الرئيسية » مقالات » المثقفون خصوم الاحتلال وضحاياه (التطرف) وباء لا تخلو منه حركة سياسية في العراق!؟

المثقفون خصوم الاحتلال وضحاياه (التطرف) وباء لا تخلو منه حركة سياسية في العراق!؟

1. لاشك إن التطرف هو احد المكونات الأساسية للفكر السياسي العراقي المعاصر ، ولا تخلو حركة سياسية عراقية من تيار متطرف في أحشائها يتفاقم حينا إلى سلطة القرار وجسد التنظيم فيها، وحينا آخر ينحسر ويكمن في مفاصل أساسية بانتظار تشنج الأزمات الوطنية المتعاقبة، ليجد فيها حافزا ومبررا للصعود والتحكم بسلطة القرار وهياكل التنظيم في تلك الحركة او الحزب، أو التأثير عليها لصالح نهج الانكفاء إلى الخصوصيات الفرعية، سواء كانت قومية أو دينية أو طائفية أو إيديولوجية،وفي حالات عديدة يعبر التطرف عن نفسه بالانشقاق التنظيمي ، أو بطرد التيارات المعتدلة من بين صفوفه.(يمكن العودة إلى تاريخ الأحزاب والحركات السياسية والدينية في العراق منذ تأسيسها إلى يومنا هذا،واستعراض صعود وأفول هذه التيارات المتطرفة – اليمينية منها واليسارية-!) .
ويتلازم التطرف– بشكل عام – مع الأساليب الأكثر عنفا، والشعارات الأكثر وهما، والنوايا الأشد عزلة، والممارسات الانتحارية ، ويتميز بضيق الأفق الفكري.
ويأخذ التطرف أشكال ودرجات وطاقات واتجاهات مختلفة لكنه يتمحور حول ميلين رئيسيين وكلاهما يتبنى (الاصولية) ويتهم خصومه بالخروج على سنن ومبادئ العقيدة او النظرية اوالامة او الدين او الطائفة او الحزب، ويدعي لنفسه حق التفرد بالتعبير او تمثيل القوى الاجتماعية التي ترفع الشعارات باسمها ،والحق المطلق في التعبير عن عقائدها غير المحرفة! ..وهذان التياران:
• انعزالي متشنج يعتمد العنف في فرض إرادته،ويتبنى شعارات وبرامج مغامرة وغير واقعية،ويتوجه في خطابه السياسي إلى الأجيال القليلة التجربة السياسية والبدائية الوعي. وخاصة الفئات الحديثة العهد بالعمل السياسي الوطني،ويشكل منها كتائب مسلحة سرية او شبه علنية تستبيح امن المجتمع وحياة الافراد والجماعات من المخالفين بالراي.
• مذعن استسلامي يتماهى في التيار المتسلط على الحركة السياسية في تلك الآونة،ويمارس أساليب انهزامية يستجدي فيها دورا (شكليا) له في الحراك السياسي، ويغوي التيارات المتطرفة والمنفردة بالحياة السياسية على اختيار الوقت المناسب لها لتصفيته وغيره من القوى الباحثة عن الخلاص (الفئوي) لها!.ويعتمد هذا الميل على الفئات الاجتماعية اليائسة والمحبطة وخاصة السياسيين المنكسرين!.ويساهم هذا الميل في تشجيع المتطرفين من خصومه في السلطة وخارجها على اشاعة اساليب التصفيات السياسية والاجتماعية الدموية غير العابئة بالشعب وقواه المعارضة لها.
2. وتعتمد التيارات المتطرفة داخل الحركات السياسية عادة – كما أسلفنا – على الفئات الأقل وعيا لقوانين الصراع الاجتماعي في قواعد وقيادات تلك الحركات، وتنشط بين الفئات المقموعة والمتضررة اقتصاديا ومعاشيا وعقائديا وعرقيا ودينيا وطائفيا، في المجتمع.
3. ويعد (التعسف) احد أكثر أسباب و- مبررات – التطرف، فحيثما تنحسر مساحة الحوار بين الأفكار المختلفة والرؤى المتعارضة، تتسع الهوامش المظلمة والمزالق الشائكة للتطرف، ويجد دعاته ذرائع شتى لأفكار وأفعال تتجاوز – أحيانا – في قسوتها وإلغائها للآخر حجم العسف الذي تعرضت له القوى المتضررة، وتتفشى منهجيات العصبية القبلية والثأر البدائي في مناهج وأساليب وأدوات تلك التيارات، وتتقلص الفروقات بين قوى الطرف من حيث وسائلها وأساليبها وذرائعها بغض النظر عن الشعارات التي ترفعها دينية كانت أم علمانية، قومية جاءت أم أممية ، فتتشابه النتائج الدموية التي تخلفها عمليات الحركات المتطرفة على اختلاف أفكارها وشعاراتها.
