الرئيسية » مقالات » سوريا وإيران والشأن العراقي !

سوريا وإيران والشأن العراقي !

تبذل وزارة الخارجية العراقية جهوداً كبيرة من أجل إيقاف التدخل في الشأن العراقي من قبل دول الجوار وبشكل خاص من قبل سوريا وإيران , كما أن هذا الجهد يبذل باتجاه تركيا التي تصر على التدخل العسكري لمواجهة حزب العمال الكردستاني التي تتحدث عن وجود أنصار له في جبال كُردستان العراق وفي منطقة قنديل القريبة من الحدود الإيرانية , وربما تسعى إلى تنظيم عمليات مشتركة مع الأمريكيين ضد هذا الحزب. وقد نظمت وزارة الخارجية وعقدت لهذا الغرض العديد من المؤتمرات الدولية والإقليمية والثنائية لتأمين الكف عن التدخل في الشأن العراقي. ولم تنفع تلك المؤتمرات بإيقاف عمليات التدخل في الشئون الداخلية العراقية , بل يمكن القول بأنها اتسعت واتخذت صيغاً جديدة ومجالات جديدة. ثم بدأت محاولات جادة من الحكومة العراقية ووزارة الخارجية بإيجاد فرص اللقاء بين إيران والولايات المتحدة وسوريا والولايات المتحدة بأمل دخول هذه الأطراف بحوار حول مشكلاتها الخاصة بها , كما حصل أخيراً في دمشق حيث شارك وفد أمريكي كبير في المؤتمر الذي عقد هناك , بما يساعد على إبعاد العراق عن صراعاتهم المتبادلة.
والسؤال المشروع الذي يفرض نفسه علينا هو: هل ستنفع هذه المؤتمرات الجديدة في وضع حدٍ لهذا التدخل الفظ في الشأن العراقي وإيقاف ما يجري اليوم في العراق؟ هذا ما تتمناه وترجوه وزارة الخارجية العراقية ورئيس الحكومة العراقية الذي أنهى لتوه زيارة إلى إيران فتحت له أبواب مشكلات جديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وعلينا أن نعترف ابتداءً بأن بين التمنيات والواقع فجوة كبيرة , هذا ما تخبرنا به التجارب المنصرمة وما يخبرنا به مجرى الأحداث في العراق. ولكن لا خيار غير خيار المحاولات والاتصالات المباشرة لمعالجة المشكلات, خاصة وأن أجندة العراق هي غير أجندة الولايات المتحدة في المنطقة.
كل الدلائل التي تحت تصرفنا تشير بوضوح إلى أن كلاً من إيران وسوريا يستخدمان أسلوبين في ممارسة التأثير على , والتدخل في , الشأن العراقي , وهما :
1. استخدام أسلوب الجزرة التي تبرز على شكل مساعدات لجهات وأطراف معينة في العراق بهدف كسبها إلى جانب السياسية الإيرانية في العراق , وغالباً ما تكون في المناطق ذات الأكثرية الشيعية بهدف التأثير المباشر على المنطقة , كما يحصل في جنوب العراق , وخاصة مدينة البصرة المستباحة بالوجود الإيراني الكثيف والسياسة الإيرانية المهيمنة والقوى المؤيدة لإيران وبعض المرجعيات التي تصدر فتاوى تساير الوضع الديني المتطرف في إيران , كما في الفتوى الأخيرة لمن يطلق عليه بـ “أية الله” واثق البطاط.
2. استخدام أسلوب العصا التي تبرز في تمويل وتموين ودعم ثلاث قوى في العراق , أي تمويلهم بالمال وتأمين السلاح والعتاد والمتفجرات وإبقاء الحدود مفتوحة لها لعبور الانتحاريين والسيارات التي تفخخ …الخ, وهي : قوى القاعدة والمليشيات الشيعية الطائفية المسلحة ثم القوى التي تعمل داخل المؤسسات العراقية وتخدم في الجوهر مصالح إيران وسوريا , إضافة إلى قوى البعث الصدامية من جانب سوريا.
ويبدو لي بأن إيران سوف لن تتوقف عن هذا النهج ما دامت الولايات المتحدة تؤيد وتناصر وجود جماعة مجاهدي خلق في العراق الذين يجدون الدعم والتأييد من قوى سياسية كانت من أتباع النظام السابق ومحسوبة عليه. ولم يكن حضور صالح المطلگ مؤتمرهم الأخير سوى التعبير عن ذلك التأييد والرغبة في استمرار وجودهم للاستمرار القلق وعدم الاستقرار والصراع مع إيران على الأرض العراقية. وسوريا باعتبار حليف إيران سوف لن تكف هي الأخرى عن هذا النهج بسهولة.
من استمع إلى خطاب خامنئي يواجه اختلافاً سياسياً واضحاً بينه وبين موقف الحكومة العراقية , ففي الوقت الذي يدعو خامنئي إلى انسحاب القوات الأمريكية والدولية من العراق , أقر مجلس الأمن الدولي استمرار وجودها بناءً على قرار وطلب من جانب الحكومة العراقية , وبالتالي فأن مقلدي الخامنئي في العراق سوف يجدون أنفسهم في وضع حرج تماماً , ومنهم التيار الصدري وميليشيا جيش المهدي وقادة الائتلاف وفيلق بدر مثلاً.
إن الموافقة الرسمية لحكومتي سوريا وإيران في المؤتمرات الدولية على دعم جهود العراق لمواجه الإرهاب يصطدم بحقيقة أساسية هي أن القوى السياسية والقوى العسكرية والقوى الأمنية في البلدين تمارس سياسات أخرى غير التي يعلن عنها في وسائل الإعلام الرسمية , وهي ظاهرة غير جديدة بل قديمة قدم السياسة ذاتها , حيث يقوم القاتل أو منظم القتل بالسير في جنازة المقتول ويعزي عائلته بموته قتيلاً ! وقد مارسه النظام البعثي الصدّامي طوال ثلاثة عقود , ويمكن أن يمارس اليوم في سوريا وإيران أيضاً.
يتمنى كل إنسان عراقي شريف وحريص على وطنه وشعبه أن تتوقف أجهزة الأمن السياسية الإيرانية والسورية عن التدخل في الشأن الداخلي العراقي وعن دعم قوى الإرهاب وعن وضع حدٍ لنشاط هذه القوى المعادية للوضع القائم في العراق في كل من إيران وسوريا. إلا أن التمني شيء وحقيقة الأمر شيء آخر.
إن النظام السوري يعاني اليوم وأكثر من أي وقت مضى من تنامي نشاط القوى السياسية المعارضة في الداخل والخارج. وبدلاً من أن يعيد النظر بحساباته ويجد درباً للتفاهم مع قوى المعارضة والتراجع عن ممارسة الاستبداد والقسوة وإصدار الأحكام القاسية والتعذيب , يغوص في مستنقع الإرهاب والقمع حتى قمة رأسه , فيتوجه بالإرهاب والقمع ضد المواطنين الكُرد وضد المناضلين من أجل حقوق الإنسان والمجتمع المدني ويعتقل الجديد منهم ويصدر الأحكام بحقهم ويعقل الصحفيين ويعرضهم للاضطهاد والتعذيب ومصادرة كتاباتهم وطردهم من البلاد كما حصل مع السيد سف خياط العراقي الجنسية أخيراً , كما يواصل إرسال الأسلحة والأموال إلى القوى المناهضة للحكومة اللبنانية , وخاصة لقوى حزب الله , وهي مساعدات قادمة من إيران , كما يرسل السلاح والعتاد لقوى فلسطينية أو محسوبة عليها لا تختلف كثيراً عن قوى فتح الإسلام وما فعلته وتفعله حتى الآن في نهر البارد في طرابلس. ورئيس الجمهورية بالوراثة , على طريقة يزيد ومعاوية , بشار الأسد , ينفذ بحرفية ما رسم له من جانب شيوخ البعث والنخبة العسكرية والمدنية الحاكمة والأحزاب السياسية المدجنة فكراً وممارسة والعاملة في الجبهة الوطنية والقومية التقدمية السورية والمنعمة على حساب الشعب السوري وكادحيه والمقيمين في سجون النظام. إليكم كيف فرض معاوية يزيداً على المسلمين في الشام وفي غيرها: أورد الدكتور إمام عبد الفتاح إمام , نقلا عن كتاب العقد الفريد لأبن عبد ربه , نموذجا صارخا للأساليب التي أتبعت في عهد الأمويين لانتزاع البيعة الشكلية للخليفة من الناس حيث كتب يقول بأن عمال معاوية كانوا لا يختلفون عنه في أساليبه “فعندما أرسل يطلب رأيهم في أمر أخذ البيعة ليزيد “وليا للعهد” قام يزيد بن المقنع , فلخص الموقف الأموي من الخلافة في عبارة موجزة بليغة عندما جمع فأوعى!. قال: “أمير المؤمنين هذا” وأشار إلى معاوية.. “فإن هلك , فهذا” وأشار إلى يزيد.. “فمن أبى, فهذا” وأشار إلى سيفه!.. فقال له معاوية: “أجلس , فإنك سيد الخطباء”!!. [ راجع: إمام, عبد الفتاح إمام د. الطاغية – دراسة فلسفية لصور الاستبداد السياسي – سلسلة عالم المعرفة 183. سلسلة ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب -الكويت. مارس/آذار 1994. ص 205/206.]

إن الحكومة السورية , وهي تخشى فضائح اغتيال الكثير من قادة الفكر والسياسة والثقافة اللبنانية على مدى العقود الثلاثة المنصرمة , تبذل المستحيل لإشاعة عدم الاستقرار في لبنان وتغيير ميزان القوى في مجلس النواب لصالحها وفق أساليب معروفة لنا جميعاً , كما أنها تسير بعيداً في تأييد حماس في غزة على حساب المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني , وتوغل أكثر فأكثر في مستنقع السياسة التي تمارسها إيران في المنطقة. فإلى أين تسير هذه السياسة بسوريا؟
إن السياسة التي تمارسها سوريا في المنطقة تساعد دون أدنى ريب على بقاء القوات الأجنبية في العراق وتساعد على استمرار التوتر والفوضى والموت في العراق ولبنان وفلسطين , كما أنها تساعد إسرائيل عل تحقيق المزيد من النجاحات على الأرض في فلسطين وعلى استمرار احتلالها لمرتفعات الجولان. ولكنها ستقود إلى أن نهايتها أيضاً.
وفي مواجهة هذا الوضع مطلوب من القوى المعارضة السورية ,كما أرى , أن تمارس سياسة فعالة لتحقيق وحدة القوى الوطنية السورية , ابتداءً من اليسار ومروراً بقوى الوسط وانتهاءً بالقوى اللبرالية بأمل طرح أهداف مشتركة تلتقي عندها جميع القوى السياسية على أن تنتبه إلى ما يراد لها , ما لم تتوضح الأمور منذ الآن. أشير مثلاً إلى أهمية الإجابة عن الأسئلة التالية:
كيف يمكن العمل مع عبد الحليم خدام وهو الذي مارس سياسة النظام طوال 35 عاماً وغاص في عمق المآسي التي تسبب بها النظام البعثي السوري للشعب السوري وكان مسئولاً عن الملف اللبناني ومسئولاً عما حصل هناك من مآسٍ دمغت النظام السوري بالعار والشنار؟
كيف يمكن للدكتور رفعت الأسد الذي كان قائداً لسرايا الدفاع أن يترأس حزباً سياسياً ويلعب دور المعارض ضد النظام القائم دون أن يعترف بما مارسه في سوريا ودون أن يعتذر للشعب السوري عن كل ما قام به حينذاك من ممارسات قمعية صارخة؟ وهل يكفي أن تصدر عائلته بياناً تتبرأ به من عائلة حافظ الأسد فقط ؟
هل يمكن أن تشكل قوى الأخوان المسلمين التي لها أجنحة عسكرية وسياسية لتمارس العمل مع قوى المعارضة لإسقاط النظام ثم سرقة جهود الشعب ونضاله ضد النظام القائم. إن أمامنا الكثير من النماذج في دور وممارسة قوى الإسلام السياسي وكثير منها قد خرج من تحت عباءة الأخوان المسلمين , بل ما زال تحتها ؟
إن هذه مجرد أسئلة لإمعان الفكر في الوضع السوري وسبل الخلاص من النظام السياسي القائم , ولكن دون أن نضع أسساً لنظام مماثل له في الفكر والسياسة الاستبدادية تحت واجهات حزبية علمانية أو دينية أخرى لا تختلف من حيث الجوهر عن سابقاتها.
إن تجربة إيران والعراق كفيلتان بتقديم دروساً ثمينة جداً للأخوات والأخوة المناضلين في سوريا لصالح إقامة مجتمع مدني ديمقراطي حديث ونظام سياسي يعترف ويمارس الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات وعدالة اجتماعية في استخدام وتوزيع الثروة في المجتمع ويقيم علاقات ودٍ وصداقةٍ مع الشعوب والدول المجاورة ويستعيد الأراضي المحتلة في الجولان بالطرق التفاوضية السلمية وبدعم من الأمم المتحدة والجامعة العربية وكل الشعوب المحبة للسلام والتحرر وضد الاحتلال ويبتعد عن تلك الدول التي تسعى إلى تصدير الثورة إلى دول أخرى , كما يعترف بوجود دولة لبنانية حرة ومستقلة ويقيم علاقات دبلوماسية طبيعية معها ولا يسعى إلى التهامها أو احتواء سياستها كما جرى طوال العهود المنصرمة.
12/8/2008 كاظم حبيب