الرئيسية » الملف الشهري » غائِب طعمة فرمان والتجَارب القصَصية الأولى

غائِب طعمة فرمان والتجَارب القصَصية الأولى

يعكف الباحث زهير ياسين الشلبية على كتابة دراسة مطولة عن القاص والروائي غائب طعمة فرمان. وننشر هنا فصلاً من البحث حول تجاربه القصصية الأولى.
نشر غائب طعمة فرمان ثلاث قصص في مجلة الرسالة المصرية وسنتحدث عن هذه القصص حسب تاريخ نشرها.
((قلب محروم)) هذه هي أول قصة ينشرها الكاتب الشاب في مجلة الرسالة تناول فيها المضمون العاطفي كما هو واضح من اسم القصة وهي تسير ضمن الاتجاه الرومانسي. وتذكرنا هذه القصة بمقاطع عديدة من روايات الكاتب التي تحدث فيها عن الحب كأسمى علاقات إنسانية.
وتقف موضوعة الأصالة والإخلاص في علاقات إنسانية كالعلاقات العاطفية على رأس الهموم الصغيرة التي طرحها القاص الشاب في هذه القصة والتي وضحها في المقدمة الموجهة إلى الأستاذ أنور المعداوي. قصة ((قلب محروم)) مهداة إلى الأستاذ أنور المعداوي إلى صاحب القلب الكبير الذي كتب ((من وراء الأبد)).. إلى صديقي الأستاذ أنور المعداوي أهدي هذه القصة(1). فالقصة جاءت على شكل رسالة، إن لم نقل أن رسالة القاص إلى أنور المعداوي أخذت شكل القصة، أي أن الحديث هنا عن شكل القصة هو في الحقيقة على درجة كبيرة من النسبية، لأن الكاتب كان أبعد من أن يفكر بالشكل الفني فكتب انطباعاته ومشاهداته، أو قد تكون مذكراته الشخصية وخواطره على شكل رسالة قصصية، وهذا ما يسمى بشكل ((الرسالة ـ القصة)). وكالعادة يكون البطل في هذا النوع من الأشكال القصصية هو المحدث أي ((المرسل)) إذا أردنا أن نبسط الأمور. وقد يمثل المحدث، أو القاص شخصية الكتب وهذا كثيراً ما يحدث لدى القصاصين الشباب، وهذا لا يعني مطابقة القاص بالبطل، بل يعني أن القاص مازال في طور التكوين الفني وأنه ما يزال أسير الهموم النفسية الذاتية ولم يخرج بعد إلى المجالات الحياتية الأكثر رحابة وفضاء والمليئة بالتجارب الإنسانية المتنوعة. ولا يعني أن كل أحداث مثل هذه القصص ـ الخواطر ـ الرسائل هي أحداث حقيقية مأخوذة من حياة القاص نفسه. وتقوم الدراسات النقدية السيرية بالبحث الدقيق لاكتشاف الحقيقة التاريخية والوثائقية للأحداث التي تناولها القاصون في أعمالهم الفنية.
إن ما يهمنا هنا هو المغزى الفني لهذه القصة ـ التجربة المبكرة بالنسبة للكاتب، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فهي كغيرها من القصص الأولى الأخرى تبين لنا بوضوح المنحى الفني الذي اتخذه الكاتب فيما بعد ومستوى المفاهيم النقدية عن القصة كنوع فني قائم بحد ذاته. فالقاص كالممثل الماهر بحاجة لأداء أدوار تمثيلية مختلفة ذات مستويات متباينة تكون كمقدمة، أو كتمهيد لانفجار فني كبير، لأداء دور بمستوى عال من الكمال الفني. يتحدث القاص في ((قلب محروم)) عن حبه وغرامه بفتاة (ناديه) الطيبة والتي كانت تحب صديقه دون أن يعرف هو في الأمر، لم تخبره هي بالأمر إلا بعد أن تتضح لها خيانة حبيبها لها وزواجه من امرأة أخرى.
وعلى الرغم من أن هذه القصة كتبت في عام 1949، أي قبل فترة طويلة من الممارسات الروائية إلا أننا مع ذلك نلمس روح الكاتب الروائية، نلمس الأحداث الإنسانية العاطفية الكبيرة التي تميز الأعمال الروائية، ونلمس موقف الكاتب من موضوع الحب والعلاقات العاطفية التي تحدث عنها في أكثر من عمل روائي يقول غائب طعمة فرمان في هذه القصة: ((عزيزي الأستاذ لقد حدثتك عن الأحلام التي تسر فكري… وعجبت من سرعة ازدهارها، لقد ذبلت اليوم بسرة أيضاً… وها أنا أحس بقسوتها وضراوتها في فكري))(2).
إن قسوة الحياة وضراوتها بدون الحب، بدون هذه العلاقات الإنسانية السامية هي أكبر مسألة شغلت الكاتب أكثر بكثير من قصة غرام بطل القصة. تكررت هذه الفكرة على السنة العديد من الأبطال الروائيين. فماجد بطل رواية ((ظلال على النافذة)) يتألم كثيراً لأنه يتذكر في حياته المظاهرات والأحداث السياسية أكثر من الحب، بل لا وجود للحب في حياته وهذا أكثر ما يؤلمه ويحز في قلبه، يقول ماجد بطل الرواية: ((القلب كم هو مهمل في حياتنا، نحن الذين كنا في مقتبل العمر في أواخر الخمسينات. وأنا حين أؤرخ حياتي، لا أؤرخها بأول حب (أين هو أول حب؟) بل بأول مظاهرة خرجت فيها ضد الحلف الباكستاني التركي وحلف بغداد وأثناء التضامن مع مصر تأمين القناة والوحدة وعبد الناصر..))(3).
أخيراً فإن هذه القصة كغيرها من القصص القصيرة الأولى في العالم العربي آنذاك تفتقر إلى المقومات الرئيسية التي تميز القصة عن الخاطرة أو الأنواع الصحفية والكتابات الاجتماعية ـ، وهذا ما يمكن ملاحظته على لغة القصة ذات الطابع الإنشائي.
وقد صرح غائب طعمة فرمان في إحدى اللقاءات مع قرائه العراقيين والعرب برأيه حول لغة هذه القصص المبكرة بعد أكثر من ثلاثين عاماً على نشرها، فقال: ((القصة القصيرة تنفر من الكلمات الزائدة. والآفة كانت تصيبنا بالرعب، آفة السرد الفالت، آفة الإنشاء التي ورثناها في صبانا من كتاب كالمنفلوطي كان أحدنا يعيب الآخر بها، ويقول هذا إنشاء وليس قصة))(4).
أما بالنسبة لغياب مقومات القصة الفنية فإن فرمان يقول: ((… بالطبع، وأنا أكرر ذلك دائماً، لم تكن في ذهني على الأقل مفاهيم واضحة عن القصة، وحتى المفاهيم البسيطة التي أصبحت الآن بديهيات، اكتشفها عبر التجربة والممارسة والقراءة وشككت وآمنت بها عبر هذا الشكل والممارسة، لم تكن مفاهيمي جاهزة… إنها تبلورت عبر تجربتي الخاصة وتجارب الآخرين.. ولهذا فمن الغبن أن يقال اليوم أن هذا الكاتب أو ذاك أهمل أو لم يلتزم بهذه البديهية في كتابة القصة لأنها لم تكن بديهية آنذاك.. كنا نتعامل ونتخاصم على ما يعتبر اليوم بديهيات))(5).
ومن الجدير بالذكر أن مأساوية الحب الفاشل وكآبة صورة الحياة المقفرة الخالية من الحب تتكرر في أكثر أعمال غائب طعمة فرمان القصصية والروائية. ويؤكد فرمان هذه الموضوعة بهذه العبارة الحزينة: ((الآن بدأت أعرف لِمَ يلف عمري سحاب من الأحزان.. إن أشياء كثيرة تحزنني هي جراح أحلامي.. أن عمري يذبل من غير غاية.. فأنا الآن في العشرين من عمري ولم يتحقق حلمي الجميل))(6).
ويحدث العكس عندما يلتقي البطل بالفتاة ويتصور أن حبه لها يسير على قدم وساق فيقول: ((…. وعندما رجعت إلى بيتي كنت إنساناً جديداً))(7).
بيت الذكريات: من الطريف أن غائب طعمة فرمان بدأ قصة ((قلب محروم)) بالعبارة التالية: ((عزيزي… حين تصلك رسالتي أكون قد غادرت أرض الكنانة ميمما شطر وطني… وبين جوانحي قلب مضطرب ونفس مفعمة بشتى الأحاسيس…))(8) فالقاص يتجه نحو العراق وهذا ما يحدثنا عنه في قصته الثانية التي نشرها في نفس المجلة بعد عشرة أعداد منها.
في قصة ((بيت الذكريات)) يعالج فرمان ولأول مرة في نشاطه الإبداعي الأدبي مسألة الغربة عن الوطن ورؤيته له من ((طرف آخر)) ففي هذه القصة يتحدث الكاتب عن بطله عبد الرحمن الذي رجع إلى الوطن بعد اغترابه عنه لمدة طويلة دامت خمس عشرة سنة. ومن المعروف أن الكاتب تناول فيما بعد هذا الموضوع في روايته ((المخاض)) و((ظلال على النافذة)) ومن الطريف أن فرمان كتب هذه القصة بعد أن اغترب عن العراق لفترة قصيرة، ولكنه مع ذلك يكتب عن شخصية اغتربت لفترة طويلة، كما لو أنه قرأ في الغيب قصة حياته على حد تعبير الكاتب نفسه في حديث شخصي أجريناه معه(9). إن أهم ما يحزن عبد الرحمن هو حالة اليأس والجزع من حياة الغربة ورغبته الشديدة في الاستقرار بوطنه وأهم ما يثير أعصابه أيضاً هو ذلك الركود والخمول الذي يعاني منه وطنه فيقول: ((. ويا للعجب!… ويا لمرارة الذكرى!. خمس عشرة سنة ما أحفلها بالأحداث والعبر وما أترعها بالشجون والغصص، وما أكثر ما غيرت منه، وما جارت على بنيانه الإنساني. ونقلته من حال إلى حال. ولكن الشارع مازال كما عهدته لم يتغير منه أي شيء! إنه ليتذكر كل شيء فيه كأنما غادره أمس))(10) ويعبر القاص لأول مرة أيضاً عن شوقه لبلاده بطريقة الاهتمام بتفصيلات حية الاجتماعية، فتصبح الروائح الكريهة عطراً:
((وامتلأت خياشيمه برائحة كان ينفر منها أشد النفور، ويضيق بها أعظم الضيق، ومع ذلك فقد كان يلقاها مكرهاً حين يخرج من بيته، ويمر بها ـ مسوقاً إليها ـ حين يعود إليه.
ولكنه اليوم يحس إحساساً قوياً عنيفاً بأنها تعطر نفسه التي أفسدتها الغربة ودمرها الجفاف))(11).
وهذا هو شعور كل شخصيات روايات غائب طعمه فرمان بدء من حسين بطل ((النخلة والجيران)) مروراً بـ ((القربان)) و((المخاض)) وانتهاء بـ ((آلام السيد معروف)). ففي كل هذه الشخصيات تسود روح الكاتب المحبة لأحيائه البغدادية القديمة، للأزقة الضيقة التي تنعدم فيها أبسط أسباب الحياة ووسائل الراحة الإنسانية. حتى تلك الشخصيات الروائية التي لم تفترق عن العراق وعن أزقته القذرة، نلاحظها تهيم في محلاتها وأزقتها في ساعات الحزن والكآبة هكذا كان يفعل ياسر بطل ((القربان)) وكريم داود بطل ((الماض)) وعبد الواحد بطل ((ظلال على النافذة)) والسيد معروف في ((آلام السيد معروف)). وإذا كان عبد الرحمن بطل ((بيت الذكريات)) قد أصابته الدهشة لعدم حدوث تغيرات في وطنه فإن ماجد بطل ((ظلال على النافذة)) ينظر إلى الأمور بمنظار آخر فلا تبهره التغيرات العمرانية الحاصلة في بلاده لأن هناك ظواهر اجتماعية هامة بقيت على حالها وهي أن دلت على شيء إنما تدل على انعدام التخطيط والجدية في كل المجتمع. يقول ماجد: ((لم يحدث شيء طيلة الأشهر التي قضيتها في بغداد. ومازلت عاطلاً عن العمل، أتلمس سبيلي عبر شوارع ودروب تبدو غريبة علي، أتعثر في أرصفتها… وأخشى أن يبادرني أحد بسؤال أو استفسار فيظهر جهلي واغترابي عن المدينة. أنا أذكر الوشاش كمنطقة نائية كنت ألجأ إليها أيام كنت أهرب من مدرستي الابتدائية… أما الآن فهي منطقة خطت فيها شوارع، وبنيت دور، إلا أن عربات النفط مازالت تسير هناك توزع النفط على البيوت، ومازال باعة المسك الميت والعربات المحملة بالخس…))(12).
ويؤكد هذه الفكرة على لسن شخصية أخرى في نفس الرواية: ((… هل هذا بلد يحترم نفسه؟ تعيش حكومته على موارد سباق الخيل والكوكا كولا؟ بلد تفتح فيه صالونات الحلاقة للسيدات أكثر من كل المشاريع والمؤسسات مجتمعة؟))(13).
ومن المدهش حقاً أن يستخدم غائب طعمه فرمان شكل عودة البطل إلى أهله في هذه القصة وفي رواية المخاض، أي بعد خمسة وعشرين عاماً من كتابة قصة ((بيت الذكريات!!)). ومن الغريب أيضاً أنه كرس العملين الفنيين لموضوعة الغربة وعواقبها وسلبياتها، مما يؤكد الوحدة الديالكتيكية بين الشكل والمضمون.
فالكاتب لم يلجأ إلى شكل آخر، ولم ينس شكل قصته القديمة ((بيت الذكريات)) على الرغم أنه لم يقرأها بعد نشرها نهائياً لدرجة أنه اندهش كثيراً عندما أعطيته هذه القصة مع قصص أخرى للاطلاع عليها. وهذا يؤكد أن موضوعة الغربة بقيت راسخة في ذهن الكاتب ولم تتركها ذاكرته فريسة النسيان، بل بالعكس أخذ الكاتب ـ بوعي منه أو بدون وعي ـ يتحين الفرص لخزن الذاكرة بتجارب حياتية مأخوذة من الغربة، ومن حياته الشخصية بالذات لاسيما وأن فرمان لصيق التجربة الشخصية. في ((بيت الذكريات)) يلمس القارئ روح فرمان الروائية. ويلمس أيضاً النفس الروائي رغم أن القصة لا تتعدى بضع صفحات. وهذا يتضح لنا حتى من خلال التحليل البسيط لبناء القصة، للرسم البياني والشكلي للقصة. فتبدأ القصة برجوع البطل إلى دياره ثم بذكرياته عن الماضي، عن حبه القديم لسناء وينتهي بمحاولته العودة الروحية للأصل فتبؤ المحاولة بالفشل، فإن مشكلة البحث عن النفس تتطلب شكلاً من هذا النوع الذي يسمح للكاتب، لصوت الكاتب بأن يعود مع بطله إلى أصوله القديمة من خلال الذكريات عنها. ونرى أن معاناة عبد الرحمن جاءت كنتيجة لـ ((ضياعه)) في وطنه فتتحول غرفته القديمة إلى سجن كبير، وهو بهذا يذكرنا بحالة كريم داود بطل ((المخاض)) الذي عاد إلى وطنه فلم يجد أهله فالتجأ إلى عائلة عراقية تعيش في نفس الأزقة التي مرت فيها طفولته واستمر من هناك يمارس عملية البحث عن الأهل ـ البحث عن الوطن ـ البحث عن النفس فتتحول الأشياء والذكريات التي جاءت على لسان كريم إلى رموز فنية متنوعة.
