للمازني وحافظ ابراهيم والرصافي.(2)
وكان الهاجس القومي واضحا في رواية فرمان (المخاض) من خلال تصويره لشخصية (إسماعيل يازلمه) الفلسطيني، إلا أن هذه المشاعرليست سياسية حزبية كما اصبحت تسمي اليوم تهكما وتشمتا (بالعروبية والقومجيه) من قبل بعض الكتاب العراقيين، بل إنسانية واقعية تطورت بالتدريج نحو الواقعية الجديدة وقد لخص كما هو معلوم للمتابعين كلّ أفكاره في مقدمته هو ومحمود أمين العالم لكتاب (قصص واقعية من العالم العربي).(3)
وهي في الحقيقة موجز لأهم أفكاره عن الواقعية الأشتراكية والجديدة وطريقة فهمه لها وللفكر الماركسي وعلاقته بالأدب. وقد يكون لسفر الكاتب المبكر عام 1949 إلي لقاهرة وإقامته الأولي فيها لغرض الدراسة دور في إبتعاده عن السياسة بمعناها الحرفي والحِرَفي وتركيز إهتمامه بالأدب والكتابة الصحفية.
عند عودة غائب طعمه فرمان من مصر إلي العراق كانت الأوضاع السياسية في بلاده تتجه تجربة جديدة إستمرت حتي الأنتخابات وإنتهاءً بضرب الحريات الديمقراطية عام 1954 فأضطر للرحيل مرة ثانية إلي الشام وكتب هناك إحدي القصص القصيرة علي مصطبة الشارع في أحد الأيام الشتوية وكان جيبه خاويا، ثم توجّه نحو مصر ليقيم فيها ضمن ظروف ومعاناة قاسية.
في بداية الخمسينيات عمل الكاتب فرمان محررا في صحيفة الأهالي لسان حال الحزب الوطني الديمقراطي إلا أنه لم يمارس العمل الحزبي التنظيمي ولا الكتابة الدعائية الحزبية المباشرة، وقد صوّر كلَّ هذه الأحداث في روايته الثانية (خمسة أصوات)، التي تقترب من الأدب السيري والتي صورت حياة مجموعة شباب يعيشون ملابسات السياسة ولا يمارسونها في تنظيمات سياسية، رافضين ركوب أحد زملائهم سعيد الصحفي طائرة اميركية للأطلاع علي فيضان بغداد آنئذ معبرين بذلك عن موقف رمزي وطني عام غير حزبي او طبقي.
ولم يقدم الكاتب في (خمسة أصوات) أي شخصية سياسية متحزبة لموقف شيوعي باستثناء السجين السياسي محسن، الذي كان يطل علي القاريء من خلال رسائله الصحفي سعيد.(4)
وفي الحقيقة أن محسنا كان بطلا حقيقيا، شيوعيا صامدا لم يُصوّر بطريقة مباشرة ولم يطرح شعاراتٍ سياسيةً مباشرةً تخص حزبا معينا، بل كان يتحدث في رسائله عن الأدب وأمور أخري لها علاقة بالثقافة بعيدة عن ضيق الأفق.
هذا وقد سبق لغائب أن كرّسَ لهؤلاء المثقفين والكتاب مقالا نشره في (الثقافة) المصرية بعنوان (كتّاب من العراق) من جماعة الوقت الضائع وكان هو قريبا روحيا منهم، إلا أنه يختلف عنهم في إنتمائه التدريجي إلي أدب الواقعية كما يبدو ذلك واضحا في مقاله ) قيمة الوعي في الأدب والفن) المنشور في مجلة الثقافة الجديدة، ذات الأهمية الكبيرة في الحياةالثقافية العراقية. (5)
لقد أكد لي فرمان اكثر من مرة محاولته الأبتعاد عن السياسة المباشرة رغم تربيته السياسية اليسارية أثناء العمل الأبداعي ورفضه إضفاء الطابع السياسي علي رواياته عند معالجتها من قبل النقاد، وبخاصة التي تنطلق من منطلقات حزبية ضيقة.

