الرئيسية » مقالات » أكتب إلى مهدي و ذكريات مهدي وعيون مهدي وضحكات مهدي/الحلقة الثالثة/الأخيرة

أكتب إلى مهدي و ذكريات مهدي وعيون مهدي وضحكات مهدي/الحلقة الثالثة/الأخيرة

من اغتال حلمك وعمرك يامهدي؟؟

في منتصف السبعينات من القرن الماضي بعد أن تخرج مهدي من المعهد الزراعي العالي عام 1973 و إكماله الخدمة العسكرية الإلزامية وبعد عام واحد عُين مهدي موظفاً في محطة البستنة في مركز مدينة الكوت /محافظة واسط خلال تلك الفترة زرت مهدي عدة مرات إذ كان يقيم في فندق (جبهة النهر) الذي يقع في مركز الكوت يطل الفندق على نهر دجلة وكورنيشها وكذلك على ( سدة الكوت )*، والتي تعد من الأماكن الجميلة في المدينة ، يسكن مهدي مع مجموعة من أصدقائه وأصدقائي أيضا ً كانوا من أهل العزيزية وتم تعيينهم في الكوت ، إذ كانت تلك الفترة تعد من الفترات الذهبية في كثرة الحصول على فرص العمل والتعين بيسر وسهولة لقد حصل العديد من أصدقائنا على وظائفهم في الكوت وأذكر منهم الأعزاء ( دعدوش عليوي وإدريس ثامر البطيخ وغازي عليوي القره غولي وعيدان هلال والمرحوم الدكتور رجاء أبو العيس وناصر مهدي الشلال والمرحوم عبد الكريم كاظم ذياب ، و أسماء لم أعد أتذكرها ) لقد كانت أياماً جميلة اقضيها معهم خلال زيارتي ، كنت أذهب في الدوام مع مهدي إلى محطة البستنة مستمتعا ً بمشاهدة مشاتلها ومسقفاتها وزهورها وطريقة تكاثر أشجار الفاكهة والزينة فيها. وكنا بعد الدوام نذهب إلى العديد من الأماكن الجميلة في الكوت مع العديد من الأصدقاء الذين ذكرتهم أبرزها السوق المسكف وسوق العبايجية والعكل وساحة العامل، شارع معمل النسيج وغيرها من أحياء المدينة ،أو الذهاب إلي جانب المدينة الثاني الذي تظهر عليه واضحة علامات الفاقة والفقر والإهمال (مدينة العزة ) بعد ان نقطع سدة الكوت سيرا ً على الأقدام مستمتعين بمشاهدة آلاف الأسماك وبمختلف الأحجام والأنواع وهي تصطف على شكل مجاميع متناسقة كل نوع منها يصطف جنب شبيهه كل الأسماك تكون في إحدى جهات السدة حيث تمنع السدة عبورها للجهة الثانية.


كان مهدي يمتلك علاقة صداقة جميلة مع جميع زملاء عمله من عمال وموظفين . لقد اخبرني وهو في غاية الفرح أنه قد كسب أصدقاء ً للحزب( الحزب الشيوعي ) في موقع عمله وأنهم يتبرعون بشكل شهري ويشترون أدبيات الحزب ومجلته الشهرية ( الثقافة الجديدة ) ، كان مهدي يؤمن بالعمل بين الجماهير و أهمية التنوير الثوري لها، ويعلق أهمية كبيرة على ذلك وكان يؤمن بضرورة الاستفادة القصوى من حالة الديمقراطية الممنوحة للحزب ومناصريه من خلال الجبهة الوطنية والقومية التقدمية للتحرك بين الجماهير رغم عيون ومتابعات الأجهزة القمعية المنتشرة في كل مكان والمتنوعة في أساليبها القمعية المرعبة والماكرة وترصداتها وصلاحياتها في إيقاف أي نشاط ترصده!

