الرئيسية » مقالات » هل من حل عملي للأزمة السياسية العراقية ؟

هل من حل عملي للأزمة السياسية العراقية ؟

وصلتني رسائل إلكترونية ونداءات هاتفية من أصدقاء ومعارف أو من أخوة لا أعرفهم تساءلوا عن وجهة المعالجة الأخيرة التي طرحتها في مقالي الموسوم : هل يمكن إنقاذ الحكومة العراقية الراهنة من السقوط ؟
وما المقصود في المؤتمر العراقي الذي دعوت له بمساعدة السكرتير العام للأمم المتحدة السيد كي مون. المشكلة الأساسية في العراق تبرز حالياً في ثلاث نقاط تستوجب المعالجة الجادة والسريعة , إذ أن استمرارها يقود إلى عواقب أوخم مما وصل إليه الوضع حتى الآن , خاصة وأن شكوى الناس بدأت تتفاقم من عجز الحكومة عن معالجة القضايا التي التزمت بها منذ بدء تكوينها. ولا شك في أن هذا العجز ناتج عن عجز القوى والأحزاب السياسية والكتل النيابية في الوصول إلى اتفاق عام حول القضايا التي يفترض أن يتم الاتفاق عليها والسعي التام لمعالجتها.
1. غياب تام للثقة المتبادلة بين القوى والأحزاب السياسية. وكلمات المجاملة التي تنطلق من هذا الشخص أو ذاك لا تخفي حقيقة انعدام الثقة المنشودة والتصرفات السياسية في ضوء ذلك.
2. العجز عن التفكير في مبدأ المواطنة المشتركة والمصالح المشتركة للمجتمع العراقي, بل الانطلاق من رؤية ذاتية لمصالح محددة من جانب القوى والأحزاب السياسية التي تجسد مصالح القوميات أو الأديان أو المذاهب.
3. العجز لدى جميع الأطراف تقريباً في أن تكون لهم أذاناً صاغيةً للطرف الأخر والاستعداد للتفاوض والحوار والتنازل أو المساومة للوصول إلى أهداف مشتركة.
ولا شك في أن القوى الإقليمية والدولية تلعب دورها الضار في المرحلة الراهنة في دعم الجهود المنشودة للوصول إلى وحدة الأهداف التي يفترض النضال من أجلها من جانب المجتمع وقواه وأحزابه السياسية , كما أن استراتيجية الولايات المتحدة وأجندتها تختلف تماماً عن استراتيجية وأجندة العراق , سواء على الصعيد الداخلي أم على صعيد الدول المجاورة , وبالتالي يستحيل على الولايات المتحدة أن تفكر من منطلق مصالح العراق , بل هي تنطلق من مصالحها الدولية والإقليمية, في حين أن العراقيين يعيشون في المنطقة ويحتاجون إلى رؤية عراقية تعبر عن مكوناتها القومية , إضافة إلى رؤية عربية وإقليمية بسبب المحيط الذي يعيش فيه تساعد في الوصول إلى رؤية واضحة وتحصد نتائج إيجابية.
إن هذه الملاحظات دفعتني إلى طرح المقترح التالي , وهي من حيث المبدأ تصب في الوجهة التي تدعو إلى خلق تحالف سياسي واسع ومتين لكل القوى المعتدلة التي تجد في العراق وطناً مشتركاً لها , وتجد في مصالح الشعب كله هي الأساس المادي لنضالها المشترك , وهي :
” عقد مؤتمر وطني عراقي يعقد في دولة أخرى خارج العراق تحضره جميع القوى والأحزاب السياسية العراقية التي تريد المشاركة فيه وتسعى للعمل السياسي أولاً , وأن هذا الاجتماع يتم عقده بمساعدة الأمم المتحدة بشخص أمينها العام , إذ تم صدور إيجابي من مجلس الأمن الدولي بتعزيز دور الأمم المتحدة الجديد والمتنامي في مساعدة العراق للخروج من أزمته الداخلية ومع جيرانه عبر مجلس الأمن الدولي ثانياً. وأن دور الأمم المتحدة يكمن في قدرتها على إيجاد صيغ تساومية مناسبة للمشكلات القائمة لكي يتم الاتفاق عليها والتي عجز العراقيون حتى الآن الوصول إليها بسبب سيادة الذهنية الطائفية التي تهيمن على القوى والأحزاب السياسية الإسلامية أو غيرها من القوى في العراق ثالثاً”.
