الرئيسية » الملف الشهري » لمناسبة ذكرى رحيله غائب طعمة فرمان.. الإرث الإبداعي وأفق الرواية العراقية

لمناسبة ذكرى رحيله غائب طعمة فرمان.. الإرث الإبداعي وأفق الرواية العراقية

الصباح
تمر هذه الايام الذكرى السابعة عشرة لرحيل الروائي غائب طعمة فرمان الذي يعد واحدا من رموز السرد العراقي، حيث نضجت على تجربته بدايات الرواية الفنية في العراق، اذ قدم غائب بانوراما أدبية فكرية اجتماعية، وأرخ لحقبة تاريخية مهمة، بعد التحولات الكبيرة التي عاشها العراق عقب الحرب العالمية الثانية وما تلاها من أحداث في أواخر الاربعينيات والخمسينيات،
وتجلت في اعماله ما أفرزته تلك المتغيرات من مظاهر اجتماعية مختلفة.
لا نريد بهذه المناسبة ان نستعيد ما قيل عن غائب ومنجزه ونكرر ما درجت عليه الاحتفاءات الروتينية، المنطوية على نمط من الاستذكار التقليدي والاستعادة التي بعضها جديد او مهم في قراءة اعمال هذا المبدع الذي يستحق الكثير.. ولا نبالغ اذا قلنا ان اغلب انواع الاحتفاءات والاستذكارات لا تقدم قيمة ثقافية أو مادة جديدة، تكشف الوجوه الاخرى المتوارية، خلف الوجه المعروف للمبدع، ولا تفتح نوافذ غير مسبوقة للمنجز الابداعي ومدى التأثير الاجرائي في حقول الادب والمعرفة والفن وانعكاسها على المشهد الثقافي بشكل عام، لذلك كان السعي نحو استذكار يختلف عما سبقه في الذكرى، اذ ارتأينا ان نثير سؤالا بالغ الاهمية في احتفائنا هذا ولعله يسلط الضوء على جوانب حيوية في منجز كاتبنا الكبير وعلاقة ذلك بالمشهد الروائي العراقي الآن وضمن هذا الفهم والتوجه جاء سؤالنا لطائفة من الادباء والمثقفين بشأن ارث فرمان الروائي واثره على افق الرواية العراقية.

