الرئيسية » الملف الشهري » خطوط النول والسرد

خطوط النول والسرد

ظهرت مواهب كبيرة واسماء لامعة وسط ضجيج الايديولوجيات وصخب الاحزاب التي اسقطت خطاباتها وعقدها على الثقافة العراقية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية فاشتد صراخ الجماهير بـ ”يسقط ويعيش “ وكان الشخص المستقل واللامنتمي الذي يحاول الحفاظ على استقلاله الذاتي وعلى حرصه بامساك ارادته الحرة فلا ينساق مع الحشود المتلاطمة بعواصف العاطفة والشعارات الرنانة، كان هذا الشخص يعيش بعزلة اجتماعية غير محسوسة ولا مرئية برغم الروح الوطنية الاصيلة التي لا يعلنها جهاراً ولا يتاجر بها، وهو يعاني من مشاعر الغربة والنفي بين اهله ومجتمعه برغم الحب العظيم الطافح من قلبه الى وطنه وشعبه، هكذا كان حال المواهب العظيمة بعدما جربت الانتماء الى الايديولوجيات والانخراط في الاحزاب ودفعت الثمن غالياً بتلك السجون العقلية والسجون الروحية، والتي ابتلى بها الادب فتشوه وانحرف كثيراً بفعل اسقاطاتها المرضية وعقدها ومن هذه المواهب الكبيرة الشاعر بدر شاكر السياب والروائي غائب طعمة فرمان، فقد ذاق كل منهما مرارة طعم الايديولوجيات والانتماء، وهربا بعيداً من الفخاخ التحزبية المنصوبة في دروب مغامرتهما الابداعية. لكن طوق خرافة ”الادب الملتزم “ و”الواقعية الاشتراكية “ ظل يلاحقهما من مكان لآخر فارضاً عليهما المناخ الادبي المعوق، حيث ”قصيدة الجماهير “ في الشعر و”البطل الايجابي “ في السرد.
لقد انجب الادب الملتزم الادب التعبوي وانجب هذا ادب تقديس الحاكم الصنم، فما الذي بقي من هذا الركام الهائل لمثل هكذا ادب في يومنا هذا، واي منجر ابداعي ترك لتفتخر به الثقافة العراقية الآن؟
لم يتبق سوى من فر بجلده الادبي من تلك الحقبة المغلقة بلافتة سمل طاح صبغها، تحمل اثراً شاحباً من: يسقط فلان ويعيش علان. ومن الذين فروا الروائي غائب طعمة فرمان، الذي لم ينج من لطخات النقاد وهم يعيرونه باستبعاده للجماهير وعزوفه عن الواقعية الاشتراكية وانشغالاته عن البطل الايجابي برغم الاجماع العشوائي والمجاني، الذي يضع الكاتب غائب طعمة فرمان في خانة الايديولوجية واندماجه في المناخ ”النضالي “، حيث يقود المثقف مسيرة الجماهير حسب تنظيرات بعض اهل النقد والفكر والمعرفة آنذاك، الذين ما زالوا يعيشون على بقايا مزق اللافتة التي مرغها الزمن بالتراب وتجاوزها قطار الحضارة.
لقد انفق السرد العراقي سنوات عمره الابداعي في التجريب، ولم يخلف للاجيال التالية تراثاً يمكن الانطلاق منه، فالجميع يبدأ من الصفر التجريبي ولكل كاتب صفره الخاص به، لأنهم لم يعثروا على ارث متواضع من جنس الرواية والقصة القصيرة ينتمي الى المذهب الكلاسيكي والرومانسي يمكنهم الاتكاء عليه للمغامرة في كتابة جديدة، لم يجدوا سوى بعض المحاولات الخجولة والمترددة، التي يصعب جمعها في اصطلاح تيار سردي له خصائصه ودلالاته.
ظل السارد العراقي منقسماً على نفسه بين تراث الرواية الغربية ومحنة التقليد وبين تراثه الوطني والشرقي الذي استعاره الغرب واحتفى به وصار واحداً من اهم الركائز التي ارفدت السرد الغربي، لذلك بقي معلقاً بين هويتين ثقافيتين، كلاهما لا يجد فيها ذاته الوجودية.
هذا هو الفضاء الثقافي الذي يعيش فيه الروائي غائب طعمة فرمان، وهو يكتب روايــة ”النخلة والجيــران“ فانتصر شغفه بأزقة بغداد وشخصياتها الهامشية وانتشرت وراجت من خلال ولعـه بالحس الشعبي، محليته نقشت اســمه في ســـماء السـرد.
المصدر

http://www.awu-dam.org/mokifadaby/229-233/mokf229-233-007.htm