الرئيسية » الملف الشهري » في الذكرى الخامسة عشرة لرحيل غائب طعمة فرمان ذلك الغروب الذي يطلع في كل وقت من النهار

في الذكرى الخامسة عشرة لرحيل غائب طعمة فرمان ذلك الغروب الذي يطلع في كل وقت من النهار

 
المستقبل – الاحد 9 تشرين الأول 2005 – العدد 2064 – نوافذ – صفحة 13

أتذكر الآن، يوم قرأت قصة قصيرة بعنوان “سليمة الخبازة” لكاتب لم أعرفه قبل ذلك الوقت… وقت تطلُّبي الثقافي عام 1959، أو 1960 في مجلة “المثقف” العراقية التي كانت تصدرها، في تلك السنين “جمعية الخريجين العراقيين” أمثال علي الشوك، وغانم حمدون، وأمجد توفيق، وآخرين.
لقد شدتني تلك القصة القصيرة، ولكنني ظللت أعود إليها باعتبارها قصة ناقصة. فهي، أحياناً، تبدو لي ناقصة من البداية، أو ناقصة في النهاية، ثم تبلور لدي إحساس بأنها ربما تكون فصلاً من رواية؟ لذا فقد سررت كثيراً، وأنا أقرأ رواية “النخلة والجيران” للمبدع الراحل غائب طعمة فرمان، إذ شعرت بأن هواجسي حول قصة “سليمة الخبازة” كانت في محلها، فها هي سليمة الخبازة شخصية من جملة العديد من شخصيات رواية “النخلة والجيران” (1965) التي هي أول رواية عراقية مميزة، ومتجاوزة لكل المحاولات الروائية المخلصة… البسيطة والساذجة غالباً، سواء لمحمود أحمد السيد أو ذوالنون أيوب أو أكرم فاضل وسواهم، ممن لهم الفضل الأكيد في التأسيس للكتابة الروائية… نستثني من ذلك رواية “الوجه الآخر” للمبدع فؤاد التكرلي التي تعتبر التأسيس الحقيقي للرواية في العراق، الذي يقال عنه وعن مصر: “إن الشعر يولد في العراق ويموت في مصر، بينما الرواية تولد في مصر وتموت في العراق”؟ ولكنه كلام مقاربة لظواهر، فلا يؤخذ على حده، قدر ما يؤخذ بدلالاته.
وحين ظهرت رواية “الرجع البعيد” لفؤاد التكرلي شكلت الروايتان “النخلة والجيران” و”الرجع البعيد” ثنائياً أشبه بالعنوان الرئيس للفن الروائي العراقي، دون أن نبخس حق أسماء لم ترد هنا.
يبدو أن غائباً اكتشف موهبته الروائية، بعد عشرات من القصص القصيرة، فتوالى نتاجه الروائي، فكانت: خمسة أصوات 1967 ـ المخاض 1974 ـ القربان 1975 ـ ظلال على النافذة 1979 ـ آلام السيد معروف 1982 ـ المرتجى والمؤجل 1986 ـ المركب 1989.
غير أننا ـ هنا ـ سنتوقف عند “آلام السيد معروف” التي اعتبرها ـ شخصياً ـ “البقعة الأرجوانية” لغائب طعمة فرمان الذي هو عندي، بلا شك، “السيد معروف” بآلامه التي نعرفها من خلال روايته التي أجدها أيضاً قصيدة روائية غير مسبوقة، غير بعيد عن رواياته الأخرى التي نراه فيها غائباً معروفاً!
أقول هذا بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لرحيله، وبمناسبة إصدار روايته (آلام السيد معروف” عن وزارة الثقافة السورية بعناية الكاتب (محمد كامل الخطيب) وتقديمه، ضمن سلسلة (الكتاب الشهري) والذي حمل الرقم (25).
رجل الغروب
“للغروب فتنة لدى السيد معروف لا تعادلها فتنة في الدنيا كلها”.
