الرئيسية » الملف الشهري » المرتجى والمؤجل في رواية غائب طعمة فرمان: دراسـة في تجليـات النوسـتالجيـا العـراقيـة

المرتجى والمؤجل في رواية غائب طعمة فرمان: دراسـة في تجليـات النوسـتالجيـا العـراقيـة

نشأت رغبتي في البحث عن تجليات النوستالجيا في الأدب العراقي. عندما وجدتُ في الكلمة ومفاهيمها الغربية المغايرة تعريفات أدق لأحساس قديم لم يكن قد جوبه بشكل واعٍ قبل الوعي بهذه الكلمة وابعادها الفكرية والمعالجة بمهارة من قبل منظري الغرب. ولذلك أصبحت النوستالجيا حفّازاً لأستقصاء أبعادها في نتاجات عربية قد تكون هي الأخرى غير ملمة بالمفهوم، وإن كان عالمياً، فهو في صيغته اللغوية الواعية على الأقل، غربي النشأة والحضور.
النوستالجيا
ما سيشغل حيز هذا البحث إذاً هو ليس النوستالجيا بمفهومها كحنين إلى الوطن فحسب، لكن توظيف المصطلح الدخيل واجب، لأن النوستالجيا أكثر شمولا للتعبير عن دقائق الظاهرة المعنية، ولأن التحليل المستهدف يتطلب الإفادة من اديولوجيات فلسفية واجتماعية تحاول أن تقترن بالاصطلاح وتضفي عليه مفاهيم جديدة دخيلة في اساليب معالجتها لظاهرة الحنين كما دخيلة هي كلمة “نوستالجيا” بحد ذاتها. هنا تكمن اشكالية هذا البحث، وفي الآن ذاته مرونته وشفافيته. فإن التحليل الروائي سيشرع باستقصاء فكرة لم يوظفها الكاتب في روايته بشكل تحليلي. ثم أن الرواية العراقية المغتربة ستدخل نطاق نظرية غربية تجهل هي الأخرى قابلية استيفاء ابعادها في هذا الأدب. غائب طعمه فرمان
ستتركز محاولات البحث عن النوستالجيا حول رواية المرتجى والمؤجل لغائب طعمة فرمان. وتسبب في اختياري لهذه الرواية كأساس للبحث في موضوعة الحنين كونها تزعم معالجة موضوعة الحنين بشكل من الأشكال، لكن دون تحديد ماهية هذا الحنين بما يفرق تجلياته الأخرى المستقلة عن تجلي الحنين كشوق إلى الوطن. وحقاً فإن الرواية تزخر بهذه التجليات الغنية لمعنى النوستالجيا، مما يحفز على نظمها في نسق تعريفي أدق.
في الشطر التالي من هذا البحث سنلقي الضوء على فكرة الحضور الفني للنوستالجيا، ولا سيما الرواية. والتقنيات الأدبية في المرتجى والمؤجل ستكون محوراً لإبراز الفكرة. وبالإضافة إلى الحضور الفني، سنتتبع العلاقة بين التقنيات التي توحي بالنوستالجيا في الرواية وبين طبيعة التجاوب الذي يمكن أن ينمو في نفس القارئ مع هذه النوستالجيا عن طريق تجاوبه مع تجربة الشخصية الروائية. ماهية النوستالجيا:
