الرئيسية » مقالات » حدث في أرض الفراعنة

حدث في أرض الفراعنة

كنت في زيارة عمل إلى العاصمة المصرية القاهرة وكنت مدعوا مع بعض الأصدقاء على الغداء في مطعم صمم على يخت يرسوا بثبات فوق نهر النيل (لا أعلن عن أسمه هنا لأني لست ممن يقدمون الخدمات الإعلانية مجانا في كل وقت) والحقيقة كان الجو جميلا ومنظر النهر الخالد كان يدعوني للغناء بصوتي الذي أحترمه وأعتبره أفضل من أصوات كثيرة تظهر وتطير في السماء ثم تختفي في علب الليل وأحيانا على هامش الحياة وهامش الشهرة، ذلك الكابوس المرعب الذي يصيب من لا طاقة له على الإستمرار في عوالم الليل وآخره! بأضرار نفسية جسيمة تبدأ بارتداء البدلات المضحكة وتستمر في تسريحات الشعر التي تفطس من الضحك ولا تنتهي عند التاتو والأشياء الأخرى، على العموم أخترت لنفسي زاوية وابتعدت عن الجو العام روحيا ولم أجد نفسي ملزما بما تقوله الصحبة التي معي حول الوضع في العراق وجدلية المقاومة والإرهاب والبيضة والدجاجة! ولم أكن مهيئا لصرف هذا الوقت الذي استقطعته من عملي وإلتزاماتي في عاصمة الخمسة وعشرين مليونا في حوار للطرشان يقال فيه كل شيء ولا يقال فيه أي شيئ، أزحت عن كاهلي مغبة الدخول في كسر الإتيكيت واستعددت للإعتذار من الجماعة بعدما أنهي وصلتي الغنائية مع نفسي وأنا أقتحم بعيوني سواد نهر النيل الذي كان من المفروض أن يكون أخضرا حسب ما يتوقع ان يكون موجودا من مايتوكوندريا على سطحه، أو أزرقا حسب ما يتوقع أن يمنحه لون السماء الساقط، ولكون السماء لم تكن زرقاء بفعل السحابة التي تغطي سماء العاصمة من مخلفات المصانع ودخان السيارات، والتي تراها بجلاء وانت تتطلع الى أم الدنيا من شباك الطائرة قبل هبوطها في ميناء القاهرة الدولي، وكذلك غياب اللون ألأخضر بفعل جرائم الإغتيال اليومي كما سماها أحد أصحابنا المصريين من ذوي الإختصاص والتي تقوم بها المركبات والعوامات والمطاعم لهذا النهر الذي تغنى به هيرودوتس فيما مضى من زمن والتي إستغلت ساحل النيل أبشع إستغلال، ومع ذلك فأنا واقعيا الآن أطل على النيل وعلي أن أحقق حلمي في غناء قصيدة النهر الخالد لعبد الوهاب وبدأتها من ألفها حين يقول :

مسافر زاده الخيال والسحر والعطر والظلال، ضمآن والكأس في يديه والحب والفن والجمال،

ولم أنته الى يائها لأن الغارسون قطع خيالاتي بالطلب من كوبل مؤلف من رجل مهندم ببزة أوربية وسيدة منقبة بالسواد على الموضة الباكستانية المنتشرة كالنار في الهشيم في أرض الفراعنة هذه الأيام، حين كانا يهيآن نفسيهما لتناول وجبة الغداء كما هو حالنا، ولكن يبدو أن تعليمات المطعم هي عدم السماح للمنقبات بالدخول الى هذا المكان مما حدى بالغارسون الطلب منهما بكل أدب مغادرة المكان بدون فضائح، ولأن الحدث كان قريبا جدا من خلوتي إنتبهت وأصدرت الأوامر الى عقلي لأكثر من تحليل للوضع وتوصلت إلى أقربها وهو بأن الغارسون يعرف هذا الكوبل شخصيا وأنتظرت الى أن تنتهي المشكلة والتي لم تبدء للأسف لأن الرجل والسيدة إستجابا بطواعية لهذه الأوامر وغادرا المكان دون أن ينبسا ببنت شفة ولم ينتبه أحدا لهم، طبعا، ما عداي أنا الفضولي الذي أراد شيئا ولكن سفنه لم تجر كما يشتهي هو بل سارت كما إشتهت الرياح، وهنا قررت أن أختصر الزمان والمكان وأن أبدأ لعبتي الخبيثة فإستدرجت العامل المسكين الى كمين البقشيش وسألته السؤال الأثير والأزلي، لماذا؟ فأجابني وهو يضع الخمسة جنيهات في جيبه:

– ياعم دول كلهم شراميط ( آسف للكلمة ولكن الرجل قالها هكذا) وبيتنكروا بالزي الإسلامي ده!

– كده خبط لزق ؟ هو انت تعرفهم ؟ سألته أنا بإستغراب!

– لا والله وعمري ماشوفتهمش! بس نظريتي ونظام المحل والأوامر كده!

كنت في المساء المتأخر على موعد آخر مع دعوة لنفس الجماعة للسهر في ملهى ليلي في شارع الهرم، في مكان يقع قرب مسرح الزعيم لعادل إمام (أيضا لا أعلن عن إسمه لنفس السبب السابق)، وما لفت نظري عدا عن الأجساد العارية الرخيصة والزبائن العرب الذين وقعوا في كمائن المغفلين بطواعية مألوفة، هو وجود بعض المنقبات وهن يحتسين المنكر ويرقصن ويتلوين ألما على أنغام أغنية الأماكن لمحمد عبده ويجالسن الزبائن، في البداية حسبت بأنهن يرافقن أزواجهن أو أحد المحارم وذلك لطبيعة المكان ولكن حساباتي كانت خاطئة بدليل أن البودي غارد الذي نقدته عشرة جنيهات كبقشيش أجابني :

– لا يا طويل العمر فهن طوع بنانك وانت عليك بس تأشر وهتلاقيهم تحت مداسك وأي خدمة يابيه إحنا جا هزين،

– طب ليه بيلبسوا كده وإحنا في المكان ده؟ لا مؤاخذة يعني؟ هذا كان سؤالي الثاني له

– ياسيدي دول بنات عائلات وبيشتغلوا الشغلانة دي وموش عايزين حد من أخواتهم ولا معارفهم يشوفوهم هنا ويتعرفوا عليهم وتحصل مشكلة! . . وإستمر الحوار

– وانت متأكد أنو دول بيشتغلوا من ورا أهاليهم؟ وبعدين هما المفروض يرجعوا الفجر لبيوتهم، يعني وش الصبح، إيه حجتهم في ده؟ . . أنا هكذا سألت ببراءة، فأجابني البودي غارد

– صدقني يابيه دول كلهم ناس غلابة وما عندهمش حاجة تعيشهم، الحاله صعبة جدا وتلاقي أكترهم متجوزين من ناس عاطلين عن العمل وعشان كده بيشتغلوا بعلم أزواجهم وهما اللي بيجيبوهم كل ليلة هنا، لأن دي مسؤولية وإحنا ما نشغلشي حد دون موافقة ولي الأمر، ومحلنا بيمشي بشكل قانوني تمام، بس لأن البنات هنا بنات عائلات خايفين لا حد من قرايبهم ولا قرايب إزواجهم يشفوهم ويعملولهم هوسة وهولليلة وربنا هو الساتر على عبيدو.

وخرجت بعد هذا الحوار بخمس دقائق دون أن أجلس مع أية واحدة رغم أن إحداهن وقد كشفت عن فخذها الأيمن الأبيض البظ الممتلئ، الخارج توا من خلف الستار الأسود، رمقتني بأطراف عينين كحيلتين لاتقاومان، أبرز جمالهما النقاب الأسود وجعل منهما غابتا نخيل ساعة السحر أو شرفتان راح ينآى عنهما القمر، كما قال السياب طيب الذكر في قصيدة المطر الخالدة.