هكذا تبدأ رواية “آلام السيد معروف”… بداية بسيطة، ولكن مع تتابع صفحات الرواية وتطوراتها تبدو تلك البداية سطوراً غامضة أو ساذجة، وربما موجعة، وينبغي لنا أن نتابع هذا السيد معروف، غير المعروف إلا عند نفسه، وعند قلة من معارفه غير الموجودين في الرواية، وعلى رأسهم مبدعه غائب طعمة فرمان العارف بالسيد معروف، أكثر من السيد معروف ذاته؟
… ويتابع (فرمان) غروب السيد معروف، كما يتابعه معروف قائلاً: “… أما هذا الغروب الساجي فيظل يطوي الآماد، ويعانق الآفاق، ويظل يلازمها الى ما لا نهاية، هارباً من ظلامية الليل التي كان السيد معروف يكرهها كرهاً شديداً، فيود لو يلاحقه الى الأبد. معانقاً مثله الآفاق، دون أن يشهد الليل الكئيب” حتى يبلغ به الأمر أن (يردد، أحياناً، مستغفراً الله عن تحريفه لكلامه المنزَّل: “ولكم في الغروب حياة يا أولي الألباب”).
عالَم باطني خاص
إن الرواية تقول لنا، من بدايتها، بأن السيد معروف أيقن بأن لا شروق في حياته، ولا راحة، ولا سعادة، فلجأ الى الغروب إكسيراً يتابع به الحياة مع أمه المقعدة بسبب ضعف بصرها، وأختيه: الكبرى العانس، والصغرى التي عنّسوها بسبب عنوس الكبرى، وهو العانس الثالث بسبب وجع معدته الدائم، والتجائه للغروب ولا شيء سوى الغروب.
إن للسيد معرف عالمه الباطني الخاص الذي يشيع في روحه الارتياح مثلما يؤجج الآلام والأوجاع. وحين يفلت من باطنه شيء الى لسانه فإنه يسبب له المتاعب. ذلك أنه ـ وبسبب موهبته في تدبيج الرسائل والكتب الرسمية ـ صار قوالاً أكثر منه فعالاً، وانه ليمارس ذلك بينه وبين نفسه. فهو مع روحه دائم الخوض في الصياغات، وأبيات الشعر والأمثال المشهورة، وما يحيط بها، أو يلامسها من تحريفات، وما يدخله هو عليها من إضافات أو استنتاجات.، وهو دائم الخوض في ذلك، في لاوعيه، وفي وعيه، وفي كلامه الظاهر أحياناً (وسيورده ذلك المهالك بعد حين) ولا فعل له سوى تدبيج الرسائل والكتب الرسمية، ومعالجة أحلامه حول الغروب وانتقاله على كل البلدان دون توقف، ولا تعفن… إنه يناجي نفسه في ذلك فيقول:
“شيء في الغروب شجي وبهيج وفاتن وعنود فيه سحر الديمومة، وفتنة الأزل ومطال الأجل، لا مثل الشروق الخاطف سرعان ما يسلم زمامه الى شمس لاهبة، وهواء وغر…”.
رجل التداعيات
السيد معروف مأخوذ بالتداعيات، وهي حياته البديلة عن الحياة التي لم تكتب له. لقد رضي بذلك، ولكن الآخرين ظلوا يسلبونه “غروبه” الذي ظل هو متمسكاً به حتى آخر لحظة، رغم أوجاع المعدة المقروحة، أو بسببها. لقد رضي بتعريضات الآخرين وإهاناتهم له في الدائرة التي يعمل فيها، سواء من رؤسائه، أو من زملائه الذين اتخذوه متنفساً لأوجاعهم التي لا يدركون أسبابها. وهو الذي يعي الأسباب لا يصرح بها، بل هو لا يريد سوى أن يتركوه مع تداعياته، والغروب الذي لا يسحره في الحياة شيء غيره..
… ويدخل ـ فجأة ـ عامل غير متوقع ولا مرتقب.. وجه امرأة مليح يفاجئه بديلاً عن وجه الغروب الحبيب.. وجه امرأة يأتيه من الجهة الأخرى التي لا ينتظر منها شيئاً… إنه ليس وجه الشمس “ان لهذا الوجه عينين بشريتين واسعتين لامعتين، وشفتين قرمزيتين..”
وإذ يدخل هذا الوجه في روحه مرتبطاً بالغروب الأثير، يصبح السيد معروف مربوطا بالغروب وباشراق ذلك الوجه البشري ذي العينين البشريتين الواسعتين اللامعتين والشفتين القرمزيتين، صار مشدوداً إلى الغروب الذي يتنقل على العالم بدون توقف، فصار يتابع ذلك الوجه والعينين الحدوبتين، مع متابعته للغروب على خريطة العالم كل يوم.. كل يوم..
