الرئيسية » التاريخ » الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933) الحلقة الثانية

الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933) الحلقة الثانية

ادت البعثات الدراسية إلى الخارج دورا مهما في بلورة الوعي لدى الفئة المثقفة العراقية بوجه عام، ففي غضون الفترة الممتدة بين عامي 1872 و 1912 بلغ عدد الطلاب العراقيين الذين تلقوا تعليمهم في اسطنبول مايقرب 1400، تخرج قرابة 1200 منهم من المدارس العسكرية، وانخرطوا في الجيش العثماني. ضمت هذه البعثات عددا غير قليل من المثقفين الكورد من امثال اسماعيل حقي شاويس وتوفيق وهبي ومحمد امين زكي وماجد مصطفى واسماعيل حقي بابان ومصطفى باشا يامولكي ومعروف جياوك وغيرهم، ممن ادى العديد منهم دورا بارزا في مجلس الامة العراقي في عهد الملك فيصل الاول بوصفهم نوابا عن المناطق الكوردية، منهم محمد امين زكي الذي لا يبارى في هذا الامر.
هكذا تكونت الفئة المثقفة الكوردية في اواخر العهد العثماني صغيرة بحجمها، كبيرة بنوعها، وان مجرد ظهورها ينطوي على اهمية خاصة بالنسبة لموضوعنا، لان معظم النواب الكورد في المجلس التأسيسي، ومن ثم في مجلس النواب في عهد الملك فيصل الاول كانوا ينتمون إلى هذه الفئة تحديدا. وكان هؤلاء روادا في فهم مفاهيم الحرية والدستور والبرلمان، الامور التي كانوا يتوقون اليها بشغف وشوق دون ان ينالوا منها سوى النزر اليسير في العهد العثماني، شأنهم في ذلك شأن مثقفي معظم الشعوب غير التركية.
على مدى حقبة طويلة من الزمن كانت الصحافة تمثل الاداة الرئيسة للتعبير عن افكار المثقفين الذين بدأوا يدركون بان الصحافة الحرة تجعل الحكام خدام الامة لا سادتها. قال جيفرسون بهذا الخصوص: ” إنني افضل ان اعيش في بلد ليس فيه قانون وفيه صحافة حرة، على ان اعيش في بلد ليس فيه صحافة حرة وفيه قانون”.الفت الصحافة الرسمية في العهد العثماني اول منبر، ولو محدود للتعبير عن اراء الكتاب والمفكرين، فان جريدة “الزوراء” هي اول مطبوع عراقي تحدث عن الثورة الفرنسية، وعن مفردات كانت غريبة عن ذهن الجميع، مثل الجمهورية والديمقراطية والاشتراكية، مما تحول إلى اول تعبير بسيط عن الصراع والتناقض بين المثقفين العراقيين والسلطات العثمانية. وفي هذا السياق نشير الى ان “كوردستان” هي اول جريدة كوردية اصدرها المثقفون الكورد في 22 نيسان 1898 في القاهرة بعد ان يئسوا من امكانية اصدار جريدة كوردية في العاصمة اسطنبول، وقد كانت الجريدة تصل إلى مختلف مناطق كوردستان عبر سوريا. وكان يصل إلى المناطق الكوردية اكثر من الف نسخة من مجموع ثلاثة آلاف نسخة كانت توزعها الجريدة على وفق معطيات بعض المصادر.
تصدى المثقفون الكورد للسلطات العثمانية بوضوح، وانتقدوها انتقادا لاذعا، منهم حاجي قادري كويي الذي دعا بؤساء كوردستان “ليفيقوا من غفوة الجهل والكسل ويهزموا الروم إلى اسفل السافلين”. وكان للمثقفين الكورد ملاحم شعرية تظهر فيه مساوئ الحكم العثماني، مثل الملحمة الشعرية التي الفها عبد الحق صا حب قران، مما ترك اثرا واضحا في نفوس المثقفين الكورد. وهناك من المجددين العراقيين من ينتمون إلى ارومة كوردية، لكنهم ابدعوا بلغة الضاد منهم الزهاوي الذي انتقد شخص السلطان عبد الحميد الثاني عام 1898 قائلا فيه:
ايأمر ظل الله في ارضه بما                       نهى الله عنه والرسول المبجل
فيفقر ذا مال وينفي مبرءا                        ويسجن مظلوما ويسبي ويقتل

انتقدت الصحافة الكوردية بدورها مؤسسات الدولة القمعية، كما فعلت “كوردستان” بالنسبة لما عرف بـ “فرسان الحميدية” التي وصفتها بكونها “مؤسسة فاسدة”. ولم تكن النخبة الكوردية في العراق بمعزل عما تنشره الصحافة العربية، بما في ذلك “الزوراء” التي كانت اعدادها تصل إلى مناطق كوردية نائية، مثل راوندوز وغيرها. وينطبق القول نفسه على الصحافة العربية التي كانت تصدر في الخارج، منها صحيفة “الجوائب” التي انشأها المجدد العربي المعروف احمد فارس الشدياق وقد اثنى على “الجوائب” الاديب والشاعر الكوردي طه السنوي كانت هناك مراسلات ادبية وثقافية بين المثقفين الكورد والمتنورين من العالم الاسلامي امثال جمال الدين الافغاني. كما جرت مراسلات بين الشاعر رضا الطالباني وشاعر الحرية نامق كمال.
انعكاسات ثورة الاتحاديين على تطور وعي النخبة الكوردية:
تؤشر ثورة الاتحاديين في العام 1908 بداية مرحلة جديدة في سياق التطور الفكري والسياسي للشعب الكوردي، شأنه في ذلك شأن جميع الشعوب الداخلة في الامبراطوية العثمانية المترامية الاطراف. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال حالة الازدهار التي عاشتها الصحافة الكوردية كما ونوعا، ففي غضون العقد الاخير المتبقي من العهد العثماني صدرت اكثر من اثنتي عشرة صحيفة كوردية عبرت عن هموم الكورد وطموحاتهم. ولا يخلو من مغزى ان نشير بهذا الخصوص إلى ان العثمانيين انفسهم بدأوا لاول مرة يخاطبون الكورد بلغتهم القومية من خلال جريدة رسمية اصدروها في تلك المرحلة. ومما يلاحظ ان اغلب الصحف الكوردية التي صدرت في اواخر العهد العثماني كانت تهتم بالادب الثوري الكوردي، وكانت تسعى دوما لاثارة مشاعر الكورد من خلال نشر اشعار وافكار رائد الفكر القومي الكوردي احمد خاني بصورة خاصة. وينبغي علينا ان نشير هنا إلى ان عددا من المثقفين الكورد الذين عملوا في مضمار الصحافة يومذاك دخلوا فيما بعد مجلس النواب العراقي، منهم النائب في عهد الملك فيصل الاول معروف جياوك الذي اصدر قبل الحرب العالمية الاولى بمدة جريدة “الحقوق” .
هزت العديد من الاحداث الخارجية ذهن المثقفين الكورد في اواخر العهد العثماني، والتي اصبحت حديث المجالس الخاصة والصحف اليومية، فقد تحول انتصار اليابان الآسيوية، ومن ثم القيام بوجه استبداد روسيا القيصرية إلى حديث الصحف الكوردية، فنشرت صحيفة “بانك كورد” (نداء الكورد) في احد اعدادها ما يلي: “اليابان، ماذا كان هذا الشعب الصغير؟، والله ان لم يكن شئ، إلا انهم بفضل سعي وتقدير قيمة الوقت هزموا دولة عظيمة كروسيا””. وقد اسهمت احداث اخرى في دول الجوار او ما وراء الجوار في التأثير على اذهان الفئة المثقفة، مثل الثورة الروسية في العام 1905، والثورة الدستورية في بلاد فارس 1905-1911 التي تابعت وقائع احداثها الصحف العراقية اولا بأول، والثورة كانت ضد نظام استبدادي، ومن اجل الدستور والبرلمان. والاهم من ذلك هو ان الكورد انفسهم لم يكونوا بعيدين عن احداث تلك الثورة، فانهم توزعوا في سياق استقطاب طبيعي، بين مؤيد متحمس لها، حمل السلاح من اجلها وبين معارض لها، حمل السلاح ضدها.