متحمس للماركسية
كان غائب في شبابه متحمسا للماركسية وقد يكون حماسه مشوبا برومانتيكية عنفوان الشباب ومعاناتها المادية والمعنوية وتقلبات الحياة. إنها رومانتيكية متأثرة بالشاعر المصري علي محمود طه، تبدو واضحة في كتاباته المبكرة، نذكرُ علي سبيل المثال لا الحصر قصيدتيه: (صمت) و (طفلة) اللتين أسماهما أغنية وقصة (صورة)، التي صوّرَ فيها الكاتب طالبا في القاهرة ينطبق عليه المثل الشعبي العراقي : عاشق ومفلس، كما قال لي مؤلفها في حديث شخصي. يعاني بطل هذه القصة الخاطرة من الفقر وعدم قدرته من تسديد إيجار غرفته ومع ذلك يواصل القراءة والتفكير في الحب. (6)
وبقي فرمان رومانتيكيا في كتاباته الواقعية باستثناء بعض القصص المباشرة من مجموعة (حصيد الرحي) وهي قليلة قياسا إلي غيره من الكتاب الشعاريين والسياسيين لدرجة أن ناقدا إنتقده بسبب إحباط شخصيات (مولود آخر) وقام بنفس الشيء ناقد آخر بسبب عدم تصوير النخلة والجيران (الحالة الثورية في عراق الأربعينيات) كما سبق وان اشرن.(7)
نستطيع أن نقول إن غائب فرمان لم يبالغ في تصوير الشخصية الأدبية الملتزمة، أو كلما ما إعتاد النقد الأدبي علي تسميته بالبطل الأيجابي متحاشيا أن يكون لسان حال هذا الحزب او ذاك كما ظهر ذلك في شخصية مهدي احد أبطال المخاض، الشيوعي الهارب من أخيه، الذي يريد أن ينفذ فتوي قتله.
عندما إستقر غائب فرمان في موسكو كرّسَ وقته للأبداع والترجمة كما اكد لي في جلساتنا الشخصية مفضلا التفرغ للكتابة الأدبية. وبشكل عام لم يكن غائب طعمه فرمان يميل كثيرا إلي الحزبيين المتزمتين المنغلقين علي أنفسهم ولا يعبرون له عن معاناتهم الشخصية الأنسانية.
وكان االناس المخلصون المتواضعون المتفانون أحب الناس إليه بغض النظر عن إنتماءاتهم الحزبية اما الوصوليون والمتزلفون فلم يكن يطيقهم. وكان غائب لايميل إلي الكتابة عن الأتحاد السوفييتي أو عن احداث تجري فيه باستثناء روايتيه الأخيرتين إلي حدما بسبب حراجة الموقف فهو في النهاية ليس سولجينيستين ولم يبحث عن حكام او حكومات تدعمه. وكان مقتنعا في إنتمائه إلي (الخط العام)، الذي سخر منه في روايته الثالثة (المخاض) من خلال ذكريات بطلها كريم عن الصين، التي اقام وعملَ فيها.
ولم يكن غائب يميل كثيرا للأنفعال والمبالغة في وصف أعماله او تحليلها او الحديث عنها ولم يتحدث هو بنفسه عنها بكل مناسبة او غير مناسبة كما يفعل غيره من الكتاب الكثيرين.
في إحدي المرات حدثني عن حرجه من فنانة لا تستطيع الحديث عن روايته وادائها دورها من دون الأنفعال العاطفي والبكاء. ومن المؤسف أني فقدت العديد من الرسائل التي كان يتحدث فيها عن معاناته ولكن من المؤسف أني فقدتها بسبب ترحالي وغربتي عن العراق لثلاثين سنة.
ومن حسن الحظ أني احتفظ بآخر رسالة إستلمتها منه عندما قدمت إلي آلدنمارك قبل رحيله عنا بفترة قصيرة، أود أن أختم بها مقالي هذا.
يقول غائب طعمه فرمان: (… لطيف أن تنشط في ظروف عملاقة في تثبيط الهمم ولكن الشباب إذا لم ينشط ويشتغل فمن سيشتغل إذن؟ جدّيتي (جدّتي)؟ اما حكاية النشر فهي اعقد من حكاية السندباد في مغامراته. تصوّر روايتي الأخيرة (المركب)، التي صدرت عن دار الآداب أخيرا ظلت تراوح في مكانها حوالي سنتين… في هذا الصيف سأنفك من دار النشر والعمل فيها واتقاعد براتب محترم قدره 120 روبلا نول نول (صفر، صفر) هذه هي نتيجة عمل 30 سنة متواصلة… فهل عرفت كيف يجازي الأنسان هنا؟ ومع ذلك فإن التفاؤل يمرّبي كالطيف، واتذرع بالصبر والقناعة وهما من نعم الله المجانية…).
أليس هذا فعلا سخرية القدر أن يعيش أبُ الرواية العراقية ومترجم روائع الأدب الروسي في ظروف مابعد البيريسترويكا أقل ما يقال عنها إنها غير إنسانية بينما يقود بلاده أناس يغدقون الأموال الطائلة علي الكتاب العرب في المرابد والمهرجانات التابعة للسلطات؟
هكذا عاش ومات غائب طعمه فرمان وتفي بدون أن يكرّم باستثناء إهتمام الحزب الشيوعي الخاص به وكل الديمقراطيين ولكن يبدو ان هذا ألأمر ظاهرة طبيعية في عالمنا العربي، الذي يترك أعلامه يودعونه دون إكتراث إن لم يكونوا إمعات وأبواقا لسلطاتهم.
وقد يكون في هذه المناسبة أن نثير عناية وزارة الثقافة العراقية للأهتمام ببيت فرمان في موسكو وتحويله إلي متحف بالأتفاق مع زوجته، التي حافظت علي مكتبته ووثائقه وتود التعاون مع الجهات العراقية المختصة في هذا المجال كما اعربت لنا في علاقاتنا الشخصية معها.
واتوجه في هذه المناسبة لكل العراقيين المهتمين بأدب فرمان لتزويدي بما لديهم من معلومات عن الكاتب لأعداد بيبليوغرافي عنه. لقد عاش هذا الروائي الكبير بشرف وتواضع وإخلاص وصدق مع نفسه والآخرين، لم يماليء حكومةً ولم يتزلف لرجل او صنم أو أصحاب سلطة لا في العراق ولا خارجه ولم يتملق لرؤساء التحرير ومديري الصحف الممولة ولم يتسوّل منهم عمودا صحفيا او يكتب لهم مايريدون لقاء رشاوي او هبات او مكافئات، بل بقي أمينا لفكره الوطني اليساري الديمقراطي العميق، عفيف اللسان، نظيف اليد، مات وقلبه مليء بحب العراق وأهله.

