الرئيسية » مقالات » أردوغان و زراعة الريح

أردوغان و زراعة الريح

تداعيات زيارة السيد نوري المالکي رئيس الوزارء العراقي و ذلك الغموض الذي لايزال يحيط بالبروتوکول الذي أبرمه مع السيد رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء الترکي، مازالت تأخذ مساحة کبيرة من إهتمامات الدوائر السياسية المختصة و خصوصا على صعيد المنطقة، ورغم إن المواقف و الاهتمامات تتباين تبعا لسياسات الدول المختلفة في المنطقة، لکن هناك أمر لابد من الجزم به، وهو إنه وفي کل الاحوال نجد هناك إجماعا سياسيا على صعيد المنطقة مع الموقف الترکي بخطه العام، مع الاشارة الى أن هناك نوع من الاختلاف في التفاصيل.
ولو توضحت البنود السرية للبروتوکول العراقي ـ الترکي و، کانت المخاوف الکوردية في محلها، فإنه مما لا شك فيه، ان السيد المالکي قد إنساق مع التيار الترکي ـ الايراني المناهض اساسا لکل تطلع کوردي، وقد يکون الامر بمثابة صفقة سياسية على صعيد المنطقة يتطلع من خلالها رئيس الوزراء العراقي الضعيف الموقف سياسيا على صعيد العراق، أن يحصل على ضمانات محددة لتقوية موقفه الداخلي، وهو أمر قد لايکون أبدا بتلك الصورة التي رسمها المالکي في مخيلته رغم إنه لابد من الاشارة الى نقطة هامة وهي أن حکومة المالکي ولکونها حکومة فدرالية فإنها ملزمة بإبلاغ الاطراف الاخرى ولاسيما الطرف الکوردي بفحوى القضية وفي کل الاحوال ليس هناك مايدل على أن بمقدور حکومة المالکي الإيفاء بإلتزاماتها أمام ترکيا من هذه الناحية.
وقطعا أن الاتفاق لو کان في السياق الذي تبتغيه أنقرة، فهذا يعني أن السيد المالکي قد أنهى ربيع علاقاته مع القوى السياسية الکوردية ليجعلها هي الاخرى ضمن الدائرة الرافضة لسياساته و، سار في إتجاه لا يؤدي إلا الى التصادم مرة أخرى مع الکورد وهو أمر قد تکون له تداعيات أکثر من خطيرة ولاسيما في هذه الفترة الحساسة التي تمر بها المنطقة، وإتفاق المالکي مع أدروغان يعني إنه يوافق أيضا على خيار اللجوء لمنطق القوة لحسم الامور مع القضية الکوردية، وهو خيار أثبتت الايام عدم جدواه و خواءه الکامل، لکن هناك نقطة مهمة و جوهرية في الموضوع، وهي الموقف الامريکي من هکذا بروتوکول خصوصا لو فرضنا جدلا بإن هذا البروتوکول يصب في صالح التوجهات العسکريتارية الترکية الذي هو أقوى الاحتمالات، فإن الرأي السائد و الارجح هو ان واشنطن لن تجد فيها ما يفيد إستراتيجيتها الحالية في المنطقة بل وعلى العکس تماما إنه يسير في إتجاه مضاد لها تماما، وهذ الامر بحد ذاته قد يؤدي الى تحجيم أو تأطير هذا البروتوکول في أبعاد محددة.
کما أن الموقف الکوردي وخصوصا موقف السيد رئيس أقليم کوردستان السيد مسعود البارزاني من القضية هو موقف يتطابق مع موقف الشارع الکوردي و لا يختلف عنه قيد أنملة، و السيد البارزاني کما هو معروف عنه دوما، يخالف کل خيارات القوة و العسکريتاريا لحل القضية الکوردية و يدرك هذا الزعيم الکوردي الخبير بالنوايا الحقيقية لأنقرة، بأن قضية ضرب قواعد حزب العمال الکوردستاني ماهي إلا حجة باهتة للإلتفاف على قضية أهم و أکثر حساسية وهي قضية کرکوك التي أشارت بعض الاوساط السياسية المطلعة أن السيد أردوغان قد طلب من السيد المالکي تأجيل مسألة الاستفتاء في قضية کوردستانية کرکوك وهو مربط الفرس بالاساس، وقد أکد رئيس إقليم کوردستان وقبل فترة قصيرة أهمية کرکوك بالنسبة للشعب الکوردي و أعاد للأذهان بأن الزعيم الکوردي مصطفى البارزاني قد ضحى بثورة أيلول من أجل قضية کوردستانية کرکوك و هي إشارة يفهم من مضمونها و توقيتها أن الشعب الکوردي مستعد للتضحية بتجربته السياسية الحالية في سبيل کرکوك لو تطلب الامر ذلك، وهي رسالة واضحة لکل الدول التي تراهن على خيار المواجهة مع الشعب الکوردي، إذ ان القضية ليست في مشکلة حزب العمال الکوردستاني التي طالما عجزت ترکيا عن معالجته بمنطق العقل و الحکمة و لجأت لخيارات لا نتيجة تترجى منها سوى الدوران في حلقة مفرغة. والانکى من کل ذلك، ان الدوائر السياسية الترکية تدرك تماما أن شن الهجوم العسکري الترکي المزعوم ليس بإمکانه أبدا أن يحسم المشکلة، کما ان إتفاق المالکي الاخير مع أردوغان ليس هو بأهم و أقوى من ذلك الاتفاق الذي أبرمته أنقرة مع بغداد أيام حکم الدکتاتور الراحل صدام حسين والذي کان بإمکان القوات الترکية من التوغل الى العمق العراقي لملاحقة عناصر حزب العمال الکوردستاني، وکما أثبتته الايام، فإن ذلك الاتفاق لم يحقق أي حسم لترکيا بخصوص تلك القضية سوى أنه کان بمثابة”جرعة مخدرة”تم حقنها في الضلع الترکي الموبوء و، ماإن تغيرت الاوضاع و الظروف السياسية حتى وجدت ترکيا نفسها مجددا أمام القضية الکوردية ولکن بإختلاف جذري ذلك أن هناك اليوم نوع من التناغم و التفهم الدولي”خصوصا الغربي”مع القضية الکوردية، والذي يجب أن تدرکه ترکيا جيدا هو أن الظروف و الاوضاع السياسية للمنطقة و العالم تسير في سياق يصب دوما في صالح القضية الکوردية و أن المستجدات و المعطيات التي ستجد ترکيا نفسها أمامها في المراحل و العقود القادمة فيما لو أصرت على موقفها المتشنج الحالي من القضية الکوردية سوف تکون أسوأ وقعا بکثير عليها من المستجدات و المعطيات الحالية و ستجد ترکيا نفسها تماما مثل المغرب التي سعت ومنذ عدة عقود الى رفض الاعتراف بالقضية الصحراوية لتجد نفسها أخيرا على طاولة المفاوضات وجها لوجه أمام من کانت لاتعترف أبدا بوجودهم.
ترکيا مهما سعت و حاولت فهي في النهاية ستجد نفسها أمام مسألة”الحل الجذري”و”الواقعي”للقضية الکوردية وان ذلك هو الطريق الوحيد الذي يحسم القضية بصيغة ترضي لا الحکومة الترکية و الکورد فقط وإنما حتى العالم، وبخلافه، فإن ترکيا لن تحقق شيئا سوى زرع الريح لتحصد العاصفة من بعدها، وهو أمر يبدو أن السيد رجب طيب أردوغان يستسيغه حاليا!