كنت أتفق معه على العديد من طروحاته في هذه المسائل الحيوية من العمل بين صفوف الجماهير فبناء قاعدة بين الجماهير والتحسس بمعاناتهم ومشاكلهم وتبني مطاليبهم وحاجاتهم والدفاع عنها بصدق ،هي الأساس في اجتذابهم وكسب مساندهم ودعمهم .
قبل ستة اشهر من كتابة هذه المقالة وبفضل عالم الانترنيت الذي بدء ينتشر في كافة أنحاء العراق بعد انهيار السلطة الغاشمة في نيسان 2003 و تلك السلطة التي حرمت العراق ليس من الإنترنت فقط لا بل حتى من مشاهدة المحطات الفضائية إذ منعت استعمال الديجتال وتنصيبه، ومن ينصبه في محل سكنه أو عمله يعاقب بغرامة مالية والحبس لمدة ستة اشهر ومصادرة الجهاز.
فقبل الأشهر الست من كتابة مقالنا هذا تم الاتصال بوقت واحد بيني من( السويد ) وبين صادق خلف الدبي من أسبانيا ،و الدكتور صلاح مهدي إبراهيم من هنكاريا وناجي كاظم من كندا وبين مجموعة من أصدقائنا في مدينة قضاء العزيزية وكان ضمن الحضور من العزيزية الأصدقاء الأعزاء دعدوش عليوي وحسن حسين الزماخ وسيد سعد الصميدعي وعيسى الخياط وياس خضير وكامل صالح وعيدان هلال، ودارت بيننا أحاديث شتى وقلّبنا ذكريات عديدة وقد سألت صديقنا العزيز أبو أحمد ( دعدوش عليوي ) عن ذكرياته وعن زيارتي لهم في الكوت بتلك الفترة أخبرته بنيتي كتابة مقالة عن رفيقنا العزيز مهدي، صمت دعدوش لحظات ومعروف عنه سرعة النكتة وقوة ربطها بالحدث، فالعزيز دعدوش ، موظف زراعي لكنه ممثل مسرحي قدير مشهود له إبداعاته ونشاطاته المسرحية ، لكن الحظ لم يحالفه للشهرة والإبداع أسوة بحظوظ الآخرين ، تحدث دعدوش بحزن عن فقدان مهدي المأساوي المبكر و اخبرنا انه في تلك الفترة كان عدد كبير من نزلاء فندق جبهة النهر غير منتمين لحزب البعث وكانت عيون الأمن ترصد كل شاردة وواردة، وقد اخبرنا انهم يأتون عدة مرات ( الأمن ) إلى الفندق بعد خروج النزلاء للعمل أو للسهر ويفتشون الغرف وينثرون محتويات الغرفة بشكل متعمد، وكنا (والحديث لدعدوش) في بادئ الأمر كنا نغضب و نحتج على صاحب الفندق طبعا ً لكننا بعد فترة اعتدنا ذلك! وأخبرني انهم عبثوا بمحتويات الغرف جميعها عند زيارتي لهم واستفسروا من أكثر من واحد عن أسباب زيارتي لهم، وهل جلب معه كتب أو أشياء أخرى رغم قضاء معظم وقتنا في السهرات الترفيهية وبمشاركة جميع أصدقائنا الذين ذكرت أسماءهم أعلاه وبمختلف اتجاهاتهم السياسية فقد كنا أصدقاء أحبة قبل كل شيء أو كما يقول المصريون بلدياتي، و أثنى في حديثه على طيبه أهل الكوت ودماثة أخلاقهم وسهولة الاندماج والتعايش معهم .