4. وفي هذه المرحلة من تاريخنا مازالت هناك تيارات متطرفة فكريا أو سياسيا أو عقائديا أو سلوكيا تتولى مسؤوليات وطنية تشترط فيمن يتولاها أن يكون (وطنيا) واعني (معتدلا)، فالوطنية هي الاعتدال لأنها تعني (القبول بالآخر المشترك في الوطن والمشارك في صناعة مستلزمات السيادة والأمان والتنمية البشرية والمادية).
5. فقد أفرزت مرحلة ما بعد الاحتلال وسقوط الدكتاتورية ظروفا موضوعية وتوجهات وطاقات ذاتية لجميع القوى الاجتماعية تؤكد حتمية وضرورة التوجه الوطني الديمقراطي التنموي كخلاص للشعب والوطن من الاحتراب والتناحر الدموي وتعدد الولاءات للأجنبي (الإقليمي والدولي) ..ويمكن تلخيصها بما يلي:
• تقلص قدرة جميع القوى العاملة في العراق سواء (المتورطة بالسلطة !) أو (المبتلية بمعارضة السلطة!)، على تحقيق أي وهم من أوهام الانفراد بالحكم،فليست هناك حركة سياسية قادرة على الإمساك بإدارة العراق بمفردها مهما استعانت بكل قوى الدعم الدولي والإقليمي ..الأبيض أو الأسود!.
• تزايد الحراك الفكري والاصطفاف الاجتماعي داخل كل مكون من مكونات الشعب وداخل الحركات السياسية ذاتها (الحاكمة منها والمعارضة)،وميلها نحو التوافق الوطني كسبيل وحيد لإنهاء الفتنة التي راكمتها الدكتاتورية وفجرها المحتل، وتقلص البيئة الحاضنة للتطرف.
• اتساع الاستقطاب على أساس المصالح الوطنية والمصالح الاجتماعية والمعيشية، على حساب الدعوات الفاقعة التي أعقبت الاحتلال تحت أغطية المظالم الطائفية والقومية والحزبية، ونسيان قطاعات من السكان لمظالم الدكتاتورية أمام مجازر مرحلة الاحتلال وما بعد الدكتاتورية، وظهور بوادر ادراك من القوى السياسية المتضررة من النظام السابق بان ما تعرضت له هو جزء مما تعرض له الشعب العراقي بكل مكوناته وليس (ميزة نضالية تستوجب الاستئثار بالسلطة !).
• فشل المشاريع الاستحواذية التي بشرت بها بعض القوى تحت دعاوى الاقتصاص من الماضي والتعويض عن الحيف المتوارث،أمام تزايد وعي جماهير وبعض قيادات هذه القوى وإدراكها بان التحرر من الماضي البغيض لا يمكن أن يكون على حساب حقوق مكونات أو قوى أخرى من الشعب ، ولا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان تحررا حقيقيا وشاملا لكل ذرة تراب من ارض الوطن وشاملا كل مواطن (لم تتلطخ يداه بدماء العراقيين وإنسانيتهم أو بسلب ثرواتهم وازمنتهم) داخل الوطن وخارجه ودون استثناء!
• انعتاق قوى المجتمع المدني من ربق القوى السياسية التي استحوذت على الحركات المدنية والنقابية والاجتماعية وحنطتها بالإيديولوجيات والعقائد الفولاذية، على مدى أكثر من نصف قرن، ونمو قوى مستقلة للمجتمع المدني ذات توجهات وأهداف مهنية أو معاشية أو نقابية أو بيئية ، تنتهج أساليب التنافس الديمقراطي والحوار البناء.
• ظهور تيارات متعارضة ومتصارعة داخل جسد الحركة النسائية العراقية ، وفق تنوع مفاهيم التحرر والمبادرة والتدافع على أساس الكفاءة،فبرزت لكل حركة سياسية قواها النسائية ورموزها النشطة من النساء ، إلى جانب تزايد الميل نحو الالتقاء والتقارب بين تلك الحركات النسائية على اختلاف رؤاها وجذورها القومية والدينية والطائفية والإيديولوجية،وتبلور رؤى مشتركة في العديد من القضايا الوطنية أو التي تخص الأسرة والمرأة والطفولة. رغم تشبث القوى السياسية أو العقائدية التي تقف وراءها بوضع اطر حادة تحول دون اندماج القوى النسائية في حركة شعبية واسعة ذات أهداف تنموية وارتقائية تأخذ بيد المرأة العراقية وخاصة الفقيرات منهن وبالأخص نساء الأرياف،لاسترداد حقوقها الإنسانية والأسرية والاجتماعية والاقتصادية ..وحقها في المشاركة الحقيقية في إدارة الدولة والمجتمع.
