الرئيسية » مقالات » من الحزام إلى الحزام ..!.

من الحزام إلى الحزام ..!.

مذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وضمن حالة التوازنات السياسية، الدولية منها والإقليمية، وأمام اشتداد وتيرة الفكر القوموي، الذي بدأ ينهض ويطغى، عبر وصول بعض القوى والأحزاب، التي كانت تهدف الحرية والاستقلال، إلى السلطة، تم وبالتدرج اختزال الشعوب والأوطان، من قبل هذه الجهات، في مشاريع وشعارات وممارسات، جل ما فيها، هو الرد على القمع بمزيد من القمع، والخروج إلى مساحات (الحرية) عبر سلب حرية الآخرين، حتى بات الاستقلال شكلياً، ومرتبط بالجانب الجغرافي، كون الشعوب ما برحت تعاني الاضطهاد من جراء تحكم دعاة الحرية بمصائرها، لا بل تفرض عليها المزيد من القيود وقوانين المنع، وتستند في ذلك، وبالاستفادة من التناقضات في السياسية الدولية، إلى العامل الخارجي، وبالتالي أصبحنا – كشعوب – في مواجهة أنظمة شمولية، تعتمد في إدارتها لشؤون البلاد والعباد، على أدوات القمع ووسائل الترهيب، وتستمد ديمومتها عبر صياغة دساتير، هي إما وفق مقاسات الحزب الحاكم أو الشخص الذي يحكم، كونها – الأنظمة – قد أخرجت الشارع من دائرة الفعل والحراك، ووضعته ضمن أحزمة، تسهر على ضبطه والتحكم فيه، مؤسسات أمنية قائمة على حماية النظام بالدرجة الأساس، والتي – هذه الحالة – أفرزت جملة من التراكمات (الإشكالية) أقلها شأناً، هي أن الطريق المتاح أمام الرأي المخالف أو المختلف؛ إما الخروج من ساحة الحراك، أو التفاعل مع الذات ضمن زاويا المعتقلات، هذا إذا ما استبعدنا الخيار الثالث، وهو الخروج من الحياة نهائياً..
وضمن هذه السياقات، واستناداً إلى الموروث الثقافي والنزعة الشمولية التي أخذت مساراتها في سياسات الأنظمة، والتي تشد من أزر التعصب بأشكاله وألوانه، وتفسح المجال أمام التكييف بالآخر، عبر آليات النسف والاقصاء، وكذلك طغيان النزعة الشوفينية في الدول التي فيها تمازج قومي، وأمام حالة التشتيت والتقسيم التي لحقت بالشعب الكردي، وكذلك المعاناة التي كان يعيشها، وهو يدفع ضريبة التاريخ والجغرافيا، سارت الأنظمة التي تقتسم كردستان في ركب التكيف بواقعه بما يخدم مخططاتها ومشاريعها، وهي – هذه المخططات – ليست سوى صورة من صور الإمعان في التغيير القسري للهوية الكردية، سواء في جانبه البشري أو في واقعه الجغرافي، وذلك عبر العديد من المشاريع التي استهدفت وجوده . بمعنى آخر؛ حاولت هذه الأنظمة التخلص من ( العقدة ) الكردية وفق طريقتها واستناداً إلى ثقافتها وممارساتها، والتي فيها طمس للمعالم ومحو للوجود، وذلك بدلاً من الدخول في معالجة قضيته على أسس ديمقراطية، تساهم وبناء الدولة العصرية، تلك التي تستند إلى نواظم التعددية ودساتير تعزز من أواصر الوحدة الوطنية، وذلك من خلال إحقاق الحقوق وتفسير مفهوم المواطنة بدلالات المكون المجتمعي، وما يختلجه من تباينات وفروقات في التركيبة، وقد كان مشروعي الإحصاء والحزام في سوريا، يصبان في إطار هذه الرؤية، ووضعا بهدف نسف التركيبة الديموغرافية لوجود الشعب الكردي، ومحاولة على طريق التخلص من قضيته القومية استناداً إلى النزعة الشوفينية الآنفة الذكر ..
