الرئيسية » مقالات » امرأة وموقف خولة بنت ثعلبة – الزوج وان كان عاجزاً

امرأة وموقف خولة بنت ثعلبة – الزوج وان كان عاجزاً

الجرأة والصدق والتمسك بالحق والدعوة اليه كلها خصال ذاتية تنمو مع النمو الوجداني للفرد وتكون للبيئة وللمكان أهميتهما في إدامة زخم ذلك النمو الذي يضيف للانسان طاقات أخرى تجعله أكثر قدرة على الفعل المبني على أساس الثقة بالنفس أولاً والإيمان بصحة الفعل وأهمية قيمته ونتائجه ثانياً.
والنساء اللواتي وقفن بقوة مع الحق كثر، وكذلك النساء اللواتي تمسكن بالمنطق والعقل وتحدثن بما يرضي الله كثر أيضاً، وخولة بنت ثعلبة إحداهن وهي امرأة صالحة صادقة مع نفسها والآخرين، من ربات الفصاحة والبلاغة، فقد جاء في أعلام النساء لعمر رضا كحالة نقلاً عن الاصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، ان خولة هذه خاطبت الخليفة عمر بن الخطاب (رض) وهو خارج من المسجد النبوي يوماً ومعه الجارود العبدي قائلةً: (ها يا عمر عهدتك وأنت تسمى عميراً في سوق عكاظ ترعى الضان بعصاك فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر ثم لم تذهب الايام حتى سميت أمير المؤمنين فأتقِ الله في الرعية وأعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد ومن خاف الموت خشي الفوت، فقال الجارود: قد أكثرتِ على أمير المؤمنين أيتها المرأة، فقال عمر: دعها أما تعرفها؟ هذه خولة التي سُمع قولها من فوق سبع سموات فعمر أحق والله أن يسمع لها).
وهذه الحكاية تعطي للمتلقي صورتين من صور العلاقة بين الراعي والرعية، أولهما: أن الراعي كان متفهماً لإرادة الناس ومتقبلاً لنقدهم وهذا بحد ذاته عملاً ديمقراطياً رائعاً، والصورة الثانية هو أن الرعية سواء كانت على شكل أفراد أم جماعات كانت تستخدم قوتها اللغوية والبلاغية بالتعبير عن حالة الرفض والاستياء لما يحدث أمام الراعي مباشرةً وهذا بحد ذاته عمل بطولي يدلل على حرص الرعية على مصالحها وعدم تهاونها فيها.
أما ما يتعلق بسماع صوتها من قبل لله تعالى، فأن خولة وهي زوجة أوس بن الصامت، وقد كان الأخير ضعيف الحال والقدرة، وقد قال لها يوماً: أنت عليَّ كظهر أمي، مما أساءها كثيراً فجاءت الى الرسول (ص) وهو في بيت السيدة عائشة (رض) كما تقول مصادر التاريخ قائلة: يا رسول الله ان أوساً من قد عرفت أبو ولدي وابن عمي وأحب الناس إلي وقد عرفت ما يُصيبهُ من اللمم وعجز مقدرته وضعف قوته وعي لسانه وأحق من عاد عليه أنا بشيء ان وجدته وأحق من عاد عليَّ بشيء ان وجده هو فقد قال لي: أنت عليّ كظهر أمي، فقال رسول الله: ما أراكِ إلاّ قد حرمت عليه، فجادلت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مراراً ثم قالت: اللهم اني أشكو اليك شدة وجدي وما شقَّ عليَّ من فراقه اللهم أنزل على لسان نبيك ما لنا فيه الفرج.
قالت عائشة: فلقد بكيت وبكى من كان معنا من أهل البيت رحمةً لها ورقةً عليها. فبينما هي كذلك بين يدي رسول الله تكلمه وكان رسول الله إذا أنزل عليه الوحي يغط في رأسه ويتبرد وجهه ويجد برداً في ثناياه ويعرق حتى ينحدر منه مثل الجمان، قالت عائشة: يا خولة انه لينزل عليه شيء ما هو إلاّ فيك، فقالت: اللهم خيراً فأني لم أبغ من نبيك إلاّ خيراً. قالت عائشة، فما يرى عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى ظننت أن نفسها تخرج خوفاً من أن تنزل الفرقة، فسري عن رسول الله وهو يبتسم فقال: يا خولة: قالت: لبيك ونهضت قائمة فرحةً بتبسم رسول الله، ثم قال أنزل الله فيك وفيه ثم تلا عليها الآية (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة/1)، ثم قال، صلى الله عليه وآله وسلم: مريه أن يعتق رقبة، فقالت: وأي رقبة والله ما يجد رقبة وما له خادم غيري، ثم قال: مريه فليصم شهرين متتابعين، فقالت والله يا رسول الله ما يقدر على ذلك انه يشرب في اليوم كذا وكذا مرة وقد ذهب بصره مع ضعف بدنه وانه كالخرشافة، قال: مريه فليصدق بشطر وسق تمر على ستين مسكيناً ففعل. ومن هنا كان لخولة موقف لأهميته ولعظمة مردوداته على الواقع الأسري ونتيجة للصدق الذي كان يلف الموقف من كل الجوانب، ذهب دعاء تلك المرأة الى مسامع العناية الالهية، مما جعل الله الواحد المهيمن على مقدرات عباده يقر بإعادة المرأة لزوجها بعد أن يتصدق على ستين مسكيناً كإجراء ميداني لا بد منه لتنظيف حالة الخطأ التي رافقت تصرف أوس بن الصامت منذ أول الحدث

التآخي