الرئيسية » مقالات » الحقوق والحريات النقابية وقرار 150 لسنة 1987 السيئ الصيت

الحقوق والحريات النقابية وقرار 150 لسنة 1987 السيئ الصيت

( أصدر النظام السابق القرار المذكور أعلاه ولم يصدر على حد علمي أي قرار أو قانون يلغي هذا القرار المجحف قبل أو بعد سقوطه واحتلال العراق بينما أكده في الوقت الحاضر مدير المكتب الإعلامي في وزارة النفط عندما أشار لوفد النقابة لا يوجد عمال بل موظفين ).

الحريات والحقوق النقابية تعتبر بالنسبة للعمال الرئة التي يتنفسون من خلالها ويعتبرونها القناة الممكن ولوجها للدفاع عن مصالحهم وحقوقهم الطبيعية وما تحقق من منجزات ومكاسب جاء عبر نضال العمال في العالم وتضحياتهم وتطور إمكانياتهم السياسية والنقابية وتأثيرهم على سير الأحداث والتطورات الجارية وأفاق تطورها نحو الأحسن في المستقبل المنظور كما أن نضال العمال افلح في تشريع القوانين المحلية التي تعترف بحقوقهم في التنظيم النقابي وتأسيس نقابات خاصة بهم أما على الصعيدين العربي والعالمي فقد تمخض نضالهم ونضال البشرية التقدمية عن وضع العديد من الاتفاقيات الإقليمية والدولية ، فالاتفاقية العربية رقم ( 8 ) لعام 1977 الخاصة بالحقوق والحريات النقابية ، والاتفاقية الدولية رقم ( 87 ) لعام 1948 حول حق التنظيم وحمايته ، والاتفاقية الدولية رقم ( 98 ) لعام 1949 حول حق التجمعات جميعها تدل على مدى الاهتمام بالحقوق والحريات والتنظيم النقابي العمالي ولمجرد التدقيق في هذه الاتفاقيات وبنودها سيجد القارئ في تفاصيلها ومفرداتها التأكيد على الحقوق المشروعة بشكل واضح لا لبس فيه ولا دوران، ويعد التجاوز على هذه الاتفاقيات وما جاء في بنودها من أية جهة كانت خرقاً فاضحاً للحقوق والحريات الديمقراطية والنقابية، لكننا وعلى الرغم من ذلك نجد أن الخرق لهذه الاتفاقيات وحتى البعض من الدساتير والقوانين المحلية التي تؤكد على حقوق العمال في التنظيم النقابي مستمر وبشكل صارخ حيث يجري التدخل السافر في شؤون العمال لتحجيم التنظيم ومحاولات لشقه وبذر الخلافات داخله وتنفيذ سياسة العصا الغليظة لإرهاب العمال واستخدام أبشع الطرق العنفية عند الإضراب والاعتقال من تعذيب جسدي ونفسي علاوة على استخدام سياسة الأغراء والرشوة لشراء بعض الذمم المريضة.

لقد عانى العمال كما يقال الأمرين في العراق وما زالوا يعانون طوال عهود طويلة من التجاوز الحكومي السلطوي والحزبي وغيبت حقوقهم وخرقت باستمرار مبادئ الديمقراطية النقابية لصالح الدولة وسلطتها السياسية وحزبها القائد ولم تكتف السلطات باستخدام القوة والعنف ومؤسساتها الأمنية فحسب بل استخدمت أساليب التزييف وتزوير الانتخابات للسيطرة على الاتحاد والنقابات التابعة له وجعلها مؤسسات تابعة بهذا الشكل أو ذاك لها فضلاً عن إصدار القوانين والقرارات المجحفة وكانت فترة حكم البعثصدامي من أسوء الفترات وأسودها في تاريخ العراق الحديث ففي هذه الفترة بالذات وبخاصة بعد انقلاب 17 تموز 1968 صدرت العديد من القوانين والقرارات التي تحجم وتعيق العمل النقابي وتتدخل في شؤون العمال ومصادرة ارداتهم وحقوقهم النقابية والسياسية ولقد أصبحت تلك القرارات معيقة للعمل النقابي وبهذا الصدد نشير إلى القرار رقم ( 150 ) لعام 1987 دون غيره لأنه وبموجبه حل الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق وألغى قانون العمل المرقم ( 151 ) لعام 1970 وألغى التمثيل النقابي في قطاع الدولة بحجة مضحكة تسميتهم ” بالموظفين حتى يستطيعوا أن يتزوجوا لأن الفتاة وعائلتها لهم موقف من أسم العامل ويستنكف منه بينما يتم قبول الموظف إذا جاء لخطبة الفتاة**”

إن القرار ( 150 ) لعام 1987 يعد كارثة حقيقية أصابت التنظيم والحركة النقابية والعمال العراقيين وهو قرار لم يصدر مثيله على الأقل في الثلثين الأخيرين من القرن العشرين وهو قرار سلطوي تعسفي قسري بواسطته حل التنظيم النقابي في قطاع الدولة وألغى صفة العمال لكي يطمس نضالهم الطبقي والوطني ومحاولة لشق الطبقة العاملة والتمييز فيما بينها بعدما سيطر على تنظيماتها وجيرها لصالح السلطة وصالح حزبها.

على ما يبدو أن هذا القرار ما زال يفعل فعله في الوقت الراهن أو على الأقل تتخذ إجراءات وقررات وكأنه باقي وغير ملغى ولم نستغرب حينما قام الجعفري عندما كان رئيساً للوزراء بتجميد أموال اتحاد النقابات أو تهديدات رئيس الوزراء المالكي لعمال نفط البصرة باستعمال الجيش والشرطة لاعتقالهم وفض إضرابهم واعتبار نقابتهم وتنظيمهم النقابي غير شرعي وكذلك ما صدر من تصريحات وإجراءات لوزير النفط حسين الشهرستاني حول عدم شرعية التنظيم النقابي في المجال النفطي أو بعض القرارات ومنها حسب ما أشيع نقل رئيس نقابة تعبئة الغاز في البصرة حسن حمود مالك إلى الشمال كعقوبة له بسبب الطلبات التي قدمتها النقابة لاحتساب أرباح وأجور عملها ولقد ظهرت حقيقة الموقف العدائي لوزير النفط في بيان أصدرته النقابة العامة لعمال ومستخديي النفط حيث أشار أن وفد النقابة الذي قابله حسيب الصدر مدير عام المكتب الإعلامي في الوزارة بدلاً من الوزير قال لهم ” أن السيد الوزير لا يلتقي بأي وفد يمثل التنظيم النقابي في القطاع النفطي أو غيره وليس من حق العمال تشكيل نقابة لهم لان هناك قانون يجيز ذلك ” وهي إشارة واضحة إلى القرار ( 150 ) لسنة 1987 السيئ الصيت كما اخبرهم ” لا يوجد في الوقت الحاضر أي عمال في القطاع النفطي بل جميعهم موظفين ” فضلاً عن ما قامت به القوات الأمريكية من اعتداءات واحتلال مقر اتحاد عمال العراق تحت حجج غريبة وباطلة.

من هذا المنطلق وموقف وزير النفط الذي جاء على لسان المدير العام الإعلامي للوزارة نسأل ـــ هل السيد المالكي والحكومة الراهنة مازالوا يعتبرون التنظيم النقابي غير شرعي في قطاع الدولة وفق القرار 150 ؟ وإذا لم يكن فهل صدر قرارا آخر ( لا تقولوا هناك نصوص في الدستور تحمي العمال وحركتهم النقابية وهذا يكفي ) ألغى القرار المذكور ؟ وإذا لم يصدر لماذا لا يجري إلغائه وهو لن يكلف من الوقت أو المال أي شيء؟ ثم أليس من المضحك المبكي أن يطبق وزير النفط قراراً تعسفياً صدر في زمن قال عنه الوزير بعد خروجه من السجن ” دكتاتوري معادي لحقوق الإنسان” واستهجن من قبل لجنة الحقوق والحريات النقابية العربية ومن قبل منظمة العمل الدولية ومن الاتحاد العام لنقابات العمال العرب واتحادات عمالية تظم عشرات الملايين من العمال كما استنكرته أكثرية النقابات والتنظيمات السياسية العربية والدولية

إن بقاء الصمت أو عدم الاهتمام بالكثير من القرارات والقوانين المجحفة التي صدرت في تلك الفترات السابقة حالة غريبة جداً والتي يجب أن تلغى أو تستبدل بقوانين وقرارات سليمة تخدم المواطنين العراقيين ومصالحهم بالدرجة الأولى ومنها على الأقل وضع قانون جديد للخدمة المدنية الذي مازال معمول به منذ أواسط الثلاثينيات وقد يتصور المرء الفرق الشاسع بين تلك الحقبة التاريخية والوقت الراهن والفرق الكبير بين الحياة الاقتصادية والمعاشية وما عليه الآن أو توحيد قوانين التقاعد أسوة بدول العالم المتحضر لأن قانون التقاعد والضمان الاجتماعي بالنسبة للعمال قانون غير طبيعي ولا يمنح العمال حقهم كما هو الحال بالنسبة لموظفي الدولة والمختلط والتعاوني والجميع يعرف أن العمال هم العامود الفقري للإنتاج الصناعي والزراعي وغيرهما ويستحقون الحصول على حقوقهم السياسية والنقابية والاقتصادية كاملة اسوة بالباقين، أم أن البعض من المسؤولين الجدد يصاب بعسر الهضم لمجرد سماعهم ذلك ؟.

نقول بكل صراحة لوزير النفط ومن يفكر مثله العمال هم العمال وليسوا موظفين وهذا لا ينتقص من الموظفين وهم مسحوقين أيضاً وان القرار ( 150 ) لا يمكن تطبيقه إلا في حالة واحدة أن يعيدوا العراق إلى 1987 وعند ذلك سنتذكر بعدها مكان وزير النفط وسيتذكر الوزير مكانه السابق.

** حديث لصدام حسين في التلفزيون العراقي بخصوص القرار