الرئيسية » الملف الشهري » غائب طعمة فرمان 1927 – 1990

غائب طعمة فرمان 1927 – 1990

  1
لم تكن الرواية العراقية على درجة من النضج الفني إلا على يد غائب طعمة فرمان الكاتب الذي اعتمد في رؤيته على ثلاثة عوامل بنائية مهمة.
العامل الأول هو ثقافته الشعبية فقد ارتبط الأستاذ المرحوم غائب بالحياة الاجتماعية الشعبية من خلال عمله في الصحافة وخاصة في باب أجوبته على رسائل القراء والسائلين أو من خلال ارتباطه بالتيار اليساري العراقي الذي وضع المجتمع العراقي كله أمام المثقفين عندما حول قضاياهم الفكرية والحياتية إلى مطالب اجتماعية وسياسية
العامل الثاني هو فهمه للأسلوب الواقعي الاجتماعي الذي بدأه الروائي الكبير نجيب محفوظ. وقد تتلمذ غائب على يده فترة طويلة عندما كان يدرس في القاهرة سنوات شبابه فقد وجد في رواية نجيب محفوظ الطريقة الأسلوبية التي تعاين واقع المجتمع وتعكسه بطريقة سهلة ومفهومة حيث البناء ينبع من حقائق الحياة اليومية وتتم صياغته بأسلوبية مباشرة وبجمل فصيحة ولكن شعبية العبارة.كما كانت وما تزال روايات نجيب محفوظ تجمع بين الرؤية التاريخية والواقعية المعاشة.
العامل الثالث هو الوعي بأهمية السرد الفني والحوار بين الشخصيات. فقد أولى غائب طعمة فرمان الحوار الديمقراطي بين شخصيات روايات أهمية كبرى، ووجد فيه الطريقة التي يوصل بها رأيه إلى القارئ منطلقا من تعدد الأصوات الاجتماعية لفئات المجتمع عندما تعالج قضية كبرى. لا بل جعل من تعدد الشخصيات طريقة فنية في كل رواياته. ففي رواية النخلة والجيران وهي باكورة النتاج الروائي المتميز نجد خمس شخصيات تتقاسم بنية السرد واستمرت هذه البنية في رواياته الأخرى: خمسة أصوات والمخاض وآلام السيد معروف والقربان وظلال على النافذة والمرتجى والمؤمل والمركب. فأصبحت أسلوبية منفتحة على التيارات السياسية والاجتماعية والثقافية، ودالة على أن الرواية العراقية تحمل رأيا مرتبطا بالواقع. فالحوار بين فئات المجتمع هو جوهر الفنية البنائية لروايته دون أن نجد أدنى علاقة بين المتحاورين والسلطة. وهذه نقطة مهمة هي أن موقف كل شخصياته كان مع المجتمع. وليس فيها أي صوت للسلطة الحاكمة. وعندما يبني غائب طعمة بيت رواياته في المحلة الشعبية لا يوصلها بخيوط بالمركز سلطة كان هذذذذا المركز أم حزبا بل يتعامل مع المحلة بوصفها كونه ومدينه المصغرة.

2

في التجربة الروائية العراقية التي سبقت نتاج غائب طعمة فرمان نجد عددا قليلا من الروايات المهمة التي أسست لرؤية فنية يمكن أن تتطور لاحقا. بينها ما كتبه محمود أحمد السيد وخاصة في روايته البكر ” جلال خالد 1923″ التي كانت صوتا حداثيا للعلاقة بين الفن والمجتمع. ومنها رواية مجنونان لعبد الحق فاضل ورواية اليد والأرض والماء لذنون أيوب وغيرها من الروايات القصيرة التي تميزت بنفس اجتماعي ورؤية فنية متطورة. وإلى مرحلة الستينات نجد أن فن القص العراقي يتركز في القصة القصيرة والنوفل وقد برز فيها القاصين المبدعين فؤاد التكرلي وعبد الملك نوري وهما قطبا الحداثة في الخمسينات التي أسست لاحقا لفن القصة الجديدة كما يقول الدكتور الناقد علي جواد الطاهر.
وفي أواسط الستينات ظهرت النخلة والجيران رواية تتحدث عن العلاقة بين المدينة والريف من خلال نماذج اجتماعية تتراوح أمكنتها وفاعليتها بين محلة في مدينة ومسارات عمل في الريف وفي الجيش. وعماد هذه الرواية هم الناس البسطاء الذين تتراوح همومهم بين العمل والسياسة. وتعد النخلة والجيران في كل مفاصلها الفنية والفكرية نواة حملت في نتاج مؤلفها لاحقا تفاصيل المجتمع وتطوره. ففي المحلة الشعبية نجد التغيرات البنائية قائمة في جوهر العلاقة بين السلطة القامعة والناس، بين العمل اليدوي والعمل في مؤسسات الجيش، بين خبز التنور وخبز الفرن، وبين التعامل بالعمل النظيف والتعامل بالسوق السوداء، بين أن يكون الإنسان أداة بيد السلطة، وبين أن يكون مناضلا شريفا يقف مع الجيوش التي تتقدم للقضاء على النازية في العالم. هذه الأرضية الواسعة والمتداخلة كانت نوى للكثير من الأفكار اللاحقة لرواياته وكتاباته.
في روايته الثانية خمسة أصوات تعامل غائب مع خمس شخصيات تختلف في الآراء وتتفق في المواقف الكبرى . كلهم من مثقفي الشعب هذه الفئة التي حملت على عاتقها الصوت الوطني النضالي. ولكنها عندما تجد القضية متسعة نجد اختلاف الآراء عنها هو جزء من وعي القاص لحقيقة التعددية في المجتمع. ومع القضايا الكبرى كانت الشخصيات محملة بما هو يومي ومألوف من حب وفقر وحاجة ومرض وطلاق ورسائل ومواقف. وقد تحولت خمسة أصوات إلى مسرحية وفلم كانت نواة جادة للمسرح و للسينما العراقية. في روايته المخاض يعالج غائب طعمة فرمان الأفكار الكبيرة التي نمت في مجتمع الستينات في العراق. وفي روايته القربان يعالج العلاقة بين شخصيات ثورة تموز عام 1958 والمجتمع من خلال تداخلات سياسية بدأت منذ ذلك الوقت تخطط للقضاء على ثورة تموز. وتمثلت لاحقا بما حدث في العراق عام 1963 وفي عام 1968 وصولا إلى قيادة المجتمع العراقي بمجيء الدمار والتخلف. بعد عن كان العراق في مقدمة دول العالم الثالث الناهضة. في روايته المرتجى والمؤمل يعالج غائب العلاقة بين خمس شخصيات تعيش كلها في المهاجر وما سببته الغربة عن الوطن من مشكلات. أما روايته القصيرة آلام السيد معروف فتعالج العلاقة بين الموظف البسيط والمجتمع من خلال شخصية مفردة وصوت غني بالدلالة تحيط به شخصيات مفترضة وواقعية هي سداة لحمة النص والواقع. وفي روايته الأخيرة المركب يعالج غائب الواقع العراقي بعد التغيرات الدموية عليه من خلال سفرة جماعية لموظفين في قارب إلى جزيرة أم الخنازير في بغداد ليعالج العلاقة المفككة والمتداخلة بين أناس وقفوا على واقع مدمر.

