الرئيسية » الملف الشهري » روايات فرمان – استعادة المدينة – استعادة النص

روايات فرمان – استعادة المدينة – استعادة النص

ناقد

لا أعرف لماذا اتذكر غائب طعمة فرمان كلما جري الحديث عن بغداد ،المدينةالحزينة وبغداد الذكريات وبغداد الشاطيء والليالي الملاح ،،اذ تبدو هذه المدينة وكأنها اصبحت جزءا من تاريخ حكواتي ، واصبحت المدونات والشواهد عنها الواحا غائرة في السحر والتلذذ ،رغم انشدادها الي زمن شديد الجريان لم يترك علي جسدها النافر بالانوثة الاّ شقوقا رطبة وبقايا جمال عتيق ..
غائب طعمة فرمان مواطن بغداد استثنائي ،تسكنه بالوجع والتذكر ،، و رغم انه غادرها مبكرا لكنها ظلت عالقة به مثل رقية يحملها انّي استجار بالامكنة ،،مدون سري وعميق ليومياتها الحافلة بالسحر ابدا ، حيث الامكنة المباحة والمغلولة ،وحيث حيوات الناس الذين انخرطوا في تشكيل نسيج اجتماعي /شعبي يختزن مرارات الامكنة ذاتها وذاكرتها المرة ،لكنه يحمل لها مذاقات وتوهجات توحي اليه بنوع من الروح الصاخبة بالحياة والاحلام!!! لا يمكن ان تتلمس رعشات جلدها الطيني الاّ من خلال الكشف والغوص في ازقتها المتلاصقة بحميمية وكأنها تمنح شبابيكها وشناشيلها المتقابلة احساسا ايروسيا غامضا بتبادل النظرات المختلسة او المناديل البيض او القبلات العجول!! او ربما تتكشف عبر حواريها او حاناتها ومقاهيها عن ظلال عالقة مثل ايقونات (الادعية ) تحاول ان تمسك الزمن وتعلقه علي تخوتها او مزاغلها النابضة بنداء الارواح الحية واعترافات العشاق القلقة واللجوج عند زوايا العتمة المكسوة لحظة هروب اضواء الشبابيك …
المدينة عند غائب طعمة فرمان هي مدينة العالم السراني الذي يختزن قلق شخصياتها وحرماتهم واحلامهم المجهضة ،،فهي تمور بحراك حي لكنه سري ،اذ يتوزعه الفقراء ،العشاق، المثقفون الهامشيون ، الشقاوات ، السكاري ، البغايا ،فنطازيو السياسة ،،واعتقده ايضا كان راصدا لتحولاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ،،اذ ان حيوات ابطاله لاتتحرك في فراغ ،بل انها تتحرك وتنمو في سياق زمني وفي اطار صراعات تجوهرت في روح المكان العراقي واستجابت للكثير من معادلاته …
في النخلة والجيران يبدو قاع المكان/ المدينة هو الفضاء الساخن الذي تتشكل عنده حيوات ضالة وصراعية ،ياخذها الجوع والخوف والاحلام الي عوالم تنتهك فيها الروح وتفقد سكونها واطمئناناتها المغشوشة ، انها روح في نوبة اغواء دائم ، حيث العالم الخارجي الصراعي يمور بظلال الحرب والكساد والبطالة وحيث قاع المكان يعيش قلقه الساخن وحرماناته وعواءه الجنسي والانساني عبر ارواح شخوصه المفجوعة ومنها روح سليمة الخبازة وهي تفرش لحظاتها المضطربة كمفارقة في مواجهة كل تداعيات الزمن الخارجي ،زمن الخطيئة والجوع والخيانة والموت ،، مثلما وجدها فرمان فضاء آخر لزمن سياسي في مرحلة ما بعد الحرب بكل تداعياته وتحولاته وفوضاه …وكذلك يفعل سعيد و عبد الخالق وحميد وابراهيم في رواية خمسة اصوات ،اذ المكان الثقافي والسياسي الذي يصنعونه لهم كمقابل نفسي وايهامي يعادل ازمتهم الوجودية في وعي العالم ،، الرواية تجد في تقنية تعدد الاصوات مجالا لتعدد الرؤي والمصائر ، اذ هم رغم تعدد مشاربهم واتجاهاتهم ،الاّ انهم يلتقون في لحظة وصفية يكشفون من خلالها العالم المأزوم الذي يحاصرهم والذي لم يقترحوا ازاءه الاّ حلولا وهمية وفنطازية تذوب كلها في المكان الحسي ،المجلة/ الحزب/ الملهي/ المبغي/ الحانة / الزقاق/ الغرفة الضيقة ،،هذه الاستعارات المكانية تتحول الي استعارات عالية تواجه المحيط الخارجي وشخصياته واجواءه النفسية والسياسية ، وكأن فرمان اراد ان يجعل ابطاله حالمين فقط لانهم نتاج ازمة وجودية وسياسية واخلاقية لم تترك لهم الاّ الهامش الحياتي والاخطاء والاخفاق والخواء ،،ولاشك ان توصيفه للمدينة السرية او القاع هو دلالة علي ان صناعة المدينة السياسية في المعيش والرفاهية يبدأ من (الفوق) اذ يصنع السياسيون عوالمهم الباذخة واصحاب الاحزاب والكتّاب والصحفيون مناطق تعويضية حافلة بالاغواء دائما ،،بينما ابطاله/ شخوصه لايملكون سوي وعيهم المضطرب والمخدوع والموهوم باحلام الاخرين ، لذا نجد ان الاماكن السرية التي يجترحها فرمان هي اماكن رغم شحوبها ورطوبتها الاّ انها اماكن غائرة بالسحر واللذات والايهامات الموحية ….
وفي رواية (الام السيد معروف) التي قال عنها جلال الماشطة بانها تكشف عن الذخيرة القرائية الكبيرة لفرمان ،نجده يعترف ويبوح وربما يكشف عن وعي متعال في تلمسه للكثير من مناطق ناتئة في التاريخ والمعرفة والحسيات.
لا اظن اعادة قراءة (النص) الروائي كمادة سردية مهمة في بيان اهمية غائب طعمة فرمان لانه يملك قصب ريادة الرواية الفنية اولا وان يملك القدرة الفاعلة علي اعادة انتاج الامكنة والشخوص وعلائقهما والتي تكشف عن ادق تفاصيل العالم الجواني للمدينة البغدادية ، هذا العالم هو الذي يحتاج الي اعادة قراءته لان الرواية الفرمانية تقابل (النص) التاريخي لصيرورة حيوات المدينة ، وهو ذات الموضوع ذاته الذي كثر الحديث عنه مع نجيب محفوظ عند دارسين عرب واجانب ،،،وربما كان اغفال غائب طعمة فرمان يعود لاسباب سياسية وتاريخية معروفة ،فضلا عن طبيعة فرمان ذاتها بمزاجها وعزلتها وانطوائها.
ان وضع ما انجزه غائب طعمة فرمان في سياق تاريخي وثقافي يحتاج الي جهد حقيقي يعطي للرجل حقه اولا ويكسر وهما طالما ردده البعض با ن التاريخ الابداعي العراقي كان تاريخا شعريا فقط ولم يؤسس فيه الروائيون والقصاصون شيئا ثانيا ،، واعتقد ان هذا الجهد يمثل اعادة انتاج حقيقي ليس للخطاب الابداعي العراقي بقدر ما هو اعادة قراءة تاريخ الزمن الثقافي العراقي خلال عقود مهمة من سيرة هذا التاريخ ورصد تحولاته في المكان والنص ،، خاصة اذا عرفنا تأثيرات النص المديني في روايات فرمان علي النص التصويري الذي لا يعدو ان يكون كله استعادات للمكان المديني ،اذ ان فرمان كتب كل رواياته خارج العراق … لذا فانا استعيد روح المكان /روح بغداد النابضة بالحياة والقوة كلما اقرأ أعمال غائــــب طعمة فرمــــــــــان ، وكأننا سنبحث في تاريخنا الثقافي عن حلول اكثر واقعية لازماتنا السياسية التي تعصف بالمكان والنص ايضا ،،انها مفارقة حقا!

جريدة (الزمان) الدولية – العدد 2487 – التاريخ 28/8/2006