واستناداً إلى أن الحزام كان يستهدف وما زال هوية الجغرافيا، بعد أن حاول الإحصاء الطعن في انتماء الإنسان الكردي، وأن الذهنية التي أفرزت هذه المشاريع، ما زالت هي التي تحكم وتتحكم بمستقبل البلاد والعباد، فإن مجرد الحديث عن إمكانية الدخول في معالجة مجمل القضايا الوطنية، ومنها الكردية، وفق مقاسات ديمقراطية بعيدة عن أشكال الصهر والاحتواء، والخروج بالبلد إلى حيث ننشده، هو ليست سوى عملية هروب إلى الأمام، خاصةً إذا ما أخذنا في الاعتبار، الإشكالية التي تعيشها القوى والكيانات السياسية، سواء العربية منها أو الكردية، تلك التي تدعي بوقوفها إلى جانب التغيير، أو أنها الحاملة لمشروع التغيير، وتطرح برامجها على أرضية الحل الديمقراطي لمجمل المسائل الوطنية، كون الأولى تحاول أن تترجم فهمها لمسألة التغيير عبر الصمت والسكوت حيال القضية الكردية، والتي فيها إقرار – من حيث الجوهر – بمشاريع السلطة، وهي تستند في تناولها لهذه القضية من نفس الذهنية التي تنطلق منها السلطة في مواجهتها لها، والثانية قد أدخلت نفسها في دوامة إدارة أزماتها الداخلية، حتى كادت أن تحشر ذاتها وبوضعها المتشظي والمتناثر، ضمن نطاق أحزمة معينة، لا تؤهلها امتلاك إرادة التعبير عن شارعها، كونها تفتقد إلى إرادة التغلب على ما يتم رسمها في المطابخ السلطوية من سياسات ومشاريع، وعليه؛ فإن السلطة، وإن كانت تعاني أزمات متعددة الوجوه والجوانب، بقيت هي اللاعب الوحيد في إدارة شؤون البلاد، خاصةً بعد أن أصاب الشرخ مكتسبات هبة آذار، ونخر الترهل الأداء الحزبي الكردي، وأخذت السلطة قسطاً من الراحة، بنتيجة بعض الصفقات في السياسة، والتي تحصل هنا أو هناك، أو بعض المتغيرات التي حصلت في موازين القوى، كي تتفرغ للداخل وتقوم بعمليات ترتيب وإعادة النظر في وضعه وفق رؤيتها وأجنداتها..
إن ما تقوم به السلطة من حلقة إضافية في تعميم مشروع الحزام، وبالترافق مع محاولتها الإيحاء بأنها على طريق إعادة الجنسية للبعض من الكرد المحرومين منها، هي بالتأكيد نابعة من قراءتها لمفردات الوضع السياسي العام، وكذلك لواقع القوى السياسية / الحزبية في الداخل، وخاصةً الكردية منها، كونها – السلطة – تدرك جيداً؛ أنه وبموازاة ذاك الحزام الذي فرضته هذه القوى على نفسها، لا بل العنة التي أصابتها وهي تتفنن بأساليب التحايل على مشروعها بخصوص المرجعية، بحيث نواجه بعد كل اجتماع لها، أسطورة جديدة من ممارسات الاستخفاف بالعقول، فنكون مرةً بصدد قبول هذا البند أو شطب الآخر، ومرةً تحت وطأة شمول الإطار – رقمياً – للكل الحزبي الكردي، مما يوحي لنا بأن إنجازه ينبغي أن يكون محكوماً ببعض السياسات التي تلوح في الأفق من جانب مراكز القرار والقوة، بل وحتى من جانب الأطر الوطنية التي تدعي وقوفها في خط المعارضة مع سياسات النظام، وأن هذا المشروع العصي على الإنجاز – المرجعية – لا شأن له بما يتم الترويج من أجله، على أنه يشكل الركيزة في استحقاقات القضية الكردية، وأن كل هذه اللجة تدخل ضمن سياقات نحن بغنى عن الدخول في تفاصيلها، وتفاصيل ما يدور في المطابخ السياسية بشأنها، إلا أننا وأمام هكذا حالة نستطيع القول؛ بأن هذا الشكل في الأداء هو الذي يفسح المجال أمام السلطة كي لا تدخر جهداً في تنفيذ مشاريعها حتى تتخلص من حالة الإرباك الداخلي التي تعيشها، وخاصةً المتعلقة منها بالجانب الكردي . بمعنى آخر، أن الحلقة الإضافية من الحزام التي باتت قيد التنفيذ، تتصل بشكل أو بآخر بسلسلة من الأحزمة الأخرى، ومنها الحزام السياسي الكردي الذي يشد من أزر الصمت وتمرير المشاريع السلطوية ..
وبغض النظر عن كل ذلك، ودرءً لأي شكل من أشكال التناحر والاحتقان، نقول؛ إن الحاجة الوطنية بموازاة استحقاقات المرحلة، وأمام حالات المد والجزر في السياسات الدولية تجاه الوضع الإقليمي، إضافةً إلى تفاقم الأزمات الداخلية كنتيجة طبيعية للسياسات التي تراهن على مشاريع محورية، أو بالاستناد إلى أوراق مرحلية، دون الرجوع إلى إرادة الشارع، تستدعي بالدرجة الأولى إعادة النظر في قضايا الديمقراطية والوحدة الوطنية، والابتعاد نهائياً عن كل ما من شأنه إذكاء الفتن بين المكون الوطني عبر تشجيع ظاهرة النعرات، المذهبية منها والقومية، وعليه فإن المطلوب وطنياً هو طي صفحات القهر والقسر، والانفتاح على الداخل عبر مشاريع تجسد أماني وطموحات المواطن السوري في أن ينعم بالأمن والطمأنية، والحصول على لقمة عيشه بعيداً عن أساليب الذل والإهانة، وهذا لا يمكن له أن يتحقق إلا عبر إشاعة الديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية، اللتان تعتبران الركيزة الأساسية لبناء وطن يتسع الكل وقادر على استيعاب الكل، وهذه كلها مرهونة بمعالجة القضية الكردية كقضية وطنية ديمقراطية، لها خصوصيتها القومية من حيث أنها قضية أرض وشعب، وبالتالي الإقرار بها في إطار دستور يحدد الحقوق والواجبات بناء على محددات الوضع السوري والتمازج بين مكونه المجتمعي، وذلك بعيداً عن كل أشكال الوصاية والاستلاب والتفرد ..