الرئيسية » مقالات » متابعات لما صدر حول قانون النفط الجديد-ثانيا

متابعات لما صدر حول قانون النفط الجديد-ثانيا

ضرورات من أجل إنشاء شركة نفط وطنية تستطيع مواجهة التحديات
 
صدرت عدة مقالات ورسائل مفتوحة وأخرى مغلقة تعالج موضوع عقود المشركة بالإنتاج خلال الفترة السابقة جميعها على درجة عالية من الأهمية. في هذه المتابعات سأحاول التعرض لهذه المقالات والمراسلات التي تتعلق بالموضوع في حلقات قصيرة لغرض التعليق عليها من ناحية وأرشفة هذه المداخلات لأهميتها.
إن أي حديث يجافي المنطق العلمي السليم في معالجة موضوع ذو شأن كبير كهذا الأمر الذي يتعلق بمستقبل الصناعة النفطية في بلد يطفوا على بحار من النفط ومازال تحت الاحتلال بحكومة هشة وتخضع لضغوط داخلية ودولية لا قبل لها بها على الإطلاق، يعد مسؤولية كبيرة يتحملها صاحب، لذا أعتقد أن المسؤولية الأخلاقية تملي على من يتحدث عن مسودة قانون النفط أن يكون دقيقا فيما يذهب إليه من آراء خصوصا وإن الثقافة النفطية بقيت بعيدة عن الإنسان العراقي منذ أن اكتشف النفط في العراق ولحد الآن، وهذه كانت رغبة مشتركة للشركات الاحتكارية أو الحكومات العراقية المتعاقبة منذ تأسيس الدولة العراقية ولحد الآن، وكمحاولة منا لسد هذا النقص هو أنني سوف لن أكتفي برأي أتبناه ولكن بنقد الرأي الآخر نقدا موضوعيا.
بودي الحديث مرة أخرى حول الحقائق الناقصة للمتلقي العادي حول حصة شركة النفط الوطنية في مسودة القانون الجديد، حيث مازال مروجي عقود المشاركة بالإنتاج يرددوها باستمرار في جميع مداخلاتهم التي تشكك بقدرة شركة النفط الوطنية على تولي مهمة التطوير في العراق، لكنها لم تستطع تقديم الدليل المقنع على صحة ادعاءاتها، كما إنها تردد أرقام يراد منها تضليل القارئ، منها أن الشركة أخذت حصة من النفط أكبر من حجمها وإمكانياتها!
في الحقيقة إن شركة النفط الوطنية لم يعاد تأسيسها مرة ثانية لحد الآن، فهي في حكم الغير موجودة حاليا، ولكن نواتاة الشركة هي تلك الشركات التي كانت في الأصل تشكل هذه الشركة وهي نفط الجنوب والشمال والوسط، وربما نحن بحاجة إلى عدة شركات أخرى لتغطية المساحات الواسعة من العراق مثل شركة نفط كوردستان ونفط الفرات الأوسط ونفط الصحراء الغربية ونفط أعالي الفرات وما إلى ذلك من مناطق شاسعة مليئة بالنفط والغاز، وكان من الأجدر أن تنصب الجهود على إعادة التأسيس لهذه الشركة على أسس صحيحة وبهيكلة صحيحة أيضا قبل الحديث عن إمكانيات الشركة للقيام بعمليات لتطوير المطلوبة منها، وهل هي مؤهلة للقيام بها أم لا؟
كانت قد توقفت أعمال الشركة تقريبا بالكامل منذ أن بدأت الحرب العراقية الإيرانية عام1980، ما عدا عمليات الإنتاج والإدامة الضرورية والإصلاح لما سببته الحرب التي تلتها حروب عدة داخلية وخارجية كانت إحداها قد شارك فيها أكثر من ثلاثين دولة بقيادة الولايات المتحدة، وهي حرب تحرير الكويت، عاصفة الصحراء، ثم تلتها13 سنة حصار شامل، ومن ثم الأضرار البالغة التي سببتها عمليات اجتياح العراق، ولم تنتهي معانات الشركة بعد ذلك، حيث بقيت هي ومنشآتها المستهدف الأول من قبل العصابات المسلحة لغرض تعطيل الإنتاج إذا لم يكن الهدف توقف الإنتاج بالكامل.