ويروح السيد معروف في سحره الجديد المزدوج يتساءل مخاطباً روحه “هل رأيت مثل هذه الابتسامة في حياتك كلها؟ ابتسامة الغروب، يا سيد معروف، ابتسامة حلوة وعينان.. عينان حدوبتان.. فعلاً، حدوبتان.. فيهما من الرقة ما جعلك تذوب في مكانك”.
ولكنه لا يفتأ يعود الى دينه في تحرير الكتب والرسائل الرسمية وهو في غمرة حلمه الرومانسي عن الغروب وذلك الوجه الأنثوي الساحر.. يعود وهو يقول:
“عجيب. كتابنا كتابكم.. موضوع آخر.. فكر في موضوع آخر، يا سيد معروف، موضوع آخر.. أين وضع الموضوع؟ فكّر في موضوع آخر. الموضوع: تحويل تفكير، استناداً إلى كتابكم المرقم”.
وسرعان ما يعود الى رومانسيته قائلاً لروحه: “هل كانت تلك الابتسامة لي؟ معقولة؟ لا، غير معقول. معقول”. ولكنه ايضا، سرعان ما يعود الى هاجسه الوظيفي قائلاً لنفسه “اسكت، يا سيد معروف. حول تفكيرك الى موضوع آخر. الموضوع: تحويل تفكير. استناداً.. لا تستند الى شيء.. المصادفة ام المفاجآت، أختها، عمتها.. ضرتها، ربما كانت تلك الابتسامة لي حقاً”، فيعود للاستغراق في رومانسه: “ابتسامة حلوة، عينان.. حدوبتان. لست اعور، ولا احول، ولا اعرج، رقبتي طويلة فقط…”
لقاء غير موفق
وفجأة ، يباغته صديقه (موفق) الخطير سياسياً.. صديقه الذي تقدم لخطبة أخته الصغرى (محبوبة) فاعتذروا له عن ذلك، إكراماً لاخته الكبرى (مرهونة).. فجأة يباغته: “سيد معروف، مرحبا” “لم يرد ان يجيبه، فان الدخول في نقاش مع السيد موفق، وفي ليلة كهذه، يزرع حوله الاشباح… ولكن أراد ان يجرب لسانه، فقد تصور انه لم يستخدمه منذ دهر، وخشي ان يكون قد التصق بحلقه الى الابد، خرج صوته جافاً جارحاً:
ـ لا فكر ولا ملاحقة في هذه السماءالصافية المنجمة.
فيبادره (موفق): ـ ما هو اذن؟
فيجيبه السيد معروف بشطر من شعر ابي نواس:
“شيء خصصت به من بينهم وحدي”
ـ هذا هو التجلي اذن
ـ لا تحسبه بحسابك الخاص.
ـ نوع من التفكير الرامي.
ـ لا، ابدا، لا فكر، ولا تفكير.
ـ لماذا تنكر التفكير، يا عزيزي معروف؟
ـ الأشياء الذاتية لا تسمى تفكيراً. شيء تفرزه النفس كالدموع كالضحك والبكاء، كوجع المعدة.
… وبعد حوار طويل، يبادر السيد معروف صديقه (موفق) متسائلاً:
ـ وما فائدة التفكير؟ قل لي من فضلك.
ـ للوصول الى ما هو أحسن.
فيرد السيد معروف:
ـ لم اعد احفل بما هو احسن.. أو لا ارى افقاً لما هو احسن، ويلخص السيد معروف ذلك اللقاء قائلاً لنفسه “لقاء مع موفق غير موفق”؟
نحو الغروب على نحو آخر!
.. وتتابع ايام السيد معروف تدهورها من سيء إلى أسوأ، فتتأزم معدته المقروحة، وتسوء حاله في عمله الوظيفي بسبب هلوساته التي صارت تظهر في كلامه مع زملائه في العمل ومع رؤسائه، في حين انه محكوم بانشداده للغروب الاثير، والى ذلك الوجه الذي أطل عليه فجأة مع الغروب، ولكن من جهة أخرى غير جهة الغروب:
“أنا أعرفها، يا ناس أعرفها منذ زمان، نصيبي الضائع رأيته في الزحام. ربما كان يلاحقني، يتلصص علي، يسير ورائي كظلي، طوال تلك المدة، عشر، عشرون سنة كان يتعقب خطاي.. لماذا لم ارد الابتسامة بابتسامة، وأسناني لم يتآكلها النيكوتين؟ لماذا لم افهمها شيئاً، بغمزة، باشارة، بتمتمة شفاه؟ لماذا لم اتكلم معها؟ أهلا وسهلاً، تشرفنا، أنا هنا، في الانتظار، كل غروب شمس”.
