الرئيسية » مقالات » كورد سوريا بعد نصف قرن من الحياة الحزبية ( 1 -3 )

كورد سوريا بعد نصف قرن من الحياة الحزبية ( 1 -3 )

بمناسبة استذكار الحدثين الأبرزين في تاريخ حركتنا القومية المعاصرة المميزين بالتكامل والتداخل وهما أولا – مرور نصف قرن على انبثاق الحزب الديمقراطي الكوردستاني في سورية كأول تنظيم قومي – وطني حديث للكورد بعد تفكك الامبراطورية العثمانية وتقسيمات سايكس – بيكو وقيام الدولة السورية التي ضمت كورد سورية ومناطقهم التاريخية ذلك الحزب الذي خرج من أحشاء حركة – خويبون – المنظمة القومية الكوردستانية الشاملة التي كانت تتجاوز الحدود الجغرافية , وقام الحزب حسب برنامج منبثق هذه المرة من بيئة مستجدة يوازي بين جانبين قومي كوردي ووطني سوري ينتمي اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا الى المجتمع الجديد .
أما الثاني فهو مرور اثنين وأربعين عاما على انطلاقة اليسار القومي الديمقراطي التي أعتبرها بمثابة التأسيس الثاني وبذات أهمية الأول من حيث التأثير والدور في مجال تجديد الفكر القومي وصياغة البرنامج النضالي الواقعي – الثوري المحدد للأهداف والمطالب والبدء بطرح ومناقشة البحوث النظرية وخاصة حول تعريف وسبل حل المسألة القومية وتطبيقاتها الكوردية وتدشين ثقافة الحوار والنقد وتشخيص أسباب الأزمة الداخلية وأسس الصراع حسب تحليل علمي سليم وتطوير الموقف السياسي الكوردي وتصحيح تموضع الحركة الكوردية على – سكتها – في اطارها المعارض الصحيح واعادة بناء الأداة التنظيمية والممارسة العملية على الأرض
. تكريما للحدثين المتكاملين واحتفاء بهما يدفعني الواجب أن أقول كلمة حق وأسهم في تقييم ما قيل سهوا أو تصميما من جانب البعض , وتسهيلا على القارىء للاحاطة بموضوع بحثنا وتحفيزا لكل من يريد التعقيب وابداء الرأي الآخر حاولنا ارجاع الذاكرة قليلا الى الوراء والمرور بايجاز شديد ودون الغوص في التفاصيل على بعض المفاصل والمراحل الرئيسة واسترجاع الأحداث والحوادث التي شكلت محطات بارزة في مسيرة حركتنا خلال نصف قرن وهي محاولة في تلمس حقائق الماضي والحاضر المتعلقة أساسا بمجريات واشكاليات أول وأهم صراع فكري سياسي ثقافي حقيقي وجاد حرر العقل السياسي الكوردي من الجمود والاتكال على ما تصنعه الأقدار استند الى أسباب موضوعية وذاتية داخلية حصرا وخارجية في بعض المظاهر ضمن صفوف أول حزب كوردي وحسم في كونفرانس الخامس من آب 1965 ومن ثم تأمل شجون الوضع الكوردي وما آل اليه من تأزم وتراجع وبالتالي استشراف مستقبل أفضل مسبوق بمعالجة الأزمة وتوفير شروط وأسباب نجاحها والمهمة هذه لاتقتصر على شخص أو جهة أو طرف بل هي من صلب واجبات الجميع وبخاصة فئة المثقفين .
البداية بايجاز:
بعد انضمام أو ضم الكورد ومناطقهم الى الدولة السورية المستقلة فور تفكك الامبراطورية العثمانية كما ذكرنا آنفا حسب قرارات القوى الدولية القوية السائدة من الحلفاء الأوروبيين ومصالحهم الاستعمارية وبدون ارادة شعوب المنطقةالمغلوبة على أمرها بدأت النخب الكوردية المتعلمة والواعية تبحث عن تعريف جديد لذاتها وهويتها وعن موقع لشعبها في المجتمع الجديد وبالتالي عن تمثيل سياسي يعبر عن آمالها ومطامحها ويدافع عن مصالح الكورد القومية والاجتماعية خاصة بعد التجاهل المطلق للمكون الكوردي كشعب وثقافة ولغة وحقوق ليس في الدستور والقوانين فحسب بل حتى في برامج الأحزاب الوطنية السورية جمعاء يسارية ويمينية علمانية واسلامية وهكذا وتحت ظل تلك الظروف جاءت ولادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني قبل خمسين عاما كحاجة موضوعية قومية ووطنية وكتطور ايجابي في اغناء الحركة الوطنية الديمقراطية السورية واضافة زخم جديد الى قواها الناهضة على شكل قوى سياسية ومنظمات وشكل الظهور المنظم للطاقات الكوردية السورية في حزب قومي ديمقراطي استجابة موضوعية لمتطلبات الساحة الكوردستانية أيضاحيث شهدت قيام أحزاب ديمقراطية مماثلة في جزئي كوردستان الايراني والعراقي والتي لم تكن بمعزل عن المنحى العام لاستراتيجية ” الحركة الثورية العالمية ” آنذاك تجاه حركات التحرر الوطني والاتحاد السوفييتي السابق ثلاثة عوامل كانت مؤثرة ومساهمة في وضع اللبنات الأولى:
1 – عامل ذاتي كوردي سوري مستند الى الطبقات الوطنية وفئات من المتنورين متعددي المنابع الفكرية – الثقافية مع دور أبرز لمن اختبروا سبل الكفاح في انتفاضات وحركات سياسية وثقافية ومسلحة لنيل الحقوق القومية في ظل الامبراطورية العثمانية والجمهورية التركية فيما بعد . الثاني : حركة خويبون والمدرسة البدرخانية اللتان دشنتا بدايات العمل القومي بجوانبه التعبوية والتنظيمية والثقافية . الثالث : تأثيرات الحركة القومية الكوردية المتقدمة في العراق ونهج البارزاني الخالد في اطار حركة – الكوردايتي – على صعيد الامداد المعنوي والخبرة والتواصل في جميع المراحل في السراء والضراء .
