الرئيسية » التاريخ » الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة الثالثة

الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة الثالثة

 الكورد والتجربة البرلمانية في العهد  العثماني:
 
 
مارست شعوب الامبراطورية العثمانية اول تجربة برلمانية بعد اعلان الدستور العثماني في الثالث والعشرين من كانون الاول 1876، وذلك عندما بدأ انتخاب اعضاء “مجلس المبعوثان” (النواب) على مرحلتين، وبالاقتراع السري. انعقدت الدورة الاولى لاول برلمان عثماني في التاسع عشر من اذار واستمرت حتى الثامن والعشرين من حزيران عام 1877، واما الدورة الثانية للمجلس فقد انعقدت بتاريخ الحادي عشر من كانون الاول 1877، واستمرت حتى الرابع عشر من شباط عام 1878، وقد استغل السلطان عبد الحميد الثاني هزيمة بلاده في الحرب الروسية- العثمانية عام 1878، ليحل البرلمان، ويعطل الدستور.
 وهكذا قبرت اول تجربة برلمانية في حياة شعوب الامبراطورية العثمانية في ظل سلطان كان يعيش حالة من الوهم والقلق النفسي الذي عبر عنه السلطان نفسه عند لقائه بالملحق العسكري في السفارة الفرنسية في اسطنبول في الثلاثين من تشرين الاول عام 1878 حيث قال له “في هذه البلاد بلاد الدسائس والمؤامرات كيف يستطيع الانسان ان يكافح وان يناضل دوما، وضد كل انسان”. لم تغن التجربة البرلمانية الاولى في حياة الامبراطورية العثمانية شيئا يذكر خارج العاصمة اسطنبول، فقد كانت تجربة قصيرة من حيث الزمن، ومحدودة للغاية من حيث الفعل والتأثير، واقتصرت اصلا على الفئات المتنفذة في المركز دون ان تجد لها صدى ملموسا في الاطراف، بل وحتى في توابع العاصمة اسطنبول نفسها. ثم ان تلك التجربة لم تكن لتأتي بمحض ارادة سلطانية حرة من سلطان مضت اشهر معدودة على توليه الحكم باسلوب غير اعتيادي، وهو لم يتجاوز بعد الرابعة والعشرين من العمر.اختلف الامر إلى حد واضح، بالنسبة للتجربة البرلمانية الثانية في الامبراطورية العثمانية، التي تزامنت مع عهد الاتحاديين-الحكام الفعليين الجدد للبلاد، الذين ركزوا في نشاطهم وادبياتهم قبل ثورة العام 1908 كثيرا على الدستور والبرلمان بوصفهما محور حركتهم وجوهرها، وكان للكورد دور واضح في نشأتها وتطويرها كما سبقت الاشارة إلى ذلك. تزامنت اول ممارسة فعلية للتجربة البرلمانية بالنسبة لمعظم شعوب الامبراطورية العثمانية، بما في ذلك العرب والكورد، مع الانتخابات الجديدة التي صدرت ارادة سلطانية خاصة باجرائها بعد انتصار ثورة الاتحاديين عام 1908. وتتوفر بعض الشواهد على ان الواعين من المنتمين إلى النخبة الكوردية اولوا الموضوع قدرا واضحا من الاهتمام، فلقد نشط في هذا المضمار كل من ثريا بدرخان وحمدي بك بابان وعمر بيك وغيرهم. وفي المضمار ذاته برز اسم الحاج ملا سعيد كركوكلي زادة الذي مثل السليمانية وتوابعها في مجلس المبعوثان.بطبيعة الحال لم تجر الانتخابات في عهد الاتحاديين في اجواء ديمقراطية، لقد اتخذت في معظم الحالات طابعا شكليا، ولم تخل من مداخلات السلطة بصورة مباشرة، وتتوفر شواهد غير قليلة عن ذلك بالنسبة للعراق تحديدا، الامر الذي سجله سليمان فيضي في مذكراته، وهو كان من ابرز النواب العراقيين في مجلس المبعوثان. في حين تطرقت الصحافة العراقية إلى هذا الموضوع، فان صحيفة “صدى بابل” البغدادية نشرت مقالة في مطلع العام 1912 بعنوان “الانتحال في الانتخابات والمخاتلة” عن هذا الموضوع قالت فيه بلغة ذلك الزمان مثل هذا الكلام المعبر عن تدخل السلطة في شؤون الانتخابات.

“ارحموا حال هذه الامة المسكينة، ولا تجعلوا حريتها، ولا القانون عالة لاطماعكم، انما الدستور لها ولخيرها، فلا تجعلوه نقمة عليها، ذروها تجني ثمار الفائدة من دستورها الذي منحها الحرية، والارادة في انتخاب مبعوثيها، فلا تحرموها هذه المنحة”. لم تكن النخبة الكوردية في العراق بعيدة عن مثل هذه الافكار والادبيات، خصوصا ما كانت تنشره صحف من قبيل “صدى بابل” و “الرقيب” التي اولت حقوق الكورد احيانا بعض اهتمامها، فان “الرقيب” مثلا نشرت في اواخر العام 1909 مقالة قالت فيها ما نصه:
“ان اللازم على حكومتنا الدستورية ان لا تعين للولايات إلا من يحسن التكلم بلغة اهاليها الوطنية، ولا تخص بذلك العرب، فلا يمكن ان يتعين، مثلا، لاطراف السليمانية وكركوك وما جاورهما متصرف او قائممقام او حاكم شرعي او رئيس محكمة إلى غير ذلك ما لم يعرف لغة البلاد الكوردية تماما ليستطيع فهم دعوى المدعي ومرافعة المدعى عليه، ويعلم بحق كيف ينفذ حكمه، فلا نخص بذلك بلادنا العربية فقط”. ولقد اثار نائب البصرة سليمان فيضي موضوعا مماثلا على مجلس المبعوثان نفسه باسلوب معبر، وبحضور عدد من ابرز الوزراء الاتحاديين.
ومن المفيد ان نشير إلى ان رئيس المؤتمر العربي الاول الذي انعقد في باريس في حزيران عام 1913 عبد الحميد الزهراوي قال في كلمة الافتتاح ما نصه بصدد الموضوع نفسه:
 “فاساس تربيتنا السياسية من الان بث هذه الفكرة (فكرة اللامركزية)، والتعصب لها، وقد وجدنا اللامركزية خير الوسائل لظهور اثر هذا الاشتراك بادارة السياسة فيها، ولا يحتاجون فيها (إلى) شروح وايضاحات، وهكذا نود ان تنمو هذه الفكرة عند كل عثماني، لان الارمن والكورد، مثلا، لسان حالهم كلسان حالنا ايضا”. ولهذا السبب تحديدا وجد المؤتمر العربي الاول صدى طيبا له في نفوس عدد من ممثلي النخبة الكوردية الذين رحبوا بالمؤتمر بحرارة. ولقد جمعت مثل هذه التوجهات اديبا وصحفيا كورديا مرموقا مثل شكري الفضلي على صعيد النضال ضد الاتحاديين، ومن اجل الحقوق البرلمانية مع ممثلي النخبة العربية في العراق من امثال علي جودت الايوبي وحمدي الباجه جي . وهناك اشارات مشابهة عن توزيع النشرات في ولاية الموصل، والى تعاون وثيق بين صبيح نشأت، الذي مثل اربيل في البرلمان العراقي في عهد الملك فيصل الاول اكثر من مرة، وبعض معارضي الاتحاديين من العراقيين من امثال رشيد الخوجه وعبد اللطيف الفلاحي، مع العلم ان صبيح نشأت نفسه كان اتحاديا في ميوله. واحتك المنتمون إلى النخبة الكوردية بدورهم باساليب الاتحاديين، وممارساتهم غير الديمقراطية داخل مجلس المبعوثان، وسجل لنا احد ابرز النواب العراقيين في ذلك العهد، سليمان فيضي، صورة معبرة عن ذلك بقوله: “برع الاتحاديون في تدبير المؤامرات البرلمانية، والمخاتلات السياسية لتنفيذ مآربهم، فاذا فشلت تلك المؤامرات لجأوا إلى التهديد والعنف لالقاء الرعب في نفوس المعارضين، وكان من اساليبهم ايضا اثارة الضجيج في الجلسات عندما يحرج احد الخطباء موقف الحكومة، فبإشارة بسيطة من احد الوزراء الاتحاديين يقوم انصار الحكومة بالقرقعة على الطاولات، واحداث الضجيج والصراخ حتى ييأس الخطيب من اسماع صوته فيترك المنبر”.ومن الضروري ان نشير إلى ان النواب العرب والكورد اثاروا قضايا مهمة للنقاش امام مجلس المبعوثان، اذ طالب عدد منهم، على حد رواية “صدى بابل”، بتعيين موظفين نزيهين، واكفاء في الولايات الثلاث، وممن يلمون باحوال العراق الداخلية، كما اكد اخرون على قضايا الزراعة، وضرورة استخدام الالات الحديثة فيها، وبعض المسائل التي كانت تمس حياة الفلاحين بصورة مباشرة، فضلا عن التأكيد إلى حد كبير على التعليم، والحاجة الملحة للاهتمام به. ولقد اثار نائب السليمانية الحاج ملا سعيد كركوكلي زاده الآنف الذكر موضوع تجارة الاغنام، في جلسة مجلس المبعوثان يوم الرابع من ايار عام 1911، وانتقد سياسة والي العراق ناظم باشا بهذا الخصوص بسبب الاضرار التي جلبها للتجار كما اعلنت عن ذلك “صدى بابل” لكون الموضوع يهم قطاعا مؤثرا من الناس. والاهم من ذلك ان عددا من النواب العرب والكورد اثاروا امام مجلس المبعوثان مسائل خطيرة عامة، مثل الامتيازات الاجنبية التي اثقلت كاهل الدولة العثمانية يومذاك في اجواء تضارب حاد للمصالح، وكان لمشروع سكة حديد بغداد المعروف موقعه المتميز فيها. فان النائب الكوردي اسماعيل حقي بابان (بغداد 1876-اسطنبول 1913) اقترح اجراء التصويت على موضوع الامتياز الذي منحه الباب العالي لشركة لنج البريطانية في العام 1909، والذي كان يقضي بدمج السفن التجارية العثمانية مع سفن الشركة المذكورة، مما اثار عددا من النواب العراقيين داخل المجلس، ولقد لقي اقتراح بابان قبولا واسعا، مما دفع رئيس المجلس إلى تأجيل الجلسة. وفي السياق ذاته اثار النائب اسماعيل حقي بابان موضوع امتياز سكة حديد بغداد، الذي عده “من مخلفات عهد الاستبداد”، فطالب بالغائه كونه “يهدد كيان الدولة”، وهذا يعد، دون شك، موقفا فريدا من نوعه لم يظهر له نظير في البرلمان العراقي إلا في وقت متأخر حينما طالب النواب الوطنيون داخل مجلس النواب العراقي بتأميم شركات النفط تحت تأثير حركة الدكتور مصدق المعروفة الذي قام بتأميم النفط الايراني. وينبغي ان نشير إلى ان اسماعيل حقي بابان كان اتحاديا متنوراً، مؤمنا بالحقوق الدستورية، الف كتابا باللغة التركية عنوانه “حقوق اساسية”، وكان بشهادة معتبرة “حقوقيا ممتازا، وكاتبا بارعا سامي الخيال، عميق المعنى، وضاء السليقة”. ومما يذكر كان للبابانيين، وهم سليلو واحدة من اشهر الاسر الكوردية التي تقطن اساسا في محافظتي كركوك والسليمانية، كما استقر عدد غير قليل منهم في العاصمة بغداد، وزن متميز في مجلس المبعوثان العثماني في دروته الاخيرة. فالى جانب الحاج ملا سعيد كركوكلي زاده مثل السليمانية في تلك الدورة ايضا حكمت بابان. ومن الضروري ان نشير الى ان الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي، الذي بز اقرانه في مجلس المبعوثان اثناء انعقاد دورته الاخيرة، كان ايضا من اصل باباني باقراره هو، وكان يجيد اللغة الكوردية، كما درس وقرض والده محمد فيضي افندي الشعر بها. اثار جميل صدقي الزهاوي مواضيع شتى داخل اروقة مجلس المبعوثان، وكان من اجرأ النواب في طروحاته التي جاءت متوافقة مع روح العصر، مما اثار ضده العديد من النواب المحافظين وكبار المسؤولين ممن حاولوا الاعتداء عليه داخل المجلس اكثر من مرة. وللاستدلال فقط نورد انموذجين من مداخلات الزهاوي، الاول من خطابه الجريء الذي القاه في موضوع الضرائب التي اثقلت كاهل ابناء الطبقات الفقيرة، واثارت استياء عاما، اذ قال فيها ما نصه: “لماذا تجني الضرائب من الفقراء عن دورهم، ولا تؤخذ عن قصور ومصيفات اسرة آل عثمان وسائر املاكهم، مع انهم يتقاضون رواتب ضخمة من خزينة الدولة.