يستدعيه رئيسه (عبد الرحيم) الذي يقوم بوظيفة (المميز)، ويمضي معه في ما يشبه تحقيقاً، والسيد معروف يتعامل ببساطة وعفوية والمميز محتقن غاضب:
ـ ماذا رأيت البارحة؟
ـ ابتسامة حلوة، وعينين حدوبتين!
ـ هي التي لعبت بعقلك وحولت تفكيرك؟ لا تنسى انك موظف دولة. فيصاب السيد معروف بالدهشة والاستغراب، فيما يمضي المميز عبد الرحيم في القاء الأسئلة والتساؤلات قائلاً له:
ـ عندي مستمسك.. تعال.. اقترب… ما هذا الذي كتبته في كتاب رسمي؟ الموضوع: تحويل تفكير.
فيحس السيد معروف بأنه قد اسقط في يده، بينما يتابع (المميز) قائلاً:
ـ في مكاتبة رسمية تسمح لنفسك بأن تكتب تحويل تفكير.. تفكير من هذا الذي تريد ان تحوله؟! الدائرة؟ الدولة، المجتمع؟ هذا شيء يحاسب عليه القانون”.
وفي ما بعد ذلك يستدعيه المدير العام، فتقرقع عظامه وهو يمضي الى الامتحان الثاني والاصعب، فيمضي اليه صاغراً، فيدخله المدير في محاكمة أخرى عن التاريخ… التاريخ كما يفهمه المدير العام، والتاريخ الذي يحسه السيد معروف المضطهد الصابر.
خلال المحادثة يطلب السيد معروف من السيد المدير العام:
ـ .. نعود إلى التاريخ… هل تفضلت ونورتني بتعريف قصير عن التاريخ؟ اذا سمحت بالطبع.
ـ التاريخ يا بهلول، هو تاريخ الناس. تاريخ البشر.
ـ لا اعتقد يا سيدي.. التاريخ الذي تعتبره حضرتكم تاريخ البشر، اعتبره انا تاريخ المميزين والمديرين العامين، وملاك البيوت والمقاولين وأصحاب الاسواق العصرية، ومن شاكلهم، وأكل أكلهم.
اسكت، سفيه.
ويظل المدير يقمعه على كل رأي: اسكت حيوان، حشرة، سأنفيك من الدنيا كلها، أيها الجربوع اخرج اخرج.
عند ذلك يشعرالسيد معروف بانهيار لم يشعر به من قبل، وتصير حالته، بعد ذلك، تذكرنا بحالة بطل تشيخوف في قصته المعروفة (موت موظف).
وتتكاثر الصدعات على السيد معروف، تتهيّج معدته المقروحة، وتتأزم اخته التي عنّسوها مواساة لاختها الكبرى، حين يأتي خبر اغتيال موفق في المساء الذي التقيا خلاله.. وصاحب البيت يريد بيته.. وأخيراً يأتيه زميله السيد كاظم يسأله عما جرى بينه وبين المدير العام، ليطمئن على مصيره من فلتان لسان السيد معروف، فيقول له معروف: “تحدثنا عن التاريخ”… فيندهش الرجل من ذلك.. وينهي السيد معروف كلامه قائلا: “لو قدر لي ان اقابل المدير العام مرة واحدة، وجرى الحديث على نفس الموضوع لقلت نفس الكلام، بل ولصرخت في وجهه : “لو كان التاريخ هو تاريخ البشر حقاً لكان تاريخي “وأضفت” وتاريخ نسيبي الذي قتل قبل يومين”.
بهذه السطور انهى السيد معروف كلامه، وانهى غائب طعمة فرمان روايته عن الام السيد معروف التي يهديها الكاتب “الى الشهداء الاحياء ممن لهم شبه بالسيد معروف”. 

المصدر:
http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?storyid=145003