اعادة البناء :
بعد أقل من عقد من التأسيس والتوسع التنظيمي ليس في المناطق الكوردية فحسب بل في مدينتي حلب ودمشق العاصمة على وجه التحديد والتفاعل الايجابي مع مختلف الطبقات الاجتماعية والتعرف على ظروفها ومشاكلها وطموحاتها وبعد التحاور اليومي تقريبا في الريف والمدن مع ممثلي وأعضاء الأحزاب الوطنية السورية وعلى وجه الخصوص الحزب الشيوعي السوري وكتجربة فتية جديدة في العمل القومي الكوردي بدأت قيادة وكوادر ونشطاء الحزب بمواجهة جملة من التحديات الفكرية والسياسية و التنظيمية التي لم تختبرها في السابق ما لبثت أن تعاظمت وتوسعت بعد دخول السلطة طرفا رئيسا في المعادلة .
فتعريف القضية الكوردية وقراءة الواقع على ضوء حقائق الاصطفاف الاجتماعي في سوريا ومن ضمنه المجتمع الكوردي وتجليات الظروف المحيطة وضرورات تقديم الأجوبة عن أسئلة شائكة فاجأت القيادة التقليدية من نوع : من نحن وماذا نريد وأين موقعنا كورديا ووطنيا وكوردستانيا وما هو موقفنا حول ما يحدث في العالم ؟.
الامساك بجذر الصراع الحقيقي ووضع اليد على جوهر الاشكالية الداخلية وفرز التناقض الرئيس عن الثانوي كان كله في صلب مهمة تيار التجديد الذي واجه التحدي التاريخي في ظروف بالغة الصعوبة لأسباب عديدة ومنها : انعدام حدوث تجارب مماثلة ومتشابهة في التربتين الوطنية السورية والقومية الأوسع حتى تشكل مصدر الهام وعامل تشجيع – حدوث عملية التحول في جسم – تنظيمي – لم يبن على أية أسس راسخة مقطع الأوصال ومنفرط شديد الهزال يفتقر الى الضبط والربط يعاني من الاختراقات الأمنية بعكس ما روجته أوساط اليمين القومي من أن كونفرانس آب قد قسم الحزب في حين وفي حقيقة الأمر أنه حافظ على البقية الباقية من الجسم التنظيمي الذي نهشته التكتلات ودعوات التمرد على القيادة التي آلت مقدراتها الى عناصر اليمين التي تتحمل المسؤولية الكاملة في تصفية الحزب كجزء من وظيفتها المنوطة بها بعد سجن واعتقال الفريق المناوىء لها في جميع المناطق.
أما الاشكالية الأخرى التي واجهت دعاة التغيير الجذري عشية كونفرانس الخامس من آب لعام 1965 فهي ما يمكن أن نطلق عليه ازدواجية المهمات المشوبة ظاهرا بنوع من التناقض: انقاذ الحزب ككل بما هو حركة قومية كوردية كأمل للجماهير الواسعة ومعبر عن طموحاتها وذلك كمدخل لابد من اجتيازه نحو التغيير وكدليل اضافي على الجدية والشعور بالمسؤولية من جانب تلك النخبة الشابة الواعية بعد أن تعرض الحزب للجمود والمراوحة نتيجة تفاقم الصراع داخل القيادة خاصة بعد دخول السلطة ( بعد أن وجدت فرصتها) ممثلة بأجهزتها الأمنية والتنفيذية المعنية طرفا محركا الى جانب أحد الفريقين واستهداف الفريق الآخر اعتقالا وملاحقات وأحكاما جائرة وفي الوقت ذاته التأسيس لبلورة البديل القادر على انقاذ الحزب ممثلا باالنهج اليساري القومي الديمقراطي ودحر التيار اليميني تنظيميا ووفقا لقواعد النظام الداخلي وفكريا بالتوعية واعداد ونشر البحوث والنشرات التثقيفية التي ظهرت للمرة الأولى وسياسيا بتكثيف المناقشات حول الموقف الكوردي من الأوضاع الوطنية والعامة ومن حركة التحرر الكوردستانية وتصحيح النظرة والتقييم تجاه الثورة الكوردية في العراق وقائدها البارزاني الخالد ولذلك كان العبء ثقيلا على كاهل التيار التغييري والذي تطلب الانتقال من البرامج والوصفات النظرية الى حيز العمل والاتصالات واللقاءات مع الأطراف المعنية على أرض الواقع وما يكلف ذلك من جهد وامكانيات غير متوفرة ومواجهة غير مأمونة العواقب مع النظام القمعي وأجهزته وتوابعه لأنه وبعبارة بسيطة تناقض مشروع اليسارالقومي – الوطني جملة وتفصيلا مع خطط النظام على الصعيدين الكوردي الخاص والسوري العام بل وتحد حقيقي لهيبة السلطة ومصداقيتها بعد أن سارت خطوات باتجاه التحضير لتنفيذ مخططي الاحصاء والحزام وقطعت أشواطا في التحكم بالملف الكوردي حسب مصالحها دون معارضة جادة تذكر من الجانب الكوردي السياسي مما شكل نجاح كونفرنس آب مصدر قلق بالغ للوسط الشوفيني الذي بدأ ببث الشائعات وتسريب المعلومات المغلوطة مقرونة بحملة اعتقالات واسعة موجهة الى ناشطي اليسار ( وكنت من بينهم حيث تواريت عن الأنظار وتحولت الى العمل السري وظروف الملاحقة من حينه ) فور انتهاء أعمال المؤتمر الأول صيف عام 1966 .
– الصعوبة الأخرى البالغة الشدة أمام اليسار القومي تمثلت بتعامله ثقافيا ومعرفيا مع عناصرالحدث في اطاره القيادي كمن يبدأ من نقطة الصفر لأن أفراد القيادة المختلفين فيما بينهم ظاهرا على شكل تبادل الاتهامات والاساءات الشخصية كانوا أعجز من أن يعلنوا لأعضاء الحزب والجماهير الكوردية والرأي العام في سوريا أسباب وقضايا الخلاف فضلا عن افتقار الجميع من مناضلين جادين مشهود لهم بالشجاعة والثبات المبدئي وآخرين شاركوا في مخطط تصفية الحركة ودفعها نحو هاوية الانحراف الى برامج واضحة ومعلنة وفكر متبلور سلبا أم ايجابا والتي ظهرت للمرة الأولى الى الوجود بمضمونها العلمي النوعي المتقدم في أعمال ووثائق الكونفرانس الخامس و من الجدير ذكره أن تيار التغيير هو الذي بادر في اكتشاف وطرح ما يصبو اليه التيار اليميني الذي كان من شدة جهله لجوانب الفكر القومي والتاريخ السياسي للحركة الكوردية والمهمات الآنية والمستقبلية للنضال القومي والوطني وافتقاره الى أدنى مستويات أصول وثقافة الحوار والصراع نقول لتلك الأسباب ولسوء الحظ واجهنا يمينا قبليا يفتقر الى الخبرة السياسية ولا يستطيع قبول الرأي الآخر فاقدا – استقلاليته -سائرا على مسافة قريبة من مشروع السلطة في مواجهة المشروع القومي – الوطني الكوردي المقابل .
هناك ثوابت دشنها نهج آب قبل اثنين وأربعين عاما من مبادىء وشعارات مازالت حية ومطلوبة مثل : الانطلاق من حقيقة الشعب الكوردي على أرضه التاريخية وما يترتب عليها من استحقاقات ضمن مبدأ تقرير مصير الشعوب والحل السلمي عبر الحوار للأزمة الكوردية والشراكة الكوردية العربية المصيرية على الصعيدين الوطني والاقليمي والعلاقة العضوية غير القابلة للانفكاك بين القضية الكوردية ومسألة الديمقراطية والتي تستدعي بدورها تشخيص موقع الحركة الكوردية في القلب من المعارضة الوطنية وقوى التغيير والجانبان المتكاملان في صلب المسألة الكوردية الوطني والقومي واعادة ترميم أسس علاقات الصداقة الكوردية – العربية.
نتائج مازالت في طور الاكتمال :
تقصير الأحزاب الكوردية وعجز قياداتها عن تجديد نفسها والممانعة في الاستجابة لمتطلبات العصر وعدم ادراك الحقيقة الماثلة في انتهاء دور وأهلية وفاعلية مرحلة العمل الحزبي كما هو متبع في الساحة الكوردية جعلت الآمال تنتعش بعد الهبة الكوردية في آذار 2004 وانتظار ما ستخلف من انعكاسات ونتائج على مصير الأحزاب التي بلغت رقما قياسيا كفيل أن يضع النهاية المأساوية ليس لذلك الكم الهائل من – الزعامات والقيادات – فحسب بل حتى لسمعة العمل الحزبي في أوساط الأجيال الكوردية القادمة.