بعد فترة من عمله في محطة بستنه الكوت انتقل مهدي إلى بغداد،وحصل على زمالة دراسية خارج القطر إلى ( رومانيا ) ليس من زمالات الدولة طبعا ً بل كانت عن طريق زمالات الحزب الشيوعي العراقي ترك الوظيفة و سافر وبدء الدراسة هناك وبعد اكثر من عام جاء لـزيارة العراق لحنينه لوطنه وأصدقائه وأهله ، كان الوضع السياسي في العراق أيام الجبهة الوطنية والقومية التقدمية لم يزل يعيش بعض أيام ازدهارها رغم الرعب اليومي المتواصل والذي كان يرافق مسيرة هذه الجبهة التي خلت من محتواها الاصلي !!
كان الوضع يسمح ان يأتي الطلبة الشيوعيون من الخارج لزيارة بلدهم و أهلهم وأصدقائهم ، وجاء مهدي مع عدد غير قليل من الطلبة الشيوعيين من مختلف البلدان التي يدرسون فيها .
قضى مهدي أجازته بين أهله وأصدقائه وقد حدتني كثيرا ً عن وضعه ودراسته ونشاطه وطبيعة البلد وناسه وعلاقاتهم ومن الأشياء التي لا زلت أتذكرها والتي كان يوصفها لنا حادثة كبيرة حدثت في رومانيا في تلك الفترة ( ضرب زلزال قوي رومانيا ) وكيف انهارت مئات الأبنية وهربت آلاف العوائل إلى خارج المدن في مخيمات أعدت لهم على السريع ،وكيف تطوع مهدي للعمل مع فرق الشبيبة الرومانية لمساعدة المواطنين، وكان يحدثني عن فندق ضخم حديث ذي طراز معماري جميل يشبه (الكتاب المفتوح ) يعد من الأبنية المشهورة في العاصمة( بوخارست ) أخبرني ان الناس هناك كانت تتناقل أخباره إذ ان الفندق العالي مال ذات اليمين و ذات الشمال ولم يتأثر أو ينهار عندما ضرب الزلزال المدمر ( بوخارست ) !!
أكمل مهدي أجازته وحزم أمتعته للعودة لجامعته ودراسته كانت أحلامه وتطلعاته كبيرة كعزيمته ، أودع جوازه إلى مديرية الجوازات لغرض تأشيرة السفر !
بعد عدة ساعات من الانتظار أخبرته دائرة الجوازات أن عليه مراجعة مديرية الأمن العامة ! اخبره ضابط الجوازات انهم أرسلوا جوازه إلى مديرية الأمن بناءا ً على أوامر جديدة صدرت لهم . وأن بإمكانه اخذ الجواز منهم !
كان وقع الكلمات ثقيلا ً على مهدي؛ مراجعة إلى الأمن العامة تعني الكثير من الرعب والخوف والهلع ، لا بد ان هنالك أشياء جديدة تنتظره ، لم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى جاءت الأخبار أن مديرية الأمن العامة أعدت قوائم بأسماء الطلبة الشيوعيين تمنع منحهم موافقة السفر إلى الخارج ، وتبلغ مديرية الجوازات بتحويل جوازاتهم لها وبإمكان طالب التأشيرة مراجعتهم بذلك ؟
أخبر مهدي وبقية الطلبة الحزب الشيوعي بما حدث لهم كانت تعليمات الحزب بأن يذهب ويستفسر عن سبب ذلك !
ذهب مهدي وبقية رفاقه كل على انفراد إلى الأمن العامة كانت تعليماتهم ـ الأمن العامة ـ واضحة وصريحة ومختصرة إذا لم توقع في صفوف حزب البعث لم تحصل على جوازك ؟
وأنت حر في الاختيار ؟
هذا ما اخبرني به مهدي بعد مقابلته السريعة في مديرية المن العامة .
تبنى الحزب الشيوعي موضوعهم وبدء مراجعاته عبر قنواته الرسمية هكذا اخبرني مهدي .
بعد عدة أيام من مراجعته دعاني مهدي بصحبته إلى زيارة أحد البيوت في منطقة ( ……… ) من أحياء بغداد ، لأحد الطلبة من الذين تعرض لنفس مشكلة مهدي عند وصولنا إلى دار صديقه استقبلنا بلطف ودعانا للجلوس كانت مجموعة من الشباب قد جلست حول مائدة في حديقة الدار الأمامية ، كان مهدي قد عرفني على أحدهم قبل فترة إذ كان معه يدرس في رومانيا ،بينما عرفت أحد الأشخاص الجالسين(…………) كانت تربطني به علاقة صداقة أخوية قديمة ! تباحثا فيما بينهم على مدى ساعتين تقريبا ً بقلق واضطراب حول مستقبلهم بعد هذه المفاجئة الكبيرة ، لم تفلح مراجعات ووساطات وتأثيرات الحزب الشيوعي بحل المشكلة، أخبرني مهدي ان قسم من الطلبة قد حصل على جوازه وتأشيرة السفر معه وسافر …. بينما ترك مهدي جواز سفره لدى مديرية الأمن العامة ، لم يتمكن مهدي من الرجوع إلى وظيفته التي تركها وسافر قبل عام ، خلال تلك الفترة بدأت هجمات هنا وهناك تنال منظمات الحزب الشيوعي وكوادره في عموم القطر. مما اضطر مهدي إلى التخفي وعدم الظهور في الأماكن التي كان معروفاً في تردده عليها وخصوصا ً مدينته العزيزية وبيت شقيقته في بغداد . لقد فرضت عليه حياة جديدة بعد ان بددت أحلامه وطموحاته وتطلعاته ، لكن علاقة مهدي ونشاطه لم ينقطع مع الحزب بل زاد ارتباطه به ؛ لقد اخبرني بعد فتره أنه بدء يعمل في إحدى مؤسسات الحزب الشيوعي وقد كيف نفسه وسكنه مع العمل الجديد والوضع الجديد .
زارني مهدي في بداية النصف الثاني من عام 1978 وأنا موفد بعمل من قبل وزارة الزراعة في المنطقة الشمالية ( أربيل ) وبقي بضيافتي عدة أيام ،اصطحبته إلى مدينة مدينة (عينكاوة ) حيث يسكن صديقنا العزيز( اكرم كليانه وعائلته إذ أن زوجته( ماجدولين ) كانت زميلتنا في المعهد الزراعي أيضا ً) وزرنا العديد من مناطق و مصايف أربيل الجميلة، اخبرني مهدي خلالها أخبار غير سارة ومحزنة إذ أن هجمة قوية جدا ً وعلى درجة عالية من البرمجة والتنظيم والاستعداد بدأت تضرب تنظيمات الحزب الشيوعي وخصوصا في المحافظات وان من أول المحافظات التي طالتها هذه الهجمة الشرسة تنظيمات الحزب الشيوعي محافظة واسط والمدن التابعة لها.

صورة رقم 7 **

لم تمض إلا أشهر قليلة حتى اتسعت الهجمة وموجة الاعتقالات والمطاردات وتدخل السلطة الغاشمة بكل ثقلها وقوة بطش ضرباتها تنظيمات الحزب الشيوعي لبغداد !
لف الذعر والهلع الشارع السياسي العراقي، تتناقل الناس الأخبار والإشاعات، الاعتقالات بالجملة المطاردات والتهديد والضرب في الشوارع،أغلقت مقرات الحزب في معظم المحافظات بشكل متسارع،الشيوعيون وأنصارهم ومؤازروهم بصدورهم العارية تحت رحمة من لا رحمة بقلوبهم، تمزقت العلاقات والاتصالات بين الأصدقاء والأحبة والرفاق،خيم الرعب والهلع على الشيوعيين وعموم اليساريين، لم تعد تصلني أخبار مهدي والعديد من أصدقائي . دخلت البلاد في منعطف جديد من الرعب والخوف والتقلبات السياسية المتسارعة “صدام حسين ” يستلم رأس السلطة العراقية، يبطش برفاق دربه عند أول استلامه السلطة، يدخل الحرب مع إيران بعد إلغاء معاهدة 1975 ،الحزب الشيوعي يغادر ما تبقى من مقراته تحت جنح الظلام !
في الثمانينات بينما كانت رحى الحرب تطحن وتدور،بدأت السلطة بواسطة جهاز الأمن بقوانه جديدة ( اسطوانة جديدة ) على الشعب العراقي إذ تقوم بتبليغ أهالي بعض من اعتقلتهم من الشيوعيين بإبلاغ ذويهم بأن ابنكم أو رب أسرتكم أو ابنتكم قد صدر أمرا بإعدامه وهذا تبليغ الإعدام وممنوع عليكم إقامة أي مظاهر للعزاء. كان لوقع الخبر الذي سمعته صدمة عنيفة لي ولكل أصدقاء مهدي! لقد اخبرني شقيقه ناجي بذلك أنهم قد ابلغوه إعدامه وان عليه عدم إقامة أي مراسيم عزاء ولم تسلّم أي جثه مع كتاب التبليغ فمقابر الأمن العامة ومفارم لحوم البشر وأحواض التيزاب متوفرة وكثيرة .
وأنا اكتب مقالتي هذه عنك يا صديقي الحبيب رجعت لقراءة رواية (القلعة الخامسة) للكاتب الكبير الفنان ( فاضل العزاوي) إذ وجدت نسخة منها على إحدى رفوف مكتبة ( روزنكورد في مدينة مالمو السويدية ) ما ان أبصرتها حتى أسرعت باستعارتها وعدت للبيت وحبست أنفاسي مع صفحاته الـ 166 ورجعت أسترجع أحلامنا وأمانينا وتطلعاتنا ، كانت صورتك وصورة العديد من أحبتي وأصدقائي ترتسم أمامي مع كل صفحة وكلمة ! كنت قد قرأت الرواية تلك ورواية أخرى للكاتب عبد الرحمن منيف ( الشرق المتوسط ) مع مهدي وقد تناقشنا عدة مرات بما احتوت الروايتان من أفكار ومواقف مرعبة !
في صيف عام 2002 كنت في عمان أعدت قراءة رواية( الشرق المتوسط ) لـ (عبد الرحمن منيف) ، أن الرواية تصف مأساة الوطنين والشرفاء في شرقنا المتوسط وأي مأساة يتحمل مناضلو شعوب المتوسط من سلطاتهم القمعية الفاشية!
فالكاتب الروائي الكبير والقدير ( عبد الرحمن منيف ) قد أبدع قلمه بوصف صورة أحوال المناضلين ومعاناتهم على أيدي السلطات المستبدة وخير من يصف عن كثب أساليبهم القذرة وبطشهم غير الإنساني والذي يفوق الخيال ، وبالوقت نفسه يصف كيف كانت حياة الوطنيين ومعاناتهم النفسية والجسدية على أيدي سلطات تدعي في إعلامها الماكر التقدمية والإنسانية والقيم والأخلاق،بينما تتلذذ بوحشية بالبطش و زهق الأرواح ! فالكاتب عبد الرحمن منيف كان في قلب المؤسسة البعثية ولديه الصورة الحقيقة لذلك الواقع !
لقد انتابتني وأنا أقرأ رواية ( شرق المتوسط ) موجة عنيفة من الحزن والألم والأسى، لقد أجهشت بالبكاء عدة مرات وأنا أقرأ صفحاتها كانت ذكراك وذكرى العديد من أصدقائي ورفاقي وأحبتي وأقاربي ومعارفي لم تفارقني مع كل سطر خط فيها، أتساءل دوما ً مع نفسي كيف يتحول الإنسان بهذا الشكل المقرف ماسخا ً إنسانيته كيف يتحول إلى حيوان مفترس فتراه بشكل وجسم إنسان لكنه يحمل صفات مرعبة سادي وقاتل وجلاد وظالم وعاهر .
أكيد يا مهدي كان الجلادون يستفزهم صمودك وقوة عزيمتك ، أكيد كانوا كلما شاهدوا مقاومتك يزدادون بذاءة في اللسان وخسة بالوجدان وبشاعة في استخدام أساليب التعذيب والبطش ، كم قاسيت من الألم والرعب وأنت تصمد تحت هراواتهم الثقيلة ، هل كمموا فمك أعرف أنك سوف تبصق على وجوههم الممسوخة أعرف مقدر شجاعتك وعزيمتك أعرف إنها أقوى من أن يرهبها بطش الجلادين وسياط رعبهم !
سوف أكتب لك يامهدي كيف كان وقع خبر إعدامك على أمك وأهلك وأصدقائك
لقد أخبرتني أمي بعد زياراتها إلى والدتك للتعزية :

( يمه هذولي موبس عدموا مهدي عدموا أمه وياه)
( يمه راح تموت من البجي “البكاء ” واللطم …. يمه هاي لاتكل ولا تشرب)

أمك يامهدي لم تغمض عينيها إلا للبكاء والدعاء إذ حتى في الصلاة كان سلواها !
الحزن لم يفارق عينيها و محياها ، لقد ماتت أمك يامهدي وفـي قلبها حسرة كبيرة على رؤياك !
لقد ماتت “رحمها الله” بعد أن قتلها الحزن والأسى الذي جلبه إليها جلادين وقاتلين الإنسـانية !
لقد توفي شقيقك ناجي ” رحمه الله ” وعيناه كانت تراقب الطريق حالما ً يوما ً بعودتـك ولقائك!
لقد كنت أشاهد شقيقتك ( أم هويدا ) عندما كانت تأتي إلى زيارة اهلك في العزيزية موشحه بالسواد حزينة باكية لفراقك !
لقد حزن عليك والدي “رحمه الله ” حزنا ً شديدا ً !

وتمر السنون وأذهب في زيارة إلى رومانيا وحديث مهدي محفوظ في ثنايا الذاكرة لم يبرحها، زرت رومانيا ( وتجولت في عاصمتها بوخارست ) وشاهدت العديد من البنايات المتصدعة الجدران أثر الزلزال الذي حدثني عنه كثيرا ً ووقفت أمام الفندق الضخم العالي الذي حدثني عنه وحزنت لرحيل مهدي حزنا ً عميقا ً. وحدثت نفسي كم كنت تحمل من أحلام وتطلعات ومشاريع يا مهدي.

لكني أعود لأتساءل من اغتال أحلامك وعمرك يامهدي؟

يحيى غازي الأميري
أب 2007
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
*سدة الكوت ، تشير العديد من المعلومات المنشورة على شبكة الانترنيت أن سدة الكوت بدأ العمل بإنشائها سنة 1934 واستمر العمل بها عدة سنوات لحين إنجازها ، تعد سدة الكوت من الجسور الحديثة وكذلك هي سدة للأغراض الاروائية ومكان سياحي هندسي جميل ،تتكون السدة من 56 بوابة كبيرة تعمل بشكل هيدروليكي .

** صورة رقم 7 في صيف 1978 في إحدى مناطق اربيل ، الواقف الشهيد مهدي الخزرجي ، ثم الجلوس صديقي العزيز وكان معي في الإيفاد المنهدس الزراعي (ورتان دكران دكروف)، ثم العزيز ( كاكه تحسين من أهالي أربيل ) صاحب سيارة أجرة كنا قد استأجرنا سيارته طوال فترة الإيفاد ، ثم يحيى غازي .