• تعاظم دور الإدارات المحلية ، وتعمق تجربتها في إدارة شؤون المحافظات والأقاليم والمدن والقصبات، وانكسار حاجز الخوف من المركز المتسلط ، والاستقواء على المشكلات الأمنية والاقتصادية والخدمية والمعاشية، وخوض تجربة العمل القيادي الشاق رغم الفساد الإداري والمالي وتواضع النتائج التي حققتها تلك المجالس المحلية . فالإدارة الديمقراطية هي دروس تطبيقية عسيرة مليئة بالإخفاقات والمراجعة والتقويم وصولا الى النجاح ،وليست شعارات أو مواعظ أو معابر للوصول إلى مفاسد السلطة.
• تراجع الميول نحو خلق كيانات إدارية مبنية على أسس انكفائية واستئصاليه، تعيق التنمية،وتمزق الكيان الوطني الاجتماعي وتهدد وحدة الوطن بالتفكك، إلى جانب تنامي ثقافة الفيدرالية النابعة أصلا من مبدأ(حق تقرير المصير للشعوب..هذا الحق النابع من حق الفرد في التحرر من كل اشكال الاستعباد والقهر ..) واختيار الناس لنمط الدولة والإدارة الحكومية التي يرونها منسجمة مع تطلعاتهم نحو الحرية والرخاء والأمان والتماسك الاجتماعي. لان التاريخ اثبت ان العديد من المجتمعات الضعيفة النمو وقدمت الملايين من الضحايا للتحرر من الاستعمار الاجنبي ، تورطت بانظمة دكتاتورية اشد طغيانا من المستعمرين، وانحدرت الى اتون الازمات الاقتصادية المتواترة والمتفاقمة والمتشعبة التداعيات والتأثيرات!!؟.
• فشل أساليب فرض الإرادات والرؤى بالعنف والتعسف وسفك الدماء،فالانقلابيون الذين كانوا يستلبون إرادة الناس بـ(بيان رقم واحد )عبر المذياع ، أصبحوا جزءا من أسلاب الماضي المنبوذ، ولم يعد بإمكانهم فرض سيطرتهم حتى على ارض الدهليز الذي يجتمعون فيه لتداول أوهامهم، رغم وجود قوى إقليمية داعمة لهم مازالت تتوهم بان أساليب (اختطاف) السلطة في العراق ممكنة التنفيذ.
• انفضاح الدور التخريبي للدول الاقليمية المتحالفة مع المحتل او المتخاصمة معه في تاجيج الفتن بين مكونات الشعب العراقي وتغذية قوى التطرف الدموية بالدعم المالي والمعلوماتي واللوجستي، مما ضيق من فرص تأثيرها على الاتجاهات العامة للصراع داخل المجتمع الواسع ، رغم استمرار تأثيرها الشديد على قوى التطرف المتضائلة .. العابرة للحدود أو المتأثرة بها محليا.
6. لقد احدث الاحتلال الى جانب الكوارث التي اججها في المجتمع زلزالا اخرج القوى الاجتماعية المكبلة بالخوف من اسر الترهيب المتوارث والمتواتر، فـ(الحرب قاطرة التغيير!) التي ينبغي لقوى التغيير التنموية التي فرضت عليها الحرب ان تستثمر تداعياتها لاحداث تغيير نوعي في بنية الدولة والمجتمع لصالح قوى السلام والتنمية والتسامح واحترام حقوق الانسان وسيادة الوطن.
7. إن أعمال العنف المتطرفة بأساليبها وغاياتها وذرائعها وشعاراتها التي تحصد يوميا حياة المئات من أرواح العراقيين وتدفع بالوطن أكثر فأكثر نحو الهاوية ، تجد لها في الحواضن المتطرفة الكائنة في جسد القوى السياسية والاجتماعية العراقية الحاكمة والمعارضة بيئة خصبة للاستمرار والتفاقم أحيانا ، وتجد في مواقف وأساليب وشعارات ونهج تلك البؤر المتطرفة داخل القوى السياسية ذريعة لإدامة دورة الموت والخراب ، دون أن يتعرض المحتل للخسائر التي يتوهم البعض بأنها ستكون سببا لهزيمته والتخلي عن (الصيد) الذي عبر من اجله المحيطات واحرق في سبيله المليارات ، واهلك للاستئثار به مئات الآلاف من الأبرياء والغزاة.
8. ان الخلاص من التطرف ينبغي ان يكون منهجا متكاملا ومتزامنا يشتمل تجفيف الذرائع المادية والمعرفية له في عقول الناس وحياتهم اليومية ، وبالدرجة الاولى في عقول السياسيين المتطرفين واللاهثين خلفهم من حملة المدافع المعبأة بالضغائن والكراهية ، والمجيشين للاستخفاف بارواح الناس وافناء حياتهم العامة والخاصة.