وكان لثورة الاتحاديين في تموز 1908 الاثر المباشر الاكبر على ذهن المثقفين في كل الامبراطورية العثمانية، بما في ذلك الفئة المثقفة الكوردية، وذلك بحكم طبيعة الثورة واهدافها ونتائجها الايجابية المبكرة، والسلبية المتأخرة، ولكونها حدثا داخليا بوصف كوردستان جزءا من الامبراطورية العثمانية. علاوة على ذلك كله فان اثنين من المثقفين الكورد كانوا من المؤسسين الاوائل لجمعية الاتحاد والترقي، هما اسحاق سكوتي من ديار بكر، وعبد الله جودت محمد عربكير، اضافة إلى اسماعيل حقي بابان الذي اندمج، بعد تخرجه من كلية الحقوق عام 1902، واسهم في نشاط الجمعية بشكل ملحوظ، والاهم من هذا الشعارات التي رفعها الاتحاديون في مؤتمرهم الذي عقدوه في الثاني والعشرين من ايلول 1909، والتي دفعت الكثير من المثففين إلى دعم ومساندة الاتحاديين لما انطوت عليه من عهود معسولة، وتأكيدات على المساواة والديمقراطية والحياة البرلمانية، ويظهر هذا بوضوح من خلال الصحف الصادرة في ذلك الوقت، والتي كانت تصدح بالمديح والثناء للاتحاديين.
رحب معظم المثقفين العراقيين من عرب وكورد بالثورة الاتحادية في البداية بحرارة، بمن فيهم معظم الذين دخلوا المجالس التشريعية العثمانية والعراقية لاحقا، فبعد ايام قلائل من قيام الثورة الاتحادية قام كل من جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي بالتجوال في احياء بغداد، وشرحا للناس معنى الدستور، والاسباب الموجبة لاحيائه من قبل قادة الثورة. ويبدو ان الشعارات التي رفعوها، “حريت، عدالت، مساوات”، قد تركت الاثر الواضح في افكار الفئة المثقفة الكوردية، مما دفع العديد من المنتمين اليها إلى الدفاع عن الثورة، ووقفوا في خندق المواجهة ضد القوى التي عارضت الدستور والحياة البرلمانية، فقد وقعت اول مواجهة من هذا النوع عندما وصل وفد من “جمعية الاتحاد” ضم ثلاثة من المثقفين الكورد هم كل من حمدي بابان والدكتور ثريا بدرخان وعمر بيك، وقد جلبوا معهم مقالات مطبوعة توضح الثورة واسبابها.
وعندما لم تتحقق احلام المثقفين الكورد انقلبوا، من مؤيدي الاتحاديين إلى معارضين لهم، حالهم في ذلك حال ابناء جميع القوميات غير التركية، مع العلم ان بعض الاوساط الكوردية المحافظة قد وقفت منذ البداية ضد الاتحاديين. كانت السياسة الطورانية المتعصبة التي انتهجها الاتحاديون بعد انتصار الثورة بمدة وجيزة قد ولدت خيبة امل كبيرة لدى المثقفين الذين ادركوا بسرعة حقيقة سياستهم القائمة على اساس التتريك، فضلا عن استبدادهم الذي دفع العديد من العراقيين الى تفضيل عهد عبد الحميد الثاني على عهد الاتحاديين، فقد قال احد الشعراء بهذا الصدد قولا معبرا:

كان عبد الحميد بالامس فردا                فغدا اليوم الف عبد الحميد

لقد ترتب على السياسة المركزية التي تبناها الاتحاديون من بطش وارهاب وتنكيل نتائج غير اعتيادية، انهم لجأوا، بالنسبة للكورد تحديدا، إلى اسلوب من التعامل لم يعهدوه من قبل، مما طال حتى الممثلين الكورد في مجلس المبعوثان من امثال حسن بدرخان وحسين بدرخان، فقد تعرضا للاعتقال والتعذيب، وفقد الاول منهما السمع تحت وطأة التعذيب على حد رواية الصحفي الفرنسي كريس كوجيرا. ولقد تحدث بله ج شيركوه بشئ من الاسهاب عن السياسة الشوفينية التي مارسها الاتحاديون في كوردستان، بما في ذلك مطاردة زعمائهم، وتشريد الناس من ارض آبائهم، واساليب اخرى جاءت على طرفي النقيض مع وعودهم، وعهودهم التي بشروا بها قبل الثورة.
ولا ينكر، مع ذلك، ان ثورة الاتحاديين اسهمت بصورة مباشرة في تطور وعي النخبة في صفوف جميع القوميات غير التركية في الامبراطوية العثمانية، بما في ذلك النخبة الكوردية التي استيقظت، وتحركت بدورهما باتجاه يتوافق مع روح العصر، وبدأت تستوعب بصورة افضل من السابق مغزى الدستور والحياة البرلمانية والعمل الفكري والسياسي المنظم، فانصبت الدعوة إلى الحقوق القومية التي تبناها قبل الثورة البدرخانيون، وشعراء مجددون من امثال الحاج قادر كويي في مجرى جديد. وفي هذا السياق ترك التدخل الواضح والسافر اثرا في انتخابات المؤسسة التشريعية، وبعض المؤسسات المحلية من جانب الاتحاديين، مما تحول إلى نهج ثابت في سياستهم، ترك اثره الواضح في نفوس الناس عموما، والمثقفين خصوصا مما ادى إلى بلورة وعي سياسي من نوع آخر في اذهان الفئة المثقفة، انعكس على باكورة تاريخ الحياة النيابية في العراق، فقد بدأ الوعي القومي والسياسي لدى المثقفين العراقيين من عرب وكورد، كما لدى غيرهم من ابناء القوميات العديدة الداخلة في الامبراطورية ينصب في مجرى منظم منذ اواخر العهد العثماني. فقد انشأ عدد من المثقفين الكورد، ومنهم شريف باشا من السليمانية، اول ناد سياسي في اسطنبول عام 1908، وبدأ اولئك المثقفون اصدار جريدة “التعاون والترقي” الكوردية، وكان من اهداف النادي الاهتمام باللغة والادب القوميين، وتعميم الثقافة على اساس تعليم الفرد.
كان للطلبة الكورد نصيب وافر من تلك الجمعيات، وابرز تلك الجمعيات هي “كورد طلبة هيفي جمعيتي” (جمعية هيفي-الامل-للطلبة الاكراد) التي تعد واحدة من انشط الجمعيات الكوردية في تلك الحقبة، فقد استطاعت ان تنشأ لها فروعا في عدد من المدن الاوربية. وقد ساهم عدد من المثقفين الكورد في تأسيس نوادي سياسية وادبية في بغداد والموصل ومناطق اخرى. ولم يكن المنتمون إلى النخبة الكوردية بعيدين عن التنظيمات الفكرية والسياسية غير الكوردية، ولا سيما العربية والتركية المعارضة للاتحاديين، ومن ابرزها “حزب الحرية والائتلاف” الذي كان يضم في صفوفه عددا من المثقفين الكورد، منهم صالح يوسف الملي الذي سافر إلى باريس مع وفد الحزب لوضع منهاج الحكم اللامركزي. كما ادى النائب الكوردي لطفي فكري دورا متميزا في “حزب المجدد”، المعارض ايضا للاتحاديين، في كانون الاول، 1912. وادى مصطفى ذهني باشا الذي كان من الاداريين الكورد المعروفين، دورا مشابها بانتمائه إلى تنظيم اخر كان يدعو بدوره إلى “اللامركزية العثمانية”.
ومنذ ذلك الحين بدأت الصحافة العراقية تتحدث عن فوائدها ودورها المتميز في تطوير اذهان الناس، ووعيهم السياسي والاجتماعي، الامر الذي لا بد ان يكون قد ترك بعض الاثر في النخبة الكوردية التي لم تكن بعيدة عن الصحافة تلك. ومما له مغزاه الكبير بهذا الخصوص ان “الزوراء”، اول جريدة في تاريخ الصحافة العراقية، اشارت بنفسها، وفي وقت مبكر، إلى ان عدد المشتركين فيها من مدينة رواندوز وحدها بلغ تسعة وعشرون شخصا في حزيران العام 1878. ولا بد ان هذه النسبة قد ارتفعت في عموم المنطقة الكوردية مع ظهور الصحافة غير الرسمية في العراق بعد انتصار ثورة الاتحاديين، خصوصا وانها بدأت بمعالجة امور كانت تهم المثقف الكوردي ايضا. فبالنسبة للتنظيم والجمعيات نشرت صحيفة “صدى بابل” مثلا، مقالة بعنوان “فوائد الجمعيات” قالت فيها: “ليعلمن القوم ان تلك الجمعيات في هذا العصر عصر الحرية، مع قلتها فهي متباينة الآراء، مختلفة الاذواق، بحسب ميول مؤسسيها… والامر المحتاج اليه واحد هو التقدم والنجاح”. ان مثل هذه الامور لا بد وانها مهدت السبيل امام النخبة الكوردية لاستيعاب مغزى الحياة النيابية وضرورتها بصورة افضل.