ربما تستحسن الإشارة إلى فكرة النوستالجيا بتعبيرات أكثر عينية مما سبق ذكره، إذ أشرنا في ما ورد إلى ما لن يوظف كتعريف للنوستالجيا في تحليلنا الأدبي التالي، ولكننا لم نحدد ماهية ذلك الذي سنقوم بتوظيفه. يترتب على النوستالجيا كمصطلح حداثي ثلاثة امور أجمع عليها أكثر من عمل نظري عن موضوعة النوستالجيا في القرن العشرين، كتلك الأعمال التي سيوظفها هذا البحث. هذه الامور هي، أولاً، أن يكون الماضي المادة الاولية لتحفيز النوستالجيا، ولكن ليس حصيلتها النهائية[3]، لأن نقطة استقبال المحصلة تقع في مكان ما في المستقبل (المستقبِل؟)؛ ثانياً، أن يكون هذا الماضي شخصياً وليس تاريخاً عاماً لحقبة زمنية ما أو جماعة من الناس؛ ثالثاً، أن يكون التوق ايجابياً وليس سلبياً. إذ حتى لو ادعى الشخص توقه لحدث أو إحساس حزين-وعادة ما يتاق له هو الحدث والإحساس السعيد-فإن هذا التوق يحتوي على العنصر الإيجابي وإلا لما صار توقاً. إن أمعنّا النظر في رواية المرتجى والمؤجل، سنرى أن هذه الشروط الثلاثة مستوفاة في النص، مما يؤهله لتسمية “الرواية النوستالجية”. ومن الآن فصاعداً، سأستخدم هذا التعبير حين أود الإشارة إلى الأعمال الأدبية التي تستوفي هذه الشروط بصورة عامة. يظهر المشهد الأول للمرتجى والمؤجل ثابت، أحد أبطال الرواية الرئيسيين وهو رجل العراقي كان قد غادر وطنه منذ مدة ليست بالقصيرة، وابنه حسان المعطوب الذاكرة الماكث في ردهة من ردهات المستشفى. ومع ذلك، فإن الحديث عن حاضر الشخصيتين أو مستقبلهما لا يبدأ إلا في نهاية المشهد وباختصار شديد. بل تبدأ الرواية بسرد الأب حكاية عن الماضي لابنه. وهكذا، فالفكرة الأولية التي يكونها القاريء عن معظم شخصيات الرواية هي فكرة بصيغة الماضي، أي ماضي هذه الشخصيات. ثم بعد ذلك تأخذ الرواية بالخطو شيئاً فشيئاً إلى حاضر هذه الشخصيات حتى توصلنا إلى الطموحات التي تحملها كل منها وتبعثها صوب احتمالية مستقبلية. وأخيراً، بعد أن تتبلور الشخصيات في ذهن القاريء، بماضيها وحاضرها وتطلعاتها المستقبلية، تأخذ الحبكة الروائية بالمراوحة بين أفكار الماضي والمستقبل في أذهان شخصيات ماثلة في حاضر الرواية. تحقق هذه البنية الزمنية للمرتجى والمؤجل الشرط الأول للرواية النوستالجية. فماضي الشخصيات هو ما يشد القاريء لمتابعة الأحداث في أول الأمر، فهو في هذه المرحلة في شوق لملء فجوتي الحاضر والمستقبل بعد أن طرح أمامه ماضي هذه الشخصيات. شخصيتان رئيسيتان
أما الشرط الثاني، فيتحقق من خلال تركيز فرمان على شخصيتين رئيسيتين في الرواية هما شخصيتي ثابت ويحيى. فعلى الرغم من بنائه لخلفية واقعية متينة من الاشخاص والمواقع والأحداث، تبقى الشخصيات الأخرى في رواية فرمان هامشية نسبة إلى ثابت ويحيى وتبقى وظيفتها الأساسية إسناد الشخصيتين الأخريين أو تعزيز آراءهما بشكل أو بآخر. وسنرجع إلى هذا في الجزء الأخير من البحث.
أما الأحداث في الرواية، فتعيّن بعضاً من مكونات هاتين الشخصيتين، كما تقوّم الشخصيتان عن طريق وجهات نظرهما أسس هذه الأحداث. واندماج الشخصيات مع الأحداث بشكل يجعل كلا منهما مقرراً للآخر يوثق تحقيق بنية المرتجى والمؤجل لهذه الخاصية الروائية التي أجمع على ضرورتها جيمس وبارت وبروب وتوماشيفسكي. كما يتيح الكاتب الفرصة للقاريء للولوج إلى الحبكة الروائية بسهولة عن طريق استخدام صيغة المتكلم حين يكون التركيز على الشخصيات الرئيسية في النص. فحين يريد فرمان من القاريء أن يواجه مسألة أو معضلة تواجهها إحدى شخصيات الرواية، يترك المجال لهذه الشخصيات لتتداخل بوجهات نظرها المتضاربة حتى تتوصل، أو قد لا تتوصل، إلى قرار بشأن المسألة عن طريق الحوار. أو قد تترك الرواية للقاريء أمر التوصل إلى قرار ما، مثل الاختيار بين الوطن والاغتراب بالنسبة ليحيى (المرتجى، ص114) أو بين الابن المعطوب والابن البعيد بالنسبة لثابت ويحيى (المرتجى، ص115). في كلتا الحالتين، ينجح فرمان برأيي في إدخال القاريء إلى النص كقاريء حاضر وليس كقاريء متفرج إن كان الكاتب ناجحاً في توصيل الشخصيات بالأحداث، فلن يتمكن القاريء من تحديد رأي مباشر لأن الأحداث هي التي ستقرر مصير الشخصيات وبالعكس، وكل ما يريده القاريء هو المتابعة لكي يتوصل إلى محصلة تداخلهما.
وعلى الرغم من أن التقديم الدرامي لوعي شخصية ما يتطلب اللجوء بهذه الشخصية إلى صيغة المتكلم، ولذا يظهر الحوار على نوعيه الداخلي والخارجي، فإن الحوار الخارجي، أي بين الشخصيات، يعمل على تشتيت النوستالجيا لأنها، كما ذكرنا، إحساس ذاتي يتطلب التركيز الشخصي من خلال وجهة نظر منفردة. ولهذا، يرجع بنا فرمان إلى صيغة السارد، إما بصوت المتكلم)،كما يظهر صوت ثابت وهو يسرد ماضي أصدقاءه، أو بصوت السارد الغائب) الذي يطلعنا على تحركات الشخصيات في حاضر الرواية. ويبدو لي أن هذا النوع من التوليف، أو ما قد نسميه الإلتفات التدريجي، قد نجح في المرتجى والمؤجل، لأن المعلومات المنقولة عبر السارد بصوت المتكلم قد لا تكون أهلاً لثقة القاريء، فقد تكذب الشخصية أوتشتت الحقيقة أو تحرض دوافع معينة، إلخ. في حين أن السارد المغيب شخصا لا يملك أية دوافع، وهو العين التي تعرف الحكاية من كل الزوايا. ولذا فهو يملك سلطة سردية مشروعة تؤهل ما يسرده على القاريء لأن يعامل كحقيقة بتردد أقل.
نعود إلى شروط النوستالجيا. الشرط الثالث هو الطبيعة الإيجابية للنوستالجيا. يمتلك كل من يحيى وثابت أملاً في الحياة، وإن اختلفت تجلياته وأساء الأثنان استيعاب منطلق أحدهما الأخر. وذلك لأن النوستالجيا، على حد قول بروست، تعطي المخيلة فكرة الوجود التي تفتقرها عادة. والرجوع عن طريق النوستالجيا هو رجوع إلى شيء دائمي ومستقل وقادر على المثول دوننا، في حين لسنا نحن قادرين على المثول دونه. فعلى سبيل المثال، في نقاش بين الاثنين، يبدأ هنا يحيى (المرتجى، ص42):
_جئت إلى هنا خالي القلب إلا من الأشواق إلى حياة تستحق إن تعاش. _وعشتها؟ _نعم عشتها إذا كنت تقصد حياتي مع نادية، ولست نادماً عليها. سأظل احتفظ بحياتي القصيرة مع نادية في منطقة عزيزة من ذاكرتي. وماذا للناس غير ذكرياتهم يسترجعونها في حالة الحلم أو الحنين. ولئن كان يحيى قد تنحى من حاضره وترك العنان للذكريات تصنع به ما شاءت بمساعدة الكحول والحياة البرمة، فإن ثابت، كاسمه، ثابت الحضور في الحياة (المرتجى، ص59)، مخلص لهذه اللحظة كما هو دائم الإخلاص لماضيه، ومفعم بالأمل لاستمرارية الحياة.

http://www.baghdad-newspaper.com/ar/05/m11/29/cul.html