أن مثل هذه الأحداث الجسام التي مر بها العراق تعتبر سبب كافيا جدا لشل جميع أنشطة الشركة بما فيها الإنتاج، ولكن رغم ذلك، فقد استمر الإنتاج دون توقف حتى الساعة، وهذا يعني بالنسبة لي كمختص في هذا المجال أن الشركة كانت تصنع معجزة كل يوم عبر العقود الثلاثة الماضية، وقد أثبتت القوى العاملة فيها أنها أقوى من التحديات التي واجهتها، وإن بمقدورها عمل المزيد وتطوير عدد أكبر من الكوادر النفطية لمواجهة التحديات الجديدة، أما لو استقر الوضع الأمني في العراق بالفعل، وتم تشكيل الشركة بهيكلة جديدة على أسس علمية وتم توفير مستلزمات العمل لها، فإني لا أشك أنها سوف تصنع المعجزات.
لذا أجد أن الحكم المسبق بالفشل على شركة لم تبدأ بعد، أمر فيه الكثير من التعسف بحق الشركات والكوادر والخبرات العراقية، هذه الكوادر التي استمرت تعمل في أقسى الظروف المعاشية والأمنية، وفي كثير من الأحيان بدون راتب شهري أيام النظام السابق، وهذا ما لم يحصل لأي شركة أخرى في العالم. هذه الأمور وغيرها، سنعالجها في مكان آخر من هذه المقالة وسلسلة المقالات بنفس العنوان.
عموما لا نريد الدخول في سجالات أو توجيه اتهامات لأي جهة، لكن ما نطلبه هو العدل بأن تأخذ هذه الشركة كامل استحقاقاتها وأن تمنح الوقت الكافي قبل الحكم عليها مسبقا بأحكام جائرة بحجة أن العراق لم يستطع الوصول إلى الإنتاج المطلوب خلال العقود الماضية متجاوزين على العديد من الحقائق الكبرى التي تتعلق بهذا الأمر.
كما وإن الاستمرار بتجاهل كل ما يترتب على هذا الأمر من مستحقات يعني أن الهدف منه هو إقامة الدليل على أن الشركة عاجزة عن القيام بالدور المطلوب منها لتبرير منح عقود المشاركة بالإنتاج سيئة الصيت والتي تتعارض مع النص الدستوري الذي يضمن ملكية النفط للشعب العراقي.
لابد لنا أيضا الحديث عن الحقائق الناقصة للمتلقي العادي حول حصة شركة النفط الوطنية من الاحتياطي الذي تقع تحت مسؤوليتها، حيث أن العبارة التي يسوقها أصحاب هذا الرأي هي أن الشركة منحت أكثر من80% من الاحتياطي المؤكد في العراق! ولكن يتم دائما تجاهل حقيقة أن الاحتياطي يصنف إلى ثلاثة أنواع وهي الاحتياطي المؤكد والممكن والمحتمل، الاحتياطي “”المؤكد”” Category-A معروف وتم ذكره دائما، وهو بحدود115 مليار برميل، حيث بالفعل أن الشركة تستحوذ حسب مسودة القانون الجديد على نسبة تزيد على80% من الاحتياطي، لكن الدراسات المتوفرة تشير إلى أن الاحتياطي “”الممكن””Category-B، وهو النوع الثاني من الاحتياطي، يقدر بحدود220 مليار برميل، وهي تلك الحقول المكتشفة ولكن لم يتم الحفر الاستكشافي فيها، وهي مناطق واعدة وقد تم حساب الاحتياطي فيها على أسس متشائمة جدا، أي أن الرقم في أسوأ الأحوال هو220 مليار برميل، وهناك مناطق لم يجري بها أي نوع من المسح الجيوفيزيائي نسبة النجاح فيها لا تقل كثيرا عن مثيلاتها من الأراضي الأخرى في العراق، وهي