الرئيسية » مقالات » هل يمكن أن يبقى الشعب العراقي رهينة الإرهاب الدموي المتطرف؟

هل يمكن أن يبقى الشعب العراقي رهينة الإرهاب الدموي المتطرف؟

منذ أربعة أعوام والغالبية العظمى من الشعب العراقي أصبحت رهينة فعلية في أيدي جمهرة من الإرهابيين القتلة والمجانين المهووسين بقتل الأبرياء من الناس , وهم يرفعون شعارات بائسة , ولكنها تجسد الكراهية والحقد الدفين ضد الإنسان وتعبر عن البؤس الفكري والانحطاط الأخلاقي لهؤلاء القتلة ابتداءً من شيخهم المجرم الأكبر أسامة بن لادن وأيمن الظاهري ومروراً بالشيخ عمر محمد وأبي أيوب المصري ومن يساندهم من شيوخ السلفية المتطرفة والعدوانية في السعودية وباكستان وفي الدول العربية والإسلامية الأخرى.
لقد حول هؤلاء العراق إلى مجزرة للبشر , هم يجدون التأييد والدعم والحماية من هيئة علماء المسلمين السنة وعلى رأسهم الشيخ المهووس بالطائفية المرضية حارث الضاري , وبعض القوى الإسلامية السياسية الأخرى , إضافة إلى تأييد ودعم ومساعدة تأتيهم من وراء الحدود ومن دول الجوار العربي والفارسي. ففي منتصف الشهر الماضي استشهد على أيدي هؤلاء القتلة الأوباش أكثر من 200 إنسان في كركوك , وقبلها في بغداد وفي الحلة وفي مناطق أخرى , ثم قتلوا 24 إنساناً من أتباع الديانة الإيزيدية منذ ما يزيد عن شهرين , ثم قتلوا أمس ما يزيد عن 250 إنساناً إيزيدياً وما يقرب من هذا العدد من الجرحى والمعوقين الذين يمكن أن يستشهد بعضهم الآخر بسبب شدة الإصابات التي أصيبوا بها من جراء تفجير أربع شاحنات كبيرة محملة بالمتفجرات في أماكن مليئة بالناس.
لقد فقد العراق خلال الأعوام الأربعة المنصرمة ما يقرب من نصف مليون إنسان وخسر عشرات المليارات من الدولارات الأمريكية وتعطلت عملية التنمية وإعادة إعمار ما خربته الحروب السابقة وتفاقم عدد العاطلين عن العمل ونما بشكل صارخ عدد الفقراء والمعوزين الذين يرزحون تحت خط الفقر في العراق إلى أكثر من 35 % من إجمالي السكان ونسبة مقاربة منها تتحرك على خط الفقر المعرف دولياً , إضافة إلى حدود 20 % من السكان ترتفع قليلاً فوق خطر الفقر , في حين أن أقل من 1 % من السكان ينعمون بالمال والجاه والنفوذ. كما أن مجموعة صغيرة من الناس هي التي تمارس النهب والسلب لأموال الشعب وخزينة الدولة. وتعاني الغالبية العظمى من السكان من نقص الخدمات العامة والضرورية كالكهرباء والماء الصافي والهاتف والبريد والنقل المنتظم والعناية الصحية. وعلينا أن نتذكر بأن مصيبة الشعب كانت كبيرة حين أجبر ما يقرب من ثلاثة ملايين إنسان على مغادرة العراق لأسباب الحروب والسياسات الإرهابية للنظام وحزبه وأجهزته وموت ما يقرب من مليون إنسان أثناء حكم الدكتاتور صدام حسين. والآن ارتفع عدد المهاجرين بسبب الإرهاب ليصل إلى أكثر من 5 ملايين إنسان عراقي من مختلف القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية ومن خيرة مثقفي العراق , ولا يعرف الإنسان من أين يأتيه الموت ومن يمارس الموت ضده.
لقد تخلص العراق من صدام حسين , الدكتاتور الأهوج والمتعطش للدماء والعنصري الشرس والطائفي المقيت , ولكن المجتمع العراقي ابتلى اليوم بأكثر من حزب إسلامي سياسي ومستبد وطائفي , وأكثر من مليشيا تمارس القتل وأكثر من منظمة إرهابية تمارس النهب والسلب من أموال ونفط العراق , وأكثر من دولة جارة تصدر الإرهاب والسلاح والأموال والانتحاريين الجبناء للعراق لتتواصل حلقة القتل المفرغة ودوامة العنف والخراب والحرمان.
لقد كان محافظ الموصل وأجهزة المحافظة والأجهزة الأمنية والعسكرية وكذلك القوات الأمريكية تدرك تماماً وتعرف طبيعة الجريمة التي ارتكبت قبل ثلاثة شهور في الشيخان حين استشهد 24 مواطناً من أتباع الديانة الإيزيدية على أيدي المتطرفين التكفيريين القتلة , وتعرف التهديدات التي نشرتها هذه القوى في بيانات أو في مواقع إلكترونية أكدت فيها سعيها إلى تصفية أتباع هذه الديانة في العراق عبر القتل المتواصل. فكان عليها أن تقوم بواجباتها التي تمليها عليها القوانين المعمول بها في العراق والدستور العراقي الجديد في حماية هؤلاء الناس من القتل على أيدي هؤلاء المجرمين القتلة. كما أن هذه الأجهزة الحكومية في الموصل تدرك أيضاً قرب هذه المناطق من الحدود السورية وطبيعة التحرك العدواني للقوى الطائفية في الموصل وعلاقتها القوية بأجهزة الأمن السياسي السوري وبالقوى العراقية المناهضة للوضع القائم في العراق والمقيمة في سوريا وحجم الجرائم التي ترتكب تحت واجهة تكفير الإيزيدية في الموصل. ولكنها لم تتخذ أي إجراء ضروري في هذا الصدد , كما لم تعتقل قتلة الإيزيديين السابقين , وبالتالي فهي مسئولة أيضاً عن دماء هؤلاء الأبرياء.
ولهذا فأن المطلوب من الحكومة العراقية ومن حكومة إقليم كُردستان الضغط باتجاه تشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومتخصصة يشارك فيها بعض الإيزيديين المتخصصين والممثلين لهم للتحقيق بالأحداث الأخيرة التي وقعت في الشيخان وسنجار لتضع يديها على القوى التي مارست تلك العمليات والقوى التي ساهمت بحمايتها وسهلت لها إنجاز مهمتها القذرة بقتل الناس الأبرياء ومحاسبة ومعاقبة المقصرين أو المتهاونين أو المتعاونين مع قوى الظلام والغدر الجبانة ونشر التحقيق على الملأ ليعرف من هم هؤلاء القتلة ومن هم مساعدوهم في العراق أو خارجه.
وفي الوقت الذي يقوم هؤلاء المجرمون بقتل الإنسان العراقي في كل مكان من أرض العراق , يتصارع السياسيون في ما بينهم لا بسبب مستقبل العراق ومصالح الشعب الأساسية , بل بسبب الذهنية الطائفية التي تهيمن على قوى الإسلام السياسي التي يطلق عليها بالمعتدلة وهي ليست بمعتدلة وإلا لما كانت طائفية , بل طائفية وتسعى إلى السيطرة على السلطة لتأمين مصالح طائفية باسم طائفتها , ولكنها ليست سوى التعبير الصارخ عن مصالح النخبة الحاكمة من تلك الطائفة لا غير , وبعيداً عن رؤية المصالح الوطنية العليا واحترام روح المواطنة والدفاع عن مستقبل الإنسان في العراق والتخلي عن التمييز بين الناس على أساس الدين والمذهب أو الفكر أو القومية أو الجنس.
لقد ساهمت قوى الإرهاب التكفيرية من جهة , والقوى الطائفية السياسية الشيعية منها والسنية من جهة أخرى , وأيتام الدكتاتور صدام حسين المتوحشين من جهة ثالثة , بقتل وتشريد وتهجير عدد كبير من الصابئة المندائيين من النساء والرجال والأطفال والشيوخ من جنوب العراق وبغداد , وعدد كبير من نساء ورجال وأطفال الكلدان والآشوريين من مدن الجنوب ونينوى وبغداد , ثم وسعت هذه القوى الإرهابية عملياتها العدوانية ضد بنات وأبناء الشعب الكردي من أتباع الديانة الإيزيدية القاطنين في الأقضية والنواحي والقرى التابعة إدارياً لمحافظة الموصل, كما جرى في الشيخان وأخيراً في سنجار.
إن كل يوم يشهد استمرار الخلافات والصراعات بين أطراف العملية السياسية العراقية يكلف الشعب العراقي المزيد من القتلى والجرحى والمعوقين والمشوهين , إضافة إلى المزيد من الخسائر المالية والتخلف. ولهذا يفترض أن نشير بوضوح لا لبس فيه أن هؤلاء القتلى , رغم أنهم يستشهدون على أيدي قوى إجرامية خبيثة , إلا أنهم في مسئولية الحكومة العراقية والقوات الأجنبية التي كانت وستبقى من مسئوليتهما المشتركة أمر حماية أمن المواطنة والمواطن في العراق وحماية حياتهما من الموت.
إن علينا أن نرفع صوت الاحتجاج والإدانة ضد القتلة المجرمين أولاً , ولكن نرفع صوت الاحتجاج أيضاً ضد القوى السياسية التي لا تريد الوصول إلى قواسم مشتركة في ما بينها حول الأهداف التي يفترض تحقيقها وترفض المساومة والتنازل للمصلحة الوطنية المشتركة وضد الإرهاب ومن أجل عراق ديمقراطي مستقل.
أن علينا أن نطالب العالم كله برفع صوت الاحتجاج والإدانة مع الشعب العراقي والمطالبة بوقف التدخل الأجنبي في شئون العراق الداخلية ودفع القوى السياسية العراقية للاتفاق على قواسم مشتركة في ما بينها لمعالجة الوضع المتدهور سياسياً وأمنياً في العراق.
إن على العالم كله أن يطالب بتشكيل حكومة جديدة غير طائفية تعي حاجات ومطالب ومصالح الشعب وليس طائفة أو جهة بعينها , حكومة تأخذ بنظر الاعتبار أولاً وقبل كل شيء خدمة مصالح الجميع دون استثناء وحل جميع المعضلات المعلقة بالطرق التفاوضية السلمية وبعيداً عن القوة والعنف , حكومة تعي مسئوليتها إزاء الشعب وترفض الانسياق وراء الميول والاتجاهات القومية أو الطائفية الضيقة , وتعمل على مكافحة القوى التكفيرية والصدامية التي تشارك في قتل الناس وحل المليشيات الطائفية وسحب سلاحها ومنعها من العمل في القوات المسلحة العراقية بكل أصنافها ومجالات عملها , حكومة تحل مشكلات الناس وتوفر الخدمات والعمل وما هو ضروري في هذه المرحلة الحرجة من حياة الشعب العراقي , وتوقف بشكل خاص حمامات الدم التي تتسبب بها تلك القوى المتوحشة المحلية منها والعربية والأجنبية.
كلمة عزاء أوجهها إلى أهلنا في العراق , إلى أنفسنا , إلى عائلات ضحايا الإيزيديين الكُرد في التفجيرات الأخيرة في سنجار, وإلى جميع أتباع الديانة الإيزيدية في الداخل والخارج , ثم التمنيات بالشفاء العاجل للجرحى والمعوقين منهم.
وكلمة تضامن حارة وأكيدة أعلنها مع عائلات الضحايا ومع شعبنا في العراق الذي يواجه القتلة والمجرمين يومياً وفي كل ساعة وفي الكثير من المواقع العراقية , وأمل في أن تنتهي أزمة العراق الراهنة بأسرع وقت ممكن , غذ أن ليل الوحوش سينتهي ستشرق الشمس ثانية في سماء العراق وتبعث الدفء والحنان والود في صفوف العراقيات والعراقيين من جميع القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية و السياسية الوطنية.
إن الشعب مطالب في التعاون مع جميع القوى السياسية ومع الحكومة العراقية والقوات العراقية لمواجهة الإرهابيين والكشف عن أوكارهم ومخابئهم وأسلحتهم وسياراتهم المفخخة لاعتقالهم ومنعهم من قتل المزيد من الناس وتقديمهم إلى محاكمة عادلة ونزيهة ليتلقوا الجزاء العادل على ما اقترفته أيديهم من جرائم بحق العراق وشعبه.
15/8/2007