ينهي غائب طعمه فرمان ((بيت الذكريات)) بعودة عبد الرحمن إلى غرفته القديمة ((وجالت وجالت في خاطرة فكرة، ومرت في مخيلته صور وأشباح. ونهض متثاقلاً كأنه يحمل على عاتقه خمسة عشرة جبلاً من الهموم والأحزان، ودفع باب غرفته فسمع لها صريراً قشعر له بدنه. وخيل إليه أنه يدلف إلى مقبرة ما))(14).
ويقول أيضاً: ((… وأحس بأن غرفته أصبحت سجناً مظلماً، وذكرياته أشباحاً مريعة. فضاق صدره وطلع منها لعل الفضاء والنور والهواء النقي يطرد أشباح الماضي وأطيافه المقيتة))(15).
ولا بد لنا وأن نشير ونحن هنا في معرض حديثنا عن هذه القصة إلى أن موضوعة الحب الفاشل وضياع الحياة بدون الحب يتناولها غائب طعه فرمان بنفس المنحى المضموني سواء كان هذا في القصص، أم في الروايات، فكل الأبطال يعانون من فقدان الحبيبة ويكفي أن نتذكر بهذا الصدد هادي بطل القربان الذي كان يبحث باستمرار عن حبيبته وماجد في ((ظلال على النافذة)) وحسين بطل ((النخلة والجيران)). والخ.
إلا أن مأساوية الحب الفاشل هنا في هذه القصة تتخذ طابعاً أبعد من الواقع ولكنه أقرب للخيال الفني، ويلجأ القاص لمثل هذا النوع من المبالغة في مأساوية الحب الفاشل حتى ولو كان ذلك على حساب المنطق الواقعي لاستثارة عطف القارئ أولاً ولافتقاره الخبرة والتجربة فيضيع بين الرغبة في سرد الخيال وبين الواقع الاجتماعي الذي يجب أن يشكل الإطار الرئيسي والمصدر الوحيد للخيال الفني. ففي هذه القصة يفاجأ عبد الرحمن والقارئ معه بظهور صبي في الخامسة عشرة من عمره وعندما يسأل والدته عن هذا الصبي تقول له:
ـ هذا جميل .. ابن سناء.
وارتجفت شفتاه وهو ينظر إلى وجه الشاب المتسائل وفي أرجاء نفسه سمع صوتاً ينادي:
ـ ولدي!!..))(16) وفي هذا المقطع الكثير من الخيال اللامنطقي وهذا ليس بأمر غريب على قاص شاب قليل التجربة الفنية والحياتية.
((رسالة صديق)) إذا كان طعمة فرمان قد طور مواضيع القصتين السابقتين في روايتيه ((المخاض)) و((ظلال على النافذة)) كما سبق وأن ذكرنا فإنه في روايته الثانية ((خمسة أصوات)) يعود إلى جانب آخر من سيرة حياته هو ومجموعة من زملائه من ممثلي المثقفين العراقيين في الخمسينات الذي سبق له وأن تحدث عنه في قصته القصيرة ((رسالة من صديق))، يقول الكاتب ـ القاص عن أصدقائه: ((كنا أربعة.. تربطنا رابطة وثيقة من التآلف والانسجام وتنبعث في نفوسنا رغبات منسقة، وآمال واحدة في الحياة.. حتى يخيل إلينا أننا نؤلف كياناً مؤتلف الأركان في دنيا تنهار تحت معاول الانشقاق! وكنا نجتمع كل أمسية في بيت واحد منا.. نخلو إلى أفكارنا بعيدين عن ضجة الواقع وصخب العيش.. وكانت عقولنا تضل في متاهات من الأفكار والتصورات، وتهيم في أفلاك بعيدة المدى غريبة عن الحياة!.. وكل منا يحمل بين جنبيه قوة طاغية من التذمر والاندفاع وراء أخيلة غامضة حتى لقد ثبت في ضمائرنا أن برزخاً عميقاً يفصلنا عن عالم الناس.. فقد كنا نعجب من سلوكهم وانشغالهم بالتوافه وصغائر الأمور. أما نحن فنملك ذخيرة لا تقدر من الأفكار الرائعة، ولا يشغلنا إلا مصير الإنسانية ومنشأ الوجود، ولا نحفل إلا بعظائم الأمور، لانقلب الرأي إلا في آفاق السكون الفسيحة!!.