3

في هذه العجالة النقدية ونحن نطل على نتاج أهم روائي في تاريخ العراق المعاصر نذكر أن سنوات كثيرة قضاها غائب في موسكو حيث الاغتراب مادة وعملا كان جزء من شخصيته. ولكن هذه الغربة الطويلة لأكثر من ثلاثين سنة لم تجعل فنه غائبا عن مشكلات المجتمع فقد كان يرحمه الله يمتلك أرشيفا واسعا عن العراق من خلال الصحف والرسائل والأحداث التي تصله ومن خلال قراءاته الكثيرة للمؤلفات الاجتماعية المتوفرة في مكتبات موسكو. وقد أعانته الترجمة لأمهات الروايات الروسية الكلاسيكية والحديثة على نقاء أسلوبه ودقة تمكنه من إدارة أحداث رواياته والسيطرة على الفنية وتداخلات الشخصيات. وقد كان يرحمه الله يوكلني دائما أن أجمع له مؤلفاته وما كتب عنه وما كتبه واللقاءات التي جرت معه. فقد كان يرسل لي من موسكو كل لقاءاته وكتاباته ورواياته. وقد تجمع لدي منها الكثير شكلت دراسة كتبتها عنه ولم تنشر بعد أعطيتها كنواة للأردني المدعو خالد المصري ليكتب دراسته عن غائب طعمة فرمان. إلا إن هذا الدعي قد أنكر لاحقا كل أوراقي التي بنى عليها دراسته في عام 1995 ولم يعد لي الوثائق والمراسلات التي أعطيتها له إلا المقابلات فقط مع الأسف الشديد.
تشكل روايات غائب طعمة فرمان في الثقافة العربية رافدا مهما من روافد العلاقة بين الثقافة والمجتمع. ليس لأنها تستمد أحداثها من تغيرات المحلة البغدادية، بل لأنها تعالج تغيرات المكان والزمان معالجة من يرصد التحولات في كليهما. فالمحلة التي يتعامل معها لا تبقى على تكويناتها القديمة دائما بل يصيبها التغيير كلما مر السرد الفني عليها. هذه الرؤية التطورية للعلاقة بين الفنية والواقع. جعلت أسلوبه متصاعد النبرة، متغير البنية متدفق كما لو كان جريانا لا ينقطع. ولم تنته رواياته بنهايات مغلقة بل تبقى نهاياتها مفتوحة على احتمالات المجتمع ومتغيراته. والحديث عن تجربة غنية كتجربة غائب طعمة في مثل هذه العجالة أمر غاية في الصعوبة ويكفينا هنا أن نشير إلى أهمية هذا الروائي حتى بعد غيابه.
فقد كنت أول من أبلغ بوفاته عن طريق الصديق الدكتور عز الدين رسول. وقد أقمنا له حفل تأبين خاص في بيت أخيه في بغداد. كان مراقبا الحفل مراقبا من قبل أجهزة الأمن ومثقفي السلطة التي لم تنشر صحافتها إلا خبرا مقتضبا عن وفاته و … بعد فترة.

أعماله الأدبية:
حصيد الرحى مجموعة قصص بغداد 1954
مولود آخر مجموعة قصص بغداد 1959
النخلة والجيران رواية بيروت 1965
خمسة اصوات رواية بيروت 1967
المخاض رواية بغداد 1974
القربان رواية بغداد 1975
ظلال على النافذة رواية بغداد 1979
آلام السيد معروف نوفل وقصص قصيرة بيروت 1982
المرتجى والمؤجل نوفل بيروت 1986
المركب رواية بيروت 1989

المصدر:
http://www.iraqiwriter.com/iraqiwriter/Iraqi_Writers_
folder/azad/poem/a_article_066.htm