الرئيسية » مقالات » حذار!! الطائفية الدينية والقومية الشوفينية تقود العراق نحو كارثة كبرى

حذار!! الطائفية الدينية والقومية الشوفينية تقود العراق نحو كارثة كبرى

تتصاعد الأزمة العراقية المستعصية يوماً بعد يوم عمقاً واتساعاً، على الجانبين السياسي والأمني، جراء الأخطاء الