الرئيسية » الملف الشهري » عالم “غائب طعمة فرمان” الروائي

عالم “غائب طعمة فرمان” الروائي

لا يمكن تناول الرواية العراقية بالبحث والدراسة دون تناول أعمال “غائب طعمة فرمان” الروائية لأهميتها ومكانتها الريادية في الأدب العراقي . ولقد لعبت نتاجات “غائب طعمة فرمان” الثقافية والأدبية والفكرية دوراً مهماً في تعميق وبلورة الوعي الاجتماعي- الإنساني في الصراع ضد أشكال القهر والقسوة والتردي والتخلف ، وحفّزت الكثيرين على دراستها واستكشاف عوالمها الفنية ، وفي ضوء ذلك تأتي دراسة الدكتورة ” فاطمة عيسى جاسم” حول “غائب طعمة فرمان روائياً” (1) . لقد اهتم اغلب الدارسين والنقاد العرب والعراقيين بعطاءات غائب الروائية وكتب عنها وعنه في اللغة العربية والإنجليزية والروسية والألمانية ولغات اخرى، وفي المقدمة منها روايته “النخلة والجيران” ولعل كثرة هذه الدراسات والبحوث وتنوع واختلاف مناهجها ورؤاها عائد بالأساس إلى غنى وطراوة وثراء وتنوع هذه العوالم والمنجزات الروائية . بدأ غائب شاعراً ثم قاصاً وامتهن الصحافة ، وعاش في مصر وسوريا ثم استقر في موسكو مترجماً ليغني المكتبة العربية بترجمته لأكثر من ثلاثين كتاباً عن الإنجليزية والروسية حتى وفاته في موسكوفي السابع عشر من آب عام 1990 ، بعد أن عانى من الغربة بأبعادها المكانية والزمانية والنفسية ، متجاوزا ذلك في رواياته عبر ذاكرة خصبة ثرية استوعبت رغم السنوات والمسافات أدق الخصائص والملامح الزمكانية للعراق ولمدينة بغداد بالذات. وبقيت الروح والهواجس والتطلعات المحلية – الشعبية بكل مذاقاتها ومهيمناتها الاجتماعية تؤثر بهذا الشكل أو ذاك في “المسار الذي اتخذته كتاباته القصصية والروائية بما كان من أساليب التعاطف مع والدفاع عن الإنسان ، فقد دافع عن أشخاص يعرفهم طبقياً ويتبنى قضاياهم اجتماعياً ويتعاطف معهم إنسانياً ، مؤكداً في هذا كله أن قضيته إنساناً وكاتباً لا تخرج عن هذا الإطار” (2). وبقيت شخصياته الروائية في حركتها وتحولاتها وطموحاتها وخيباتها واحلامها وفراداتها تتجول داخل بغداد- الأربعينيات وما بعدها- بأزقتها الضيقة التي أندرس بعضها ، وأعاد غائب خلقها روائياً ، حية ، دافقة بالروح والغنى والثراء والبؤس والقهروالالم البغدادي- العراقي. ووجّه اهتمامه الروائي إلى كشف (قاع) المجتمع العراقي في ظروف الحرب العالمية الثانية وقدم بانوراما ادبية- فكرية فنية غنية للواقع العراقي والشعبي بالذات ، في زمن الاحتلال البريطاني الأول للعراق وما افرزه من تحولات ومظاهر اقتصادية- اجتماعية مثل السوق السوداء ، الجرائم ،البغاء ، الفقر ، الجوع ، المرض ، الأمية وانواع الانتهاكات الاخرى .
يتفق اغلب الدارسين في حقول الادب العراقي على ان البداية الفنية للرواية العراقية ، كانت بصدور “النخلة والجيران” والتي أثارت – كأغلب روايات غائب- اهتماماً جدياً واسعاً لدى النقاد العرب والعراقيين وكذلك الدارسين الأجانب ، فلقد عّده جبرا إبراهيم جبرا “الكاتب العراقي الوحيد الذي يركِّب أشخاصه وأحداثه في رواياته تركيبا حقيقيا ” . وذكر عبد الرحمن منيف ان من يريد التعرف على اواخر الأربعينيات والخمسينيات العراقية”لا بد ان يعود الى ما كتبه غائب” اما سعد الله ونّوس فقد شخّص ان “في رواية المركب زفيرا صوّر فيه بغداد التي تحتشد فيها الشجون والآلام والخيبات المحاصرة بالتضادات بين شفافية مخزونة وعالم فظ ، تلك الشفافية المطوقة بالمراودات الفجة”. وتذهب د. يمنى العيد في تحليلها لرواية “المركب” الى ان “غائب” قد جسد زمن الخيبة والعجز وانها -المركب- لا “تحكي عن الماضي بل الحاضر المكتظ بالمعاناة التي تدفع راكبيه الى الالتفات لماضيهم بحسرة” وأكد الناقد خيري الذهبي بأن “تقنية الكتابة لدى غائب تستطيع إخراج (الأنا) إلى الـ (هو) دون افتعال”بينما تلمس محمد جمال باروت عراقية غائب في رواياته والتي تحولت إلى “برلمان” الحياة العراقية الحقيقي . وكذلك كتب عن رواياته كل من د. علي جواد الطاهر و د. فيصل دراج وفاضل ثامر وزهير الجزائري ود. شجاع العاني وعبد الجبار عباس وياسين النصير وآخرين. وقد تابعت د. فاطمة عيسى جاسم ذلك في (ص 9ــ ص23). تتناول الباحثة” السرد وابنية الحدث في روايات غائب” لكون السرد من السمات الرئيسة للفن الروائي ولكنه “ليس الوحيدة لها” وبتطور السرد وطرائقه فانه لم يعد يعنى فقط “بالتسلسل الزمني والتاريخي” كما انه لم يعد”يقتصر على التصوير الخارجي للحياة الاجتماعية الداخلية للإنسان”، وبذلك تطور السرد إلى تصوير ضمائر و وجهات نظر متعددة ومتجاورة ومتعاقبة ، لذلك فأن “أنواع السرد لا حصر لها” حسب رولان بارت الذي عد ذلك تنوعاً كبيراً في الأجناس والتي تتوزع إلى “مواد متباينة” .ولأن السرد”عرض لحدث أو لمجموعة من الوقائع الحقيقية أو المتخيلة بواسطة اللغة المكتوبة ضمن تسلسل زمني “. والسرد في هذا هو عملية يقوم بها السارد أو الحاكي وينتج عنها الفن القصصي المشتمل على اللفظة (الخطاب) القصصي والحكاية (الملفوظ الوصفي) ولذا فان السرد ، مرسل ومستقبل ووسيط هو الراوي والذي يكون عن طريق السرد وبواسطته( حامل المعرفة) من خلال الإبلاغ عن طريق تقديم الأحداث والشخصيات والزمان والمكان معتمداً في ذلك رؤيته للعالم – ص25 – ويتعدد الساردين بسبب من ان السرد “متعدد الأنواع والطرائق” ومن خلال دراسة الباحثة لروايات غائب فإنها تحدد نمطين رئيسيين لدراسة السرد لديه هما “السرد الموضوعي” و “السرد الذاتي” . ويحدد ” توما تشفسكي” السرد الموضوعي” بأنه “الذي يكون الكاتب فيه مطلعاً على كل شيء حتى الأفكار السرية للأبطال” وتلاحظ الباحثة غلبة السرد الموضوعي على روايات غائب. وفي دراستها لرواية “المرتجى والمؤجل –نموذجاً تطبيقياً-” تلاحظ استطراد الراوي بسرد تفاصيل الحياة اليومية للمغتربين باستخدام ضمير الغائب في السرد التفصيلي لجزيئات الحياة اليومية ، والذي كما تقول-: ليس له ما يبرره بل بالعكس يحدث مللاً ويسبب ورماً فنياً للرواية – ص 27 – بينما تؤكد-: في – ص37 – عن الرواية ذاتها بان غائب؛ باستعانته بوسائل متنوعة متعددة في السرد الموضوعي؛أضفى على الرواية حيوية وحركة وقوة تأثير وانه ختم الرواية بنهاية مفتوحة وهذه إحدى السمات الفنية لديه . وقد استخدم غائب السرد الذاتي في رواياته “خمسة أصوات” و”المخاض” و”ظلال تحت النافذة” وكذلك في روايات أخرى “مبثوثاً بشكل متوازن مع أشكال السرد الأخرى” . وقد اعتمد “غائب” في بناء الحدث على اللقطات السريعة الموحية في اغلب رواياته ؛ فهو يعتمد القطع مرة ويركِّز حول شخصيته ويوصلها إلى حدث معين ثم يقوم بالقطع ثم استئناف سيرها باعتماد اللوحات واللقطات الدرامية مع اعتماد مشاهد الوصف المكاني واللغة التي تتناسب مع كل موقف . لقد ارتبطت الرواية في مجمل تطورها بالقدرة على خلق الشخصيات الروائية ولذلك فإن الباحثة تدرس الأنماط الشخصية في روايات غائب باستفاضة “ص 79 –127” ولاحظت تنوع وتباين أدوارها وأهميتها ويؤثر تفاعلها في تطوير الأحداث وتدرس الشخصيات التي تقوم بدور رئيس في “قوة الأحداث وحركة الصراع مركزة عليها باعتبارها نقطة ارتكاز البنية الروائية ” ومن أهم هذه الشخصيات سليمة الخبازة في النخلة والجيران وسعيد وعبد الخالق وحميد وإبراهيم في خمسة أصوات وكريم في المخاض والأب في ظلال على النافذة ويحيى وسليم في المرتجى والمؤجل وعصام في المركب. أما الشخصيات الثانوية والتي لا تقل أهمية عن الشخصيات الرئيسية فان “غائب” يقدمها بتفاصيل اقل مع إنها قد تكون محل عنايته واهتمامه مثل دبش في القربان وماجد في ظلال على النافذة وشهاب في المركب وهذه الشخصيات الثانوية قد تحمل بعضاً من آراء الكاتب ونظرته إلى الحياة والأحداث ولذلك فان روايات غائب ” ثرية بشخوصها الثانوية، فهي عديدة ومختلفة المستويات وثمة الشخصيات النامية المتطورة والتي ” تتطور وتنمو عبر الرواية نفسها وتأخذ ملامحها النهائية بالتطور والنمو داخل الرواية ” , أما الشخصيات الايجابية فإنها تعيش الواقع والأحداث والظروف بتأثير وتفاعل وتجارب وتنتقل من السكون والحذر إلى الفعل والحركة في خلال إدراكها لواقعها وظروفها ، والشخصيات الايجابية في روايات غائب كثيرة وغنية ومتنوعة ودرجة إيجابيتها تتفاوت بحسب تفاعلها وتأثرها بالواقع وتأثيره عليها ، أما الشخصيات السلبية والتي تبرز من خلال افعالها وسلوكها فلا يهتم غائب بتطورها بل يسعى ويهتم فقط بكشفها (ص103 – ص 105 ). اما الشخصيات المغتربة في رواياته فإنها تتمتع بقدر من الوعي وخاصة المثقفين . ويعود الاغتراب إلى عدم تطابق الواقع والمثال وذلك يؤدي إلى الشعور بالانفصال إزاء المجتمع فشخصية كريم في المخاض تتميز بالإخفاق والعزلة والقلق . وقد رسم غائب رواياته على وفق طريقتين “الوصفية” و”التحليلية ” (ص191) . وبعد دراستها للزمان والمكان في روايات غائب، تقديم خلاصة بحثها والذي رأت فيه -: ان غائبا لم يهتم بالحكاية التقليدية وانه اعتمد على تيار الوعي والتداعي وانه فضل عدم التعامل مع السرد بشكله التقليدي . وقد تميز السرد لديه بشكل صورغنية موحية حدّت من هيمنة الراوي المطلقة بسبب الإنتقال من “هيمنة الراوي المهيمن” الى “الراوي الممثل” ثم “تعدد الرواة” الذي دفع إلى تعدد خطابات السرد والذي لوّن الصيغ السردية . وان “غائب” قام بإبراز الشخصيات الروائية ذات الملامح الشعبية البسيطة التي تعيش هموماً مشتركة بسبب من التزاماته الفكرية واختياراته الاجتماعية وانحيازه للفقراء والمهمّشين اجتماعياً ، وكذلك قدراته في استبطان تلك الشخصيات نفسياً والتي تشكل وحدة اجتماعية تتأثر وتؤثر بالمحيط الخارجي والعالم الذي وجدت فيه ، ولذلك فانه” أقصى نظام التركيز” بالشخصية المحورية ، مستبدلا به “المنظور متعدد الجوانب” من خلال وجهات النظر المتعددة . وغائب على رغم واقعيته “مارس الإنتقاء والحذف والربط والتحريك حتى جعل الرواية عالماً حياً إنسانياً” وانه “أثرى لغته الأم ولم يفرط بها ” مع أن أسلوبه يتداخل به العامي والمأثور اليومي. وقد وضح في رواياته التلازم والتفاعل بين الطبيعة الخارجية والأجواء النفسية، و تألق في إرساء أسس الرواية متعددة الأصوات بشكلها الإبداعي – الفني من خلال “تعدد الأصوات والتوازي والتناقض ” وان للفن السينمائي والمسرحي والأساطير والموروثات الشعبية أثارها في رواياته ؛واتصف المكان لديه بالمحلية وله قيمتان ،واحدة”محبطة” وتتجسد في الأماكن الجديدة ، وأخرى “ثرية معطاء” تتجسد في الأماكن القديمة البغدادية – بالذات والتي تشكل الصوت القوي- المهيمن في اغلب رواياته .

1. وزارة الثقافة- دار الشؤون الثقافية- بغداد – 2004
2. مجلة الإقلام /4-5-6/1995/ص49 

المصدر:
http://al-nnas.com/CULTURE/3frman.htm