وثالثة الأثافي كانت في حي السيدة زينب حيث المطاعم الشعبية للفول والطعمية والكفتة والكباب، وفي أشهرها حيث كنت أجلس مع صحبة مصرية عزيزة تمتلك دفء الأريحية وخفة دم أولاد البلد المجبولة بروح النكتة المعروفة لدى كل مصري مهما علا شأنه ومهما دنا، صادفت جواري الأيسر عائلة منقبة بالكامل يقودهم رجل ذو كرش لا أدري ما حكم الجماعة فيه ولكنه أطال لحيته على هواها أو كما يقول المصريين على البحري، وقصر من جلبابه الأبيض حسب سنتهم المعلنة، وكان صارما بتقاسيم وجهه الذي إختفى منه نور محمد، وفي مثل هذه الأجواء كان من المستحيل أن تميز بين الأشياء أو كما يقول المثل العراقي ما تعرف رجلها (أي زوجها) من حماها، وطلب سي السيد الملتحي بصوت جهوري ثلاثة كيلو كباب وكفته للجمع المؤمن الذي معه والتي قدرته مصادري الموثوقة بخمسة أشخاص تبين أن أحدهم كان رجلا يرتدي طاقية بيضاء وجلباب أو دشداشة من نفس اللون وما تبقى من القافلة كان متشحا بالسواد الداكن من قمة الرأس حتى أخمص القدمين التي لم أميز لون البشرة فيهما بسبب الجوراب الشتوي الأسود الداكن كذلك، وحتى الكفين كانا محجوبتان بقفازين أسودين من نفس قماش الستريج الذي ترتديه الكافرات!! من العامة وهن يتمخترن في شارع الشواربي القاهري المعروف، وتساءلت كم قضى هذا الرجل من وقت لكي يغطي كامل بضاعته بهذا القماش الذي كان يحبس أنفاسي ونحن نعيش في شهر آب القائض حتى في المساء؟ ما إستفزني في كل الموضوع عندما كنت أنظر الى أقرب واحدة إلي هو ليس الإستفسار عن منفذ الأوكسيجين الداخل الى أنوف المنقبات المحكمة الإغلاق ولكن هو كيف ستأكل هذه المنقبة وشريكاتها الثلاث هذه الكمية من الكباب والكفته؟ دون أن تكشف عن فمها وتظهر عوراتها من شفاه وأسنان وأسفل خد وحنك والجزء الأعلى من الرقبة، وفي الحقيقة ولا أخفي عليكم لم أنتبه لوجبتي بقدر ما إنتبهت وبإحتراز الى ما سوف يحدث عندما تصل الطلبية الى طاولتهم وحدث ما كنت أريد وجاءت الوجبة الشهية المعززة بكؤوس الويسكي (طبعا ليس الويسكي الذي يشربه المشركون وأعداء الإنسانية من أمثالي ولكنه مصطلح خفيف الدم يطلق على مشروب بارد وفيه كثير من الفلفل الحار والكرفس والبقدونس ومن مخلفات الطرشي المصري المعروف والذي يفتح الشهية للأكل)، لاحظت جارتي المنقبة بأنني أراقبها فتأخرت عن وضع أية لقمة في فمها وبصراحة خشيت أن أعنف من قبل الرجل الملتحي فإستأذنت من صحبتي وذهبت الى الحمام وتوقفت قبل الدخول الى دورة المياه وراقبت الوضع عن بعد وشاهدت من كنت أراقبهاو كانت تنظر تارة الى اليمين وتارة الى اليسار وبعد ذلك كانت تنزل رأسها الى الأسفل وترفع شيئا من النقاب وتدخل في فمها لقمة كانت تعدها سابقا بيدها الثانية لتضعها في فمها دون أن يلحظ أحدا ذلك وتكررت العملية لثلاث أو أربع مرات دون أن تستمتع بالويسكي والبيبسي وحتى الماء خشية أن تكشف عما هو مستور وممهور للسيد ذو الصبغة الديكتاتورية العمياء والمغلفة بتعاليم أصدرت بأحكام ضد كل ما هو إنساني وضد كل حقوق الإنسان ومنها حق التمتع بالأكل وتساءلت كذلك لماذا؟ دون أن أنقد أحدا من البقشيش لأنني كنت أكلم نفسي وأنا أتطلع الى نهر النيل الخالد من على شرفة غرفتي في الطابق العاشر في فندق الجزيرة، هل هذه هي قاهرة المعز لدين الله؟ وهل هذه هي قاهرة نجيب محفوظ؟ والذي تعرفت عبر ثلاثيته الخالدة على معالم كل الشوارع والحواري القاهرية القديمة والحديثة، وهل هذا هو حلمي الذي حققته بعد طول عناء؟ من هؤلاء الدخلاء الذين يريدون أغتيال كل شيئ؟ الذي عرفته عن مصر هبة النيل لم يكن فيه من مثل هؤلاء الغرباء الذين لوثوا حتى الفكر ألإنساني، أنا لست ضد الحجاب ولكنني لست مع النقاب وعلى من ترتدي النقاب وهي حرة في هذا أن تجلس في البيت ولا تأكل الكباب من وراء ستار بل الأجدى أن تطلب ما تشتهيه نفسها باتصال هاتفي، أو يطلب لها ولي أمرها ذلك إذا كان الموبايل حرام لأنه ذكر، وتودع فمها ما اشتهت نفسها وهي جالسة في بيتها تتابع مسلسل الحاج متولي، ومن تريد أن تمارس الشرمطة فعليها أن لا ترتدي النقاب لأن سوقها سيبور وستتعرض الى خسارة مادية كبيرة على رغم خسارتها لنفسها وجسدها وكرامتها. ويا أيها الدين الإسلامي كم من الجرائم ترتكب بحقك وأنت منها براء، براءة الذئب من دم إبن يعقوب، لا أدري بعد أن يقرأ المتشددون ذوي اللحى مقالتي هذه سيحلون دمي في الأشهر الحرم أم لا؟ ولكنني سأعود بهم الى بعض التاريخ الإسلامي ومقولات قيلت على لسان أصحابها من المسلمين الأوائل طبعا وعلى مختلف مذاهبهم وهذه إقتبستها من أحد الأخوة في أحد المواقع العربية وصدقا فاتني تدوين إسم هذا الأخ فعذرا له، ومن هذه المقولات:

– قال معاوية بن أبي سفيان لرجل عتب عليه: كفانا في الشهادة عليك في حماقتك وسخافة عقلك، ما نراه من طول لحيتك.

– وقال عبد الملك بن مروان: من طالت لحيته فهو كوسجٌ في عقله.

– وقال غيره: من قصرت قامته، وصغرت هامته، وطالت لحيته، فحقيقاً على المسلمين أن يعزوه في عقله.

– وقال أصحاب الفراسة: إذا كان الرجل طويل القامة واللحية فاحكم عليه بالحمق، وإذا انضاف إلى ذلك أن يكون رأسه صغيراً فلا تشك فيه.

– وقال بعض الحكماء: موضع العقل الدماغ، وطريق الروح الأنف، وموضع الرعونة طويل اللحية.

– وعن سعد بن منصور أنه قال: قلت لابن إدريس: أرأيت سلام بن أبي حفصة؟ قال: نعم، رأيته طويل اللحية وكان أحمق.

– وعن ابن سيرين أنه قال: إذا رأيت الرجل طويل اللحية قصير، فاعلم أن القصر في عقله.

– قال زياد ابن أبيه: ما زادت لحية رجل على قبضته، إلا كان ما زاد فيها نقصاً من عقله.

– وقال الأحنف بن قيس: إذا رأيت الرجل عظيم الهامة طويل اللحية فاحكم عليه بالرقاعة ولو كان أمية بن عبد شمس.