ما تبقى…هو الافق الاوسع للتأسيسات الاصلية

عندي السؤال جملة ملاحظات، احتفظت بها في ذاكرتي. وهي إشارات واضحة على وحدات تضمنتها أعمال (فرمان) القصصية والروائية، ومنها (اللغة وثراؤها ــ السرد ــ المكان والزمان ــ الشخصيات). وقد حافظ الكاتب على هذه الوحدات بحرص شديد، كما سنرى فيما سأروي من حكايات خارج سياق آثاره الأدبية. وهي من باب ضرب من التأريخ الشفاهي.
أولى الروايات ما حدثني الناقد (قاسم عبدالأمير عجام)، حيث قال: سافرت إلى موسكو لشأن وظيفي. وكنت أروم زيارة الأديب ( برهان الخطيب ) .فما كان من أحدهم إلا ّ أن كتب لي عنوان سكنه بالروسية المكتوبة بالحروف العربية . وحين جلست بالقرب من سائق التاكسي , قرات ما كـُتـِبَ لي , وكأني أعرف الروسية . فما كان منه إلأ ّ أن أوصلني إلى بداية الشارع , وأشار لي بإصبعه أن أسير من هنا , ففعلت بعد أن غادرت السيارة , ,اخذت أسير كما أشار لي , وإذا بي أرى رجلا ً من بعيد يسير حاملا ً كيسين على الجانبين . وللوهلة ألأولى إرتسم في ذهني ( برهان ) بمشيته التي عرفتها . قلت لأناديه بإسمه فمن يعرفني هنا , أو يعرف عربيتي أصلا ً . فصحت … برهان … برهان … بأعلى صوتي . وإذا بالرجل يُسقط الكيسين من يديه وقبل أن يلتفت صاح …. قاسم ..ولك قاسم . ثم أدار قامته نحوي راكضا ً , وفعلت مثله , فإمتزج صوتانا بالبكاء للحظات . وحين أفقنا ووصلنا الشقة باغتتني رائحة عراقية ,و لطعام عراقي , هو ( الباقلاء ) العراقية أو الحلـّية أصلا ً وهي تملأ جو الشقة . قلت : من أين أتيت بالباقلاء هذه ..؟ وكيف تكون عراقية , إذا لم يكن ثمة خبز عراقي ..؟ قادني إلى المطبخ وأراني الكيس الكبير المليء بالخبز , فإستغربت . لكنه أجابني دون أن أسأل على الفور : جلبه لي والداي , وهما الأن يقضيان شهر العسل في إحدى المنتجعات . وفي الحال هاتف ( فرمان ) قائلا ً : أسرع قاسم هنا , تعال بالعجل . ولم يدم غيابه طويلا ً حتى طرق باب الشقة وباغتني بقامته , وبعد العناق إلتفت إلى برهان قائلا ً : ماذا أشم …؟ رائحة الباقلاء ..؟! إنها رائحة أتية من بيوت أهلي هناك ..! فأخبره ( برهان) بالأمر , فما كان منه إلأ أن عاتبه بسبب عدم إخباره بتوفر أكلة مثل هذه عنده , وهو الذي يحبها كثيرا ً. : كيف لم تخبرني , وتتركني أتناول قطعة الجبن على مضض ككل يوم . .؟ ! ثم أردف وبالدهن الحر والخبز العراقي .. ؟؟!
ثانية الروايات، ما تضمنته رسائل (فرمان) إلى (عبدالرحمن منيف) ذاكرا ً له ؛ إنه يروم زيارة العراق، وأمنيته الكبيرة والرئيسية , أن يتكلم العربية مع أو من يصادفه من العرب في أول مطار عربي , حتى لو كان هذا الكلام بالمفردات الفاحشة , فهي لذيذة على لسانه لأنها عربية . أما ثالثة الروايات وبعد أن جف نهر الذاكرة وشح ماؤه , كما صرّح , وغابت صورة المكان البغدادي عن ذهنه , على الرغم من عدم غياب التأريخ العراقي عن ذاكرته، لكن لكل نهر له مصادر مياه جديدة . ,اول ما زار حين وصوله إلى بغدا د هي منطقة الميدان المجاورة لوزارة الدفاع , والحيدرخانة , حيث كان قد ترعرع فيها , وترعرع شخوصه داخل حاضنتها , فهي حافظة ذكرياته النابضة بالحيوية وصور أصدقائه من الشعراء والسياسيين . أسوق هذه الروايات الثلاث لأصل بها إلى دلالاتها الموحية . ففي الأولى ثمة دلالة لإرث الشخصية ومفردات الذاكرة عن ( برهان وفرمان وقاسم ) ودلالات فعالياتهم الإنسانية كالأصوات المرتبطة بالأحداث الغائرة في الذاكرة . , والتي تمثل مفهوما شعبيا ً له دلالة كبيرة , إرتبطت بالتأريخ العراقي , وبالعقل العراقي الشعبي . وثانيهما : العلاقة مع اللغة , فهي التي تخط صورة الذاكرة وصوغ مفرداتها , تسجل وقائعها على أبهى صورة . ففيها سر الديمومة مع الحياة , فاللغة نهر والنهر حياة . أما ثالثة الدلالات , فهو المكان وحيويته . فحين تشحب معالمه في الذاكرة لابد من ترك المياه تدخله من كل الجهات ؛ بالمشاهدة والرواية الشفاهية والبصرية . فالذي يقرأ آثار ( غائب طعمة فرمان ) الأدبية , سوف يقف على هذه الركائز ( المكان الزمان الشخصية ) وهو ماتبقى لـ ( فرمان ) عبر آثاره الإبداعية , والتي هي خير درس لنا جميعا ً . فالمكان حاضنة , والحاضنة دفء , فمن أراد أن يمنح نصه بنكهة المكان ودفئه ,ويؤصل إيقونة النص ؛ فما عليه إلا ّ أن يفعل ما يحلو له وهو يتعامل مع المكان , لتأصيل لنص , ولكن شريطة أن يستعيد إيقونته عند الرائد ( فرمان ) الكبير , ومن باب الدرس البليغ ليس إلا ّ. جاسم عاصي * قاص وناقد من كربلاء

تأصيل الصوت السردي

اعتقد ان السؤال يحتاج الى اعادة نظر، فما الذي لم يتبق من غائب طعمه فرمان الحاضر في كل تفاصيل السردية العراقية، حتى يتم طرح السؤال في اطار صيغة تشير الى امكانية تآكل طعمة سردياً وبالتالي تحوله الى ماضي يمكن ان يتبقى منه ما يتبقى.بعيداً عن كرزمة طعمة التي استحقها بلاشك فانه اثر بقوة داخل حقل السردية العراقية منذ فتوحاته لتقنيات جديدة في الساحة الروائية العراقية في سياق توظيفه لتقنيات تيار الوعي التي اذنت بظهور الرواية العراقية (البولوفونية) التي كانت وراء انبثاق اهم المنجزات الروائية في فترة الخمسينيات مروراً بفترة الستينيات وانتهاء بفترة الثمانينيات باعتبار ان فترة التسعينيات تمتلك خصوصية في اطار تأمل مسيرة السردية العراقية وفترة تأمل وتحول عن التقنيات التقليدية واستحداث تقنيات جديدة لكن ماهو مؤكد ان التسعينيات وهي تسعى لتنشيط فعالية تأمل الرواية لم تحد عن حضور فرمان المتجدد يؤكد ذلك ان طعمة في منفاه عمل على اشاعة فوستالجيا معكوسة في رواية المركب التي جاوزت اعمالاً شبابية عملت على اشاعة الثقافة نفسها كما لدى شاكر الانباري ونجم والي ، وعلي بدر .؟
الجواب الطبيعي لتأثيرات فرمان في مساحة السردية العراقية انه مؤثر قوي وفاعل حاضر بقوة في كل ما يكتب من اعمال جديدة ولا يعني ذلك ان فرمان بقوته هذه يعمل على تغييب الصوت الاصلاني للمبدع ولكن حضور طعمة السردي هو حضور تنشيط الاصلانية هذه. حسن الكعبي * ناقد من ميسان