الهوامش
1 ــ غائب طعمه فرمان. مصرية في العراق. مجلة الجزيرة، العدد 35، السنة 1949، القاهرة.
2 ــ أنظر: غائب طعمه فرمان. يا أخواننا في وادي النيل. الرسالة، العدد 717، السنة 1947، القاهرة، و مقال: المازني في عهدين، الرسالة، العدد 851، السنة 1949 القاهرة
3 ــ محمود أمين العالم، غائب طعمه فرمان. قصص واقعية من العالم العربي، القاهرة، 1957.
4 ــ غائب طعمه فرمان. خمسة أصوات. لبنان، 1967.
5 ــ غائب طعمه فرمان. قيمة الوعي في الأدب والفن. الثقافةالجديدة، العدد 2، السنة 1953، بغداد.
6 ــ أنظر بالتفصيل حول كتابات غائب طعمه فرمان الأولي مقالنا: غائب طعمه فرمان شاعرا. مجلة الأغتراب الأدبي، العدد 17، السنة 1991، لندن.
7 ــ فاضل ثامر. بين زقاق المدق والنخلة والجيران. معالم جديدة في أدبنا المعاصر، بغداد 1975 وأنظر أيضا: توفيق ناظم. مولود آخر. المثقف، العدد 15، السنة 1960 بغداد.

المصدر

AZZAMAN NEWSPAPER — Issue 1675 — Date 3/12/2003

جريدة (الزمان) — العدد 1675 — التاريخ 2003 – 12 – 3

AZP09
AYAT
ZHSL