وكان سامي أكثرنا اندفاعاً وأعمقنا إيماناً. فقد كان روحاً هائمة في أودية الغيب..))(17).
ثم يلجأ القاص إلى تضمين قصته ((الرسالة)) التي استلمها من صديقه سامي فتصبح رسالة سامي هي الشكل الفني للقصة وتعتمد في بنائها على مضمن الرسالة القادمة من صديق بعيد. فلا نجد هنا الأبطال ولا الحوار ولا المونولوج والخ من مقومات القصة الفنية، ما عدا الحوار البسيط الذي دار بين سامي وفتاة فرنسية تعرف عليها هناك في باريس حيث يقيم الآن.
يتحدث سامي في رسالته عن حياته في بغداد الجاف، المقفرة والمليئة بالحرمان فيقول لصديقه:
((… أن حياتي لو كتبها قصاص لكان عنوانها الحرمان. الحرمان من كل شيء..))(18).
ويعاني سامي من الظمأ العاطفي، فهو عاش في مجتمع مغلق لا رحمة فيه للحب والعشاق.
((إن حياتي الماضية علمتني أن القلب إذا خفق وحده تسرب في خفقانه الذبول والاضمحلال وفلسفتي القائمة التي يزخر بها فكري جعلتني بعيداً عن تلك الفتاة الصغيرة… أقسم لك أن حياتي الماضية لم تعلمني كيف أتصرف في مثل هذه المواقف، فهذه الصفعات في يد الأقدار…))(19) ليست هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها الكاتب عن هذا الجانب الاجتماعي فمن الممكن لمس نفس الأفكار في مقاطع عديدة مأخوذة من كل الأعمال الروائية. يقول ماجد بطل رواية ((ظلال على النافذة)): ((في السنة التي سافرت فيها إلى الخارج وما قبلها وما بعدها بقليل غادر العراق عدد لا يستهان به من الناس، لم يكن التزود بالعلم وإكمال الدراسة الهدف الوحيد في تركهم الوطن. لقد حملوا، مثلي جوعهم العاطفي معهم إلى الغرب والشمال وأبانوا عنه بكل خلجة من خلجات أنفسهم))(20).
***
الهوامش
(1) غائب طعمة فرمان. قلب محروم. الرسالة. العدد 846 ـ ص86 ـ القاهرة.
(2) غائب طعمة فرمان. قلب محروم. نفس المصدر.
(3) غائب طعمة فرمان. ظلال على النافذة. بيروت 1979 ص267.
(4) ندوة عن الرواية العراقية والعربية. الثقافة. العدد (141) ص120.
(5) من رسالة خاصة قدمها غائب طعمة فرمان إلى صاحب السطور.
(6) غائب طعمة فرمان. قلب محروم. نفس المصدر السابق.
(7) نفس المصدر. (8) نفس المصدر.
(9) من حديث شخصي بين صاحب المقالة وغائب طعمة فرمان.
(10) غائب طعمة فرمان. بيت الذكريات. الرسالة. العدد 856. القاهرة ص17.
(11) نفس المصدر السابق.
(12) غائب طعمة فرمان. ظلال على النافذة. بيروت 1979 ص36.
(13) نفس المصدر. ص282.
(14) غائب طعمة فرمان. بيت الذكريات. نفس المصدر. ص68.
(15) نفس المصدر. ص69. (16) بيت الذكريات. نفس المصدر ص69.
(17) غائب طعمة فرمان. رسالة من صديق. الرسالة. العد 866 ص72.
(18) نفس المصدر. ص74. (19) نفس المصدر. ص75.
(20) غائب طعمة فرمان. ظلال النافذة. نفس المصدر. ص37.
المصدر:


http://www.awu-dam.org/mokifadaby/229-233/mokf229-233-007.htm