المناطق التي تحتوي على الاحتياطي “”المحتمل”” Category-C، أي المرتبة الثالثة من أنواع الاحتياطي، وهي تلك المناطق المتاخمة للحدود مع المملكة العربية السعودية على طول550 كيلومتر وعمق120 كيلومتر، ولا نريد أعطاء أي رقم حول هذه المناطق، لكن بالتأكيد إن النفط والغاز موجود فيها وبكميات تجارية واعدة، خصوصا الغاز الذي يعتقد أنه الاحتياطي الأكبر في العالم. وقد عالجنا هذا الموضوع في مقالة سابقة كما وأشرنا له أيضا في عدة مقالات أخرى. وهذا يعني أن مسودة القانون الجديد لم تمنح الشركة إلا قدرا ضئيلا من الاحتياطي العراقي، لا يزيد على20% في أحسن تقدير وليس كما يقال من أنه82%، رغم أن الشركة هي صاحبة الحق الشرعي بكل الاحتياطي بنوعيه المؤكد والممكن.
شركة النفط الوطنية يوم تأسيها الأول كانت قد ورثت ما لا يزيد على خمسة عشر حقلا مكتشفة من قبل شركة نفط العراق فقط، ولكن بعد جهود الاستكشاف الجبارة التي قامت بها الشركة بجهودها المباشرة أو من خلال عقود الخدمة أو بروتوكلات التعاون الاقتصادي والفني مع الدول الاشتراكية آن ذاك، تمكنت من مسح حوالي أكثر من ثلثي مساحة العراق وتمكنت من اكتشاف ما يزيد على500 تركيب جيولوجي يمكن أن يحتوي على النفط، أو الغاز، أو الإثنين معا، في مكامن واعدة مختلفة من الطبقات الأرضية، وقد حفرت مئات الآبار الاستكشافية في مئة تركيب منها، وقد أثبتت وجود النفط في هذه التراكيب بواقع73% ، كما وأثبتت وجود الغاز في جميعها تقريبا.
من هنا نستطيع القول أن الشركة تمتلك هذه الحقول بشكل شرعي ومن حقها الحفاظ عليها وإن أي حكم بحلها من قبل النظام السابق يعتبر باطلا وله أهداف سياسية، لذا يجب أن يعود الحق لصاحبه وأن يعاد تأسيسها وأن يرفع الحيف عنها بشكل كامل.
بهذا المناسبة أود أن أبين بعض الحقائق عما يعانيه العاملين بالنفط، حيث إن العاملين في هذا القطاع في دول الجوار والعالم أجمع يتقاضون رواتب مجزية جدا، ويعيشون في ظروف تعتبر مرفهة جدا مقارنة بالعاملين العراقيين، فقد أطلعت على مستوى الرواتب في المؤسسات النفطية العراقية التي يراد لها أن تقوم بأعمال كبيرة وتواجه تحديات كبرى، فهي متدنية بشكل مريع، وإن جميع العاملين بهذه المؤسسات تستقطبهم الشركات الأهلية أو الشركات العالمية لأنها تقدم رواتب مجزية جدا مقارنة برواتب الشركة الوطنية.
لذا من الأجدى رفع مستوى الرواتب لتكون تنافسية مع دول الجوار لاستقطاب خبرات أكثر، وذلك بدلا من الحديث عن تدني مستوى العاملين في النفط، لأن التنافس الحر في سوق العمل لا يسمح اليوم باستقطاب الكوادر العراقية التي تعد بمئات الآلاف، بل الملايين، بسبب تدني الرواتب في هذه الشركات بشكل مريع، حيث أن المهندس أو الإداري على سبيل المثال الذي يعمل في شركات النفط في دول الجوار يتقاضى عشرة أمثال أو يزيد عما يتقاضاه أمثالهم العراقيين من العاملين في شركات النفط العراقية.
خلاصة القول إن الفشل بالحصول على الكادر الذي يعتد به، يعني خلق الذرائع الكافية لمنح عقود المشاركة بالإنتاج، أي التفريط بملكية العراقي للنفط التي أقرها الدستور، ومن البديهي أن نعتبر التغافل عن هذه الحقائق أمر يراد به إفشال الشركة الوطنية وتقديم الدليل على أنها عاجزة عن القيام بالأعمال المناطة بها.
إن ما تقدم يعني أيضا من الضروري إعادة الهيكلة لوزارة النفط ووضع هيكلة صحيحة لشركة النفط الوطنية التي سوف يعاد تشكيلها، والتي من المؤمل أن تكون من عدة شركات مستقلة ماليا وترتبط بكيان واحد، وأن توضع فيها كيانات لإعادة تأهيل القوى العاملة وأخرى لتأهيل قوى عاملة شابة جديدة، ووضع سلم للرواتب تنافسي مع الرواتب العالمية في هذا المجال، كل هذا من خلال سياسة ثابتة تعني فقط بالحفاظ على الكوادر الوطنية.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، يجب ترشيق الشركة والشركات التابعة لها من خلال إخراج جميع الخدمات الهندسية والعامة من كياناتها والإبقاء على الكيانات التي تعني بإدارة الحقول والتطوير البترولي وليس القيام بها، والإبقاء على إدارة المشاريع والعقود، المقصود عقود الخدمة، والإبقاء على كيانات إدارة الأفراد وبعض الإدارات التي تعني بتقديم أنواع الخدمات غير التخصصية في الشركة، كل هذه الكيانات تقوم فقط بإدارة هذه الخدمات، لكن الخدمات ذاتها فإنها تقدم من قبل قطاع وطني خاص يجب أن تعمل الوزارة على قيامه في الحال، لأن أي تأخير بقيامه يعني أن الشركات المنتجة سوف تتعرض لخسائر كبيرة جدا لعدم وجود القطاع الوطني الخاص وعدم وجود التنافس الحر في سوق الخدمات النفطية.
من الضرورات الموضوعية أيضا تأسيس شركات تخصصية لتقديم الخدمات للصناعة النفطية يقوم من حيث الأساس على الاستعانة بالشركات الخدمية العالمية، مع الاستفادة من الشركات في المحيط الإقليمي التي قطعت شوطا طويلا وتمتلك خبرة واسعة في مجال عملها، أو مع الشركات العالمية، لذا من الضروري أيضا تنظيم هذه المسألة في قانون النفط الجديد. للمزيد من المعلومات عن هذا الموضوع ينبغي الرجوع إلى دراستنا حول القطاع الخاص والخصخصة في الصناعة النفطية، الرابط لها في ذيل المقال.
ربما يعتقد البعض إن هذا النموذج يكون مكلفا وعبئا على الميزانية التشغيلية للشركات المنتجة، لكن الواقع يثبت عكس ذلك تماما، حيث إن كلفة الإنتاج وفق هذا النموذج الاقتصادي التنظيمي بسيطة جدا، ففي مسح لكلف الإنتاج في دول الجوار، وفي الشركات التي تعمل في ظروف مشابهة لعمل الشركات العراقية، وجدت إن الميزانيات التشغيلية لهذه الشركات تتراوح ما بين سبعين سنتا إلى دولار ونصف للبرميل الواحد فقط، حيث أن هذه الشركات تقوم بالعمليات البرية فقط وليس لديها عمليات بحرية ذات الكلف العالية جدا، ففي شركة “ادكو” التي عملت فيها طويلا في دولة الإمارات العربية المتحدة كانت الميزانية التشغيلية قبل زيادة رواتب العاملين فيها الأخيرة بحدود ثمانية وستون سنتا للبرميل الواحد، ولا أعتقد أنها ستزيد على ثمانين سنتا للبرميل الواحد بعد الزيادة المعتبرة في الرواتب، أكثر من30%.