delfin
08-15-2007, 09:22 AM
ابداع ينتظر من يتحاور

شكّل الخطاب الروائي منذ ظهور رواية ” جلال خالد ” لمحمود أحمد السيد في العام 1923 مرحلة انعطافية في مسار الأدب العراقي وأحدثت روايات عبد الحق فاضل ” مجنونان ” وذنون أيوب ” اليد والأرض والماء ” تطوراً نسبياً في مضمار تحقق الرواية العراقية فيما جعلت سرديات عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي السرد الأدبي العراقي يخطو باتجاه حداثة تبعده عن الفج السائد المنفلت فاقد إشباع الذائقة بما يرويها من شهد الأدب المرموق . وعرفنا غائب طعمه فرمان روائياً في ” النخلة والجيران ” الذي صدرت له منتصف الستينيات بعد مجموعتين قصصيتين هما (حصيد الرحى) في العام 1954 و (مولود آخر ) في العام 1959 . ثم تتالت أعماله (خمسة أصوات) و(المخاض) حتى انتهت بـ ( المركب ) التي صدرت له في العام 1989 أي قبل عام من وفاته فبلغ عدد ما أصدره عشرة نتاجات سردية ترجح فيها الخطابات الروائية على القصة القصيرة .
دخل فرمان من باب الحياة الشعبية مقدمَّاً شخوصاً استلهمهم من الهموم اليومية التي تحياها فلم يترك القاع صعوداً إلى القمة المخصصة للحياة السياسية أو تلك التي تخص أناس يبعدهم ثراؤهم المادي عن تفصيلات حياة الفقراء رغم أننا نؤكد أن المجتمع العراقي في حَقبِهِ القريبة لم يتكرس فيه التفاوت الطبقي الصارخ الذي تحصّلَ في أوروبا مثلا عبر التطور الإنساني . وقد كرّس إبداعه وموهبته لتناول الحياة البغدادية بفعلها المكاني حيث المحلة والحارة حتى وهو بعيد عنها ، متأثراً بغيوم الواقعية الاشتراكية الذي قضى صرفاً من عمره يطَّلع على نتاجات كتابها . وكانت معظم خطاباته الروائية تقدم شريحة اجتماعية بلا بطل مركزي لها وانموذجاً يُحتذى به بل شخوص يخلقون ملامح البطولة في مجرى الأحداث ؛ فتلمسناه بذلك يخالف تقنية القص المعهود الذي تتنامى فيه ( الأحداث) وتصل ( الذروة ) ثم تدرك الخاتمة (نقطة التنوير ) إلى السرد الذي يتوجه فيه ومنه إلى طرح الحياة برمتها وبانسيابية ، عارضاً هواجس ومشاعر الشخوص المتحركة مرةً بمسحة كوميدية تؤجج البسمة على الشفاه ومرات بمرارة قاهرة تشيع الحزن داخل النفوس . وهو بهذا يقتفي توجهات ( جيكوف ) في عرض الشخوص وما يعتريها بتصور كوميدي وتراجيدي سويةً ويأخذ من واقعية نجيب محفوظ وتعامله مع المكان كأحد أبطال روايته ، إذ ذهب يتناول المكان كمحفز لتنامي سرده ، ويتشبث به تشبثاَ يصل حد التماهي به مستعرضاً كل حجر وبناية وشارع وزقاق ، تاركاً لعينه التي تتخذ عين كاميرا ترصد ما يمور خلف ذلك الحجر ، وداخل تلك البناية ، وعلى أرضية هاتيك الشارع ، وتعرجات تلكم الزقاق . فهناك كان المكان يتمثل في “زقاق القصابين ” و “عرصة سكراب ” و ” دربونة النخلة “و ” جامع الرواس ” و ” مقهى أبو كربات ” و ” جامع العندروسي بالقرب من دكاكين حبو ” و ” الخرابة التي تطل على منارة الخلاني . ” كل هذا التهافت المكاني يتواصل في ثلاثة أو أربعة اسطر ( المخاض ) عاكسةً حجمَ تعلّق السارد ، عارضةً ولعه في استنطاق الصورة الراكزة على الأسماء المتعلقة بالمكان .. إضافة إلى الشخوص المهمشين في الحياة ، أولئك الذين لا ترتقي طموحاتهم وتعلو فوق توفير العيش اليومي وما يقيهم من الطرد على قارعات الطرق مع جموع الضائعين ( النخلة والجيران ) أو الذين يخوضون في هموم سياسية لا تطفو على اهتمامات وتطلعات تحقيق أماني شرائحهم البسيطة ( خمسة أصوات ) .. وفي وسيلته الكتابية التي تشكّ الوسيط المهم في عملية الكتابة توخى فرمان توظيف اللغة البسيطة الواضحة التي تعود بجذورها إلى لغة الأدب الواقعي الاشتراكي الهارب من التعقيد ، معتقداً أنها الوسيلة المثلى لتلقيها من قبل جميع المستويات الثقافية وكسب اكبر شريحة قرائية تتعامل مع أدبه وتتحاور مع فحواه .
ولقد رأى عدد من النقاد والسرديين إلى فرمان رؤى مختلفة جميعُها تصب في صالحه . فقال عنه جاسم المطير انه ” استطاع عن قرب محاورة أفراده بكل طبقاتهم وأصناف مهنهم ومراتبهم الاجتماعية وعلى مختلف صفاتهم الأخلاقية ، فاجأ تبعاً لذلك جميع قرائه بما استخلصه من عمق الرؤية الروائية الداخلية في المجتمع .”. فيما نظر شجاع العاني نظرة الدهش لإبداعه ، عادّاً إياه الأب الشرعي للرواية العراقية الفنية ، قائلاً في دراسةٍ عن إحدى رواياته (النخلة والجيران) : ” لا يسعني الا أن أسجل ميلاد الرواية الفنية في العراق . وان أسجل أن غائب طعمة فرمان هو الأب الشرعي لهذا المولود الجديد ” . أما ياسين النصير فأشار إلى أن الرواية العراقية ” لم تكن على درجة من النضج الفني إلا على يد غائب طعمة فرمان ” و ” أنه أهم روائي في تاريخ العراق المعاصر.
ولأنَّ فرمان غادر البلد وابتعد ، ولأنَّ النظام البائد نظر له نظرةً سلبيةً وبادر بالتعتيم على نتاجاته المهمة في مضمار الرواية حيث الساحة الثقافية والأدبية تشكو من قلّتها ومحدودية كتابها فقد ظلت كتابات فرمان بعيدة عن المطالعة والتناول ؛ لا بل ظلت أعماله وخصوصاً الأخيرة منها غير معروفة بحكم الحَجْر المفروض عليها وعدم دخولها الساحة الأدبية المحلية . وكان لذلك أثره السلبي الماس لصميم العملية التدوينية الروائية العراقية في عدم تحفيز الكتاب السرديين وتوجههم نحو مرفأ الرواية فبقوا في حومة القصة القصيرة يُألِبون مواهبَهم ويسكبون عصاراتِ إبداعاتهم في بوتقتها ، وبذلك صرنا نعترف بمحدودية الفعل الروائي العراقي في مضمار السرد ونرى إلى المنتج الروائي على أنه بتعداد ضئيل جداً مقارنةً بالإصدارات الشعرية والقصصية . وهنا تكمن إجرامية الأنظمة التي تمارس العَسف ، وتحارب الثقافة ، وتطيح بالعلم ؛ وهنا تكمن أيضاً مسؤولية الإصرار على الإنتاج وتحقيق الفعل الايجابي في جميع حقول المعرفة وعدم الرضوخ لغبائية الأنظمة وبلادتها المفروضة فرضاً قَسرياً .
وللحق نقول ما زال فرمان لا يحظى بالاهتمام المطلوب وما زالت الذاكرة الثقافية العراقية في جفاء معه أو على الأقل مقصِّرة في تعاملها مع إبداعات خلقه الجميل . وهذا يستدعينا التوقف في هذه المناسبة والتوجه بالرجاء إلى دار الشؤون الثقافية لإصدار نتاجه المهم في مجلدات وأن يصبح إصدار المجلدات تقليداً نصفَ سنوي على الأقل للمبدعين الذين ظلوا في الظل مغيبين أو الذين لم تُعط لهم أحقيتهم التاريخية لإثراء المكتبة العراقية من جهة وتوفير الكتاب للذين لم يحصلوا عليه أو لمن هو بعيد عنهم جراء مسببات عديدة قد يتحقق الوقت لتناولها. زيد شهيد * قاص من السماوة.

المصدر:
http://www.awu-dam.org/mokifadaby/229-233/mokf229-233-007.htm