من هنا يتبين أن المؤتمر ليس دولياً ولكن يتم بمساعدة الأمم المتحدة مباشرة باتجاه التوسط بين الأطراف وعبر الأمين العام مباشرة وليس عبر الأخضر الإبراهيمي الذي كانت له أجندته القومية الخاصة أيضاً في العراق تختلف عن أجندة المجتمع العراقي.
من هنا يتبين بأن الاختلاف الموجود بين مقترح السيد رئيس الجمهورية على أهميته , وهذا المقترح يبرز في نقطتين مهمتين , وهما:
1. إن مقترح السيد رئيس الجمهورية يدعو إلى اتفاق بين مكونات الشعب القومية والطائفية , أي الكُرد والشيعة والسنة , ويفترض أساساً بأن الائتلاف العراقي يمثل كل الشيعة , وأن التوافق العراقي يمثل كل السنة , وهو افتراض غير واقعي. وبعد أن يتم الاتفاق بين هذه الأطراف يبدأ السعي إلى توسيع قاعدة القوى المعتدلة , في حين أن القوى الأولى ليست كلها قوى معتدلة.
2. إن الاجتماع يراد له أن يعقد في العراق , وقد ثبت خلال السنوات الثلاث المنصرمة عجز العراقيين أنفسهم عن الوصول إلى نتائج إيجابية , وبالتالي فنحن بحاجة إلى دور شخصية دولية ورؤية قادرة على تقريب وجهات النظر وتقليص نقاط الاختلاف وطرح برنامج مشترك للجميع. وهذه الشخصية هي الأمين العام للأمم المتحدة.
ليس هناك رئيس وزراء في العالم يرغب بالفشل , إلا إذا كان غير واعٍ لواقعه ومتعالياً حتى على نفسه , وهو ما عرفه الشعب في فترة سابقة بعد سقوط النظام. إلا أن المالكي ربما ليس كذلك وأرجو أن يكون غير ذلك وغير رئيس حزبه , ولكن الرجل غير قادر على جمع الأضداد أولاً , وعاجز عن الفكاك عن القوى التي تقيده ثانياً , والمستشارين الذين عينهم زادوا في تعقيد وضعه بدلاً من مساعدته ثالثاً , إضافة إلى كونه غير قادر عن الخروج من جلده المذهبي بسبب عضويته في حزب الدعوة , الذي تأسس بالأساس على أساس مذهبي وطائفي سياسي , خاصة وأن الدكتور الجعفري دخل في تحالف معروف مع التيار الصدري وميليشيات جيش المهدي التي تسنى لها ولغيرها في فترة حكمه التغلغل إلى جميع أجهزة الدولة العسكرية ووزارة الداخلية والأجهزة الأمنية.
إن أهمية مقترح السيد رئيس الجمهورية من حيث المبدأ تكمن في دعوته إلى اتفاق أساس المواطنة العراقية بعيداً عن الطوائف , ولكن دعوته لعقد الاجتماع الأول على أساس الطوائف يعرقل الدخول الإيجابي في الموضوع الذي يراد معالجته , أي بعيداً عن المحاصصة الطائفية التي ابتلى بها العراق.
أتمنى أن يدرس هذا المقترح لأنه لا يسعى إلى تدويل القضية العراقية المدولة أصلاً من خلال وجود قوات دولية كثيرة في العراق ومن خلال القرار الأخير الذي اتخذه مجلس الأمن الدولي بتنشيط دور الأمم المتحدة في المصالحة الوطنية وفي العلاقات مع الدول المجاورة للعراق , بل حصرها بالعراق مع تنشيط دور الأمم المتحدة لطرح حلول عملية للمشكلات المعقدة.