الرئيسية » التاريخ » ديمومة (البارتي) واسطورة القرن العشرين

ديمومة (البارتي) واسطورة القرن العشرين

رغم ان الظروف لم تكن مواتية على جميع الاصعدة الا ان الحزب الديمقراطي الكوردستاني تمكن من ان يصبح في وقت قصير نسبياً حزباً جماهيرياً استقطب حوله الاكثرية الساحقة من فئات الشعب الكوردستاني ليستحق بجدارة لقب الحزب (الطليعي) ويؤكد وجوده كممثل له كما اراد مؤسسه البارزاني مصطفى، وربما يسأل اكثر من سائل ماهو سر نجاح هذا الحزب وديمومته الذي استطاع ان يفرض نفسه على الساحة النضالية في كوردستان والمنطقة؟
والجواب هو ان مؤسسي الحزب كانوا فئة مؤمنة بالمبادئ القومية النبيلة وانبثق لرفع الحيف والغبن الذي لحق بالشعب الكوردي على امتداد تأريخه العريق، هذه الفئة بذلوا كل مافي امكانياتهم وطاقاتهم من اجل انجاز المهمات القومية التي جعلوها نصب أعينهم للوصول الى تلك الغايات المنشودة مهما كانت التضحيات، فئة كانت تتمتع بسمعة طيبة بين الناس واكتسبت ثقة ابناء شعبها، لانها لم تبغ في عملها الحزبي منافع شخصية او مناصب واضعين نصب اعينهم سجون التعذيب واعواد المشانق من اجل تحقيق المطاليب المشروعة لشعب كوردستان والتضحية والفداء في سبيل الكوردايتي، فاستطاعوا بفترة قياسية ايصال الوعي القومي الى عموم ارجاء كوردستان، فنجحوا في بث الدعوة القومية وتنوير الجماهير الشعبية باهداف ومبادئ الحركة التحررية الكوردية، فكانت بحق فئة امنت برسالة قوميتها العادلة، ووفقت في نشرها خير توفيق، هذا الى جانب قوة شخصية رئيس الحزب المناضل والقائد الحكيم البارزاني مصطفى الذي أعجب بقيادته الاعداء قبل الاصدقاء لذا نال شهرة واسعة عبر قيادته لثورة بارزان الثانية (1943-1945)، واسناده مع رفاقه البيشمركه المخلصين لجمهورية كوردستان الديمقراطية في مهاباد، حيث كانوا هم القوة الضاربة الوحيدة التي استندت عليها تلك الجمهورية الفتية والتي أغتيلت من قبل النظام الشاهنشاهي ومؤامرات المصالح الدولية.. ومن مآثره ايضاً التي توجت بطولاته خلال تلك الفترة العصيبة كانت مسيرته مع رفاقه باتجاه الاتحاد السوفيتي الذي حاز على أعجاب الساسة والعسكريين انذاك حيث كان ورفاقه مطوقين بين حدود ثلاث دول معادية للكورد كل منها كانت تواقة للقضاء على البارزاني ورفاقه الابطال، لاسيما ان ايران بدأت بشن هجمات عليهم في مسيرتهم واعترضت طريقهم بقوات ضخمة مدججة بالاسلحة لكنه ورفاقه الحقوا بالقوات الشاهنشاهية المعتدية هزائم فادحة لا سيما في معركة منطقة (ماكو) والتي كانت اخر المعارك، والتي منيت بهزيمة مروعة وسجل البارزانيون، كما كان دأبهم دوماً، اروع انتصار ثم تمكنوا من عبور نهر (ئاراس) في يومي 18 و19 حزيران من عام 1947 ودخلوا اراضي الاتحاد السوفيتي، يومها نقلت وكالات الانباء والاذاعات العالمية تفاصيل هذه المأثرة البطولية اولاً باول والى الحد الذي اطلقوا فيه لقب (الاسطورة) على البارزاني مصطفى والذي كان بحق اسطورة القرن العشرين ورجلاً من رجالات احداثها السياسية البارزين، ولهذا فقد كان يضفي كل معاني النضال والاصالة والدقة على العمل في الحزب الذي كان يترأسه، فكان جديراً بالديمقراطي الكوردستاني ان يصبح حزباً جماهيرياً يقود نضال الشعب الكوردستاني في مسيرته التحررية ونضاله بالاساليب السياسية او العسكرية ان احتاج الامر، الحزب الذي لم يعرف في حياته معنى الارهاب ولم يلجأ يوماً الى العنف او نقل رحى الحرب الى الداخل لكونه اعتبر نفسه جزءاً من الحركة الوطنية القومية، واضعاً نصب عينيه شعار الاخوة العربية الكوردية رافضاً تحويل الصراع الى عربي كوردي حيث حمل شعار (الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان) وهذا دليل اخر عن مدى قناعة البارتي بالحل السلمي واتخاذ مبدأ الحوار والسلام طريقاً لحل جميع المشكلات والمعضلات، لذا لاعجب ولاغرابة في احراز البارتي لهذا النجاح مع كل تلك المصاعب والمشكلات المعقدة والمؤامرات التي كانت تحاك حوله، هكذا استمر البارتي في نضاله غير مكترث بالعقبات ولايهاب اجهزة القمع وملاحقة الحكومات العراقية المتعاقبة في السلطة التي كانت تلاحق اعضاءه وكوادره بمن فيهم بعض اعضاء القيادة لانه كان يمتلك القوة المعنوية والروحية والفكرية النضالية على مواصلة مسيرته بدون هوادة والى حد اصبح احد الاحزاب الرئيسة في العراق والذي تسمع كلمته من قبل الاحزاب والشخصيات السياسية العراقية الاخرى المناضلة، ويوم أنحرف عبدالكريم قاسم عن المسار الوطني لثورة 14 تموز 1958 وخرق الحريات وحقوق الانسان في كوردستان وتراجع عن الوعود الوطنية التي قطعها للكورد وهاجمهم بجيشه وقواته المساندة عموم مناطق كوردستان يوم 11/9/1961، أنبرى له هذا الحزب، دفاعاً عن أبناء شعبه، بثورة ايلول العظيمة سنة 1961 بقيادة الجنرال مصطفى البارزاني وبشعاره الوطني (الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان) والتي سجلت خلال الفترة 1961-1970 بطولات وانتصارات هزت معنويات الجيش وكيانه ما أجبر النظام البعثي ان يعترف بالحقوق المشروعة لشعب كوردستان في أتفاقية آذار 1970 وكان ذلك اول اعتراف رسمي دستوري عراقي بالحقوق الوطنية للكورد.. ويوم أنتكست الثورة بمؤامرة الجزائر الخيانية في آذار 1975، وبعد سنة من ذلك التأريخ أندلعت ثورة كولان التقدمية في 26/5/1976 بقيادة البارزاني مصطفى وواصلت المسيرة الثورية لحين أندلاع انتفاضة شعب كوردستان سنة 1991 وأجبار القوات المعتدية على الانسحاب من كوردستان وأنتخاب برلمان كوردستان وتأسيس حكومة الاقليم وتقدم مسيرة الاعمار والتنمية في الاقليم حتى اليوم.. واليوم فأن الحزب يعتبر مدرسة نضالية يعد الاجيال كي يدافعوا عن المصالح الستراتيجية ويعبروا عن ارادة حزب سياسي قومي جماهيري ويعملوا من اجل ذلك المشروع القومي الذي يحفظ كرامة الكورد في اجزاء كوردستان كافة ويناصر حقوقهم المشروعة في الحرية والسلام والتعايش مع الاخرين، ففي ظل السياسة الديمقراطية للحزب ينعم الاخوة التركمان والكلد والآشوريون بالحريات التامة ويمارسون حقوقهم ويشاركون في حكومة الاقليم وفي ادارة المؤسسات الاجتماعية والثقافية والقانونية والاقتصادية التي طالما وجه بها القائد البارزاني وهذا دليل ملموس على مدى التزام الحزب بالدفاع عن حقوق القوميات واحترام المذاهب والطوائف المختلفة ومحاضر وجلسات المفاوضات مع مختلف الانظمة العراقية المتعاقبة تؤكد هذه الحقيقة الدامغة التي لاتقبل أي تأويل..
فطوبى لكل من أسهم في وضع اسس هذا الحزب، واطلق رصاصة، قذيفة وكتب كلمة حرة شريفة دفع بها الاذى عن الشعب والوطن، ولكل ايادي البناة التي عمرت ما هدمته يد الطغيان، طوبى لشهداء كوردستان الذين قدموا التضحيات وجعلوا دماءهم مهوراً ليرسموا فجر هذا الوطن، ولكل المناضلين الذين ساروا على درب البارزاني الراحل وسجلوا صفحات مشرقة في تأريخ شعبنا النضالي.
وطوبى للبارزاني الراحل فلولا فضل ارادته التي لاتلين وفكره النير واحساسه العميق وثراء تجربته لما ضم سفر التأريخ الكوردي تلك الصفحة الجديدة التي تهيأ ان يكتبها في لحظة جميلة، هذه الصفحة النيرة تقرأ اليوم تأريخ كوردستان كله، تتعانق فيها الكلمات والارادات والعواطف وتسمع نداءات التأريخ كله للحياة والأمل.

* رئيس تحرير مجلة الصوت الآخر
Majid_noralddin@yahoo.com

عن التآخي