الرئيسية » الآداب » الشاعرة الكوردية فدوى كيلاني

الشاعرة الكوردية فدوى كيلاني

حاورها :عبد الصمد محمود
يسعدنا أن نجري معك هذا اللقاء لنتجاوز عتبات وجع الكلمة، إلى مهاد السكينة المكنونة بين ثنايا قصيدة تندلق من كيزان الحبر الإلهي، وشهد النعمة البهية، المتناثرة على تخوم أناملك كقطا براري الحلم الكوردي التي تطل من شرفات التاريخ، وتغيب في المدى البعيد الممسك بقدر سلالة الجبل المكين. أحييك وأحيي ذلك الحلم الذي يفيض بنسمات العشق بين سنابل النص التي تفوح برائحة يديك، فيبوح بأسرار حزنك، ويكشف عن قصة حب كانت تتوارى بخجل عن أعين الرقباء والحاسدين. لك ولهذا الفضاء المدجج بهيام قدسية القصيدة نعلن تقديرنا .
اسمحي لنا أن نملأ سلال الفضول من بعض ما خبأته الأيام في ذاكرة فدوى، و لتسردي لنا حكاية العرائس التي أهدرْتِ دمَها على تخوم ديركا حمكو ؟
-تحديداً ،في تلك اللحظات التي كانت تترجل من ضحكات عشقنا اللامتناهي، وتتوارى هاربة من شقاوتنا البريئة، كنت أستبيح بيادر البلدة بخطوات وئيدة، أرنو بها إلى الفجر الوليد من رحم جبال جودي، مازلت أقبض على دفئها، وأشعلها مواقد في ليالي الغربة العقيمة.
و مثل هذا السؤال ليدفعني إلى لجة الهلام الذي أردي في معركته المريرة أمام ثقل الغياب، إذ أحن إلى طفولة ما برحت تفتك بذاكرتي، وتشدني إلى طوفان طهرها، وعبق نسائمها، إنها توأم طفولات آلهة سومر.
ولكنني تركت جسدها البضّ يرقد مع تلك العرائس التي غفت على ضفاف دجلة، وتأبطت روحها الشفافة بين جوانحي كي أعيش طفولتي وأنا ألعب مع ( بروسك وهلز وبلند ) ثمار الأيام التي عصفت بعمر أمسيت أغزله قصائد من أقصى الحنين إلى أقصى البراح.
وفي ذروة : الواقع – الهلام – القصيدة، ثمة الكثير مما يمكن أن أنكأ جراحات جسده ، من حكايات ، وأحلام ، وخيبات، الخيط الوحيد الذي يربط خرزات هذه السبّحة هو أنثى كوردية في مهبّ رياح الزمان، عيناها مصوبتان أبداً صوب البعيد، غير مكترثة بأية حدود ،أو عسكر ، أو رقابات، تطلق عنان كلمتها كما تشتهي، وهي تعد بالكثير، مما لم تعطه بعد…………!
*متى بدأت إشراقات الاستفزاز الملهم تتسلل إلى مخيلة فدوى كي تستيقظ فيها مروج العشق على غواية القصيدة؟
-لقد استباحت القصيدة طفولتي، وانطلقت تعدو في سهوبها كابتسامة انفلتت من عقال الغيب، كانت الفوضى تعمّ المكان، وبغريزة الأنثى أردت أن أعيد إليه بعض الترتيب، فاستيقظت وعول الرجفة الأولى في مناخات أبجديتي، وها أنذا أحاول أن أمسك بها كي أجعلها تدخل مسارات العشق بفيضها الصوفي الهائم.
فالتصقت القصيدة بالروح – عميقاً- وأمسيت لا أستطيع تحديد نقطة البداية ، على غرار ما يمكن أن يقوم به أي ربان مركبة، فالقصيدة سابقة على اكتشافي الشخصي لها، بل إنني ما زلت أسعى لكشفها ، كما ينبغي ، وقراءة ملامحها ، وخلقها، على إنها الوجه الآخر لذلك التهيام الذي يكون شرارة الخلق الإبداعي ، في حال توافر جملة عوامل ، ودعامات للنص، في روح ودم المبدع الحقيقي.
* فدوى الكيلاني تستسلم لسلطة النص المعاصر، وتتخلى عن فروض القصيدة القديمة، ما مدى الاستثناء والمغايرة أو التميز الذي تصبو إليه؟
– هي تلك اللمعة التي تضيء كرأس دبوس في أفق الطموح، أحمل إرث الألواح والنقوش، وأعدو بها إلى رغيف الشمس، فأتجاوز سطوة الاحتراق كي أتماهى في نور اليقين، فلا سلطة على تلك التخوم التي تتضوع بقوافي الإشراق. وربما أختلف معك هنا، لأنني أؤكد بأن المبدع هو الذي يحلّق عالياً في سماء الحرية التي تجعله يعيد صياغة ما يروم على طريقته الخاصة، كي يكون النص صدى روحه وحلمه.
* اللغة المعرفية تفقد قيمتها في النص المعاصر الذي يتجه نحو لغة التنافر والخلاف والتناقضات، إنها لغة تشرّع قواعدها وفق لعبة منضوية تحت ستار الخرق والانشقاق على النظام المعجمي المقنن، ما هي الآليات التي تتدرّع بها فدوى لتوظيف هذه اللغة على حساب خصم مفترض هو القواعد والأعراف؟
– إن أي تناول معجمي للغة ، يعني على نحو مسبق لا شعريتها، لأن الشاعر الحقيقي هو من يعيد صياغة جبلة اللغة في مختبره الخاص ، بحيث تفوح رائحة المبدع مما يكتب ، لا أن تحيل لغة النص إلى سواه ، فيكون بلا رائحة ، ولا نكهة، كما هو حال النصوص الممجوجة الببغاوية التي تؤذي أعيننا يومياً…………!.
وإذا كنت هنا تتحدث عن الإنزياحات اللغوية ،في عمارة النص ، فأنا أيضاً أتحدث عن تحولات اللغة، وفق استخداماتها في الفضاء النصي، إلى درجة تمرد المفردة على معجمها التقليدي.
* هناك سعي حثيث وقصد بيّن لتقديم نص يقتنص كل فرصة سانحة ليكتسب خصوصية ما ، أين تجد فدوى هذه الخصوصية في تجربتها الفنية؟
– لعل المبدع على الدوام يكون ملتصقاً باللحظة الإبداعية، مما يفوت عليه، لاسيما في وقت مبكر من لحظة ما بعد الكتابة، إمكان تقويم نصه، واكتشاف ما فيه من جماليات ، في حال توافرها، ذلك لأن لحظة القنص لا تأتي نتيجة خطة مسبقة، من قبل المبدع، بل هي من نتاج عوامل شتى، لابد من اختمارها في مخبر روح الشاعر، في ما إذا كنا نتحدث عن قصيدة استثنائية ، طبعاً……!
* تميل بك الكفة إلى النزوع نحو المضمون القومي، ألا يبدو لك ذلك نوعاً من التفرقة الحادة بين خبرات الذات وأصالتها وتفردها من ناحية والرغبات الاستعراضية في التناغم مع الفورة القومية التي تجتاح الواقع؟
– حسبي كشاعرة كوردية، أن تكون لي رموزي الخاصة، بعيداً عن أية أسطورة، أو بيئة لا أعرفها ،ولم تعش في داخلي ، إنني أحاول تناول مكاني، كما هو، وأن أرقى دوماً بأدواتي، كي تليق بمستوى هذا المكان البكر الذي سبقني إليه سليم بركات، وآخرون، وكانوا أوفياء لكل ذلك….!
*كيف تقيمين أثر الغربة في تجربتك الشعرية؟
– إذا كنت تتحدث هنا ، عن غربة مكانية، حيث أنني أعيش بعيداً عن بيئتي التي اقتلعت منها ، بحثاً عن الدفء والامان والهواء، فإن مرارة ذلك قد تقل عن مرارة أخرى أشد سطوة ، وهي الاغتراب الذي كنت مجرد شاهدة عليه، مكتوية بلفحه، كما أهلي الذين يدفعون ضريبة غالية ، ومازالوا، في محرق الألم اليومي ، حيث استهداف هويتهم ، وحضورهم على أبشع نحو…..! * لك مشاركات واسعة في الحراك الثقافي في دولة الإمارات العربية المتحدة، هل لك أن تحدثينا عن ذلك؟
– هذا الحيز الجغرافي، الإماراتي الذي يضيفني، هو في المحصلة دولة فتية تحاول النهوض في كل مناحي الحياة، وتولي الجانب الثقافي كثيرا من اهتمامها، وهنا نجد الفرصة سانحة للخوض في هذا الحراك، فكانت لي مشاركات في كثير من الفعاليات ومنها : أنني عضو في عدة نواد ثقافية وشعرية، ولغوية، وأكتب في الجرائد والمجلات التي تصدر هنا، وكذلك بعض التي تصدر في الخارج مثل : الزمان،والتاخي والصوت الاخر والاتحاد فضلا عن المواقع الالكترونية. وهذا الحراك الثقافي يدل على سعة آماد الحلم لدي ، لاسيما أنني كنت محجمة عن النشر ، وكل محاولاتي الكتابية كانت دفينة دروج مكتبتي ، لا أكشف عنها، ربما نتيجة اعتبارات كثيرة ، في مقدمها أنني لم أكن أريد أن تكون كتاباتي متصادية مع بعض ما نراه من النصوص المستنسخة التي لا أستسيغها…….!
* فدوى شاعرة مقيمة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد سمعنا عن تجربة ثقافية حاول بعض المثقفين الكورد إنجازها هناك، هل لك أن تحدثينا عن هذه التجربة، ولماذا لم تسهم فدوى (الشاعرة والمثقفة) فيها ؟
– ربما ليست لدي المعلومات الكافية عن هذه التجربة التي تشير إليها، ولكن في الواقع ليس هناك في دولة الإمارات “كروب ثقافي كوردي” أو أي “تجمع” يلم شمل المثقفين، ولو في الحدود الدنيا، ولم يحدث أن اجتمع المثقفون على أمر كهذا ،وربما كانت هناك محاولات إلا أنها لم تتجاوز حدود الأفراد، لذلك أتمنى أن تكون لنا رابطة تضم نشاطاتنا، وسأكون على استعداد تام للاسهام فيها.
* ما مدى التواصل الذي يربط فدوى ببنات جيلها من الشاعرات والكاتبات في الوطن؟
– أرى من المهم هنا أن نتحدث عن تواصل إبداعي، عن وشائج تخلقها كتاباتنا، كي تشكل لذاتها هوية خاصة ، أما إذا كان الحديث هنا عن التواصل اليومي ، فأنا بالـتأكيد ممن لا يستطيعون أن يتنفسوا بعيدا عمن حولهم…. * أين تضعين الشعر المكتوب بالقلم الكوردي الأنثوي ؟
-أستطيع القول ، وفي ضوء عدة أسماء تشقّ طريقها ،أن ثمة أقلاماً أنثوية ، بدأت تتلمس طريقها ، وهذا بالنسبة إلي مؤشّر مهم يدعو للتفاؤل ، وأدعو هنا ألا يتم التهويل في تسليط الضوء على أسمائنا، كما يتم أحياناً ، ومن هنا فإنني دوماً أتورع عن اللقاءات، وأشعر بمسؤولية كبيرة عندما يتم تناول أية تجربة لي ، وإن كنت أيضاً أرفض تسول النقد….
*ألم تتطلع فدوى في المستقبل؟
– لاشيء يشدني لولا ذلك التوق العارم الخبيء بين جنباتي صوب المستقبل ، مادمت لا أرى في اللحظتين المنصرمة والمعيشة سوى نشيش الحرائق وهي تفوح من بيادر الحلم في الختام كما هو العبق الذي ينشر شذاه كان صوتك يملأ المكان بحس الوطن، ورائحة النعناع البري، وكان الوجع ينسل مع نسائم الشمال، يلملم وخزاته، ويتدثر بقطرات العشق التي تترنح في جوانب القصيدة، على قافية تغفو بحلم يودع الفراق، وتصدح بأهازيج الوصال واللقاء.
هذه فدوى ترسم في لياليها ضحكة تشعل فانوس الغربة بالأمل، وتضيء ذبالته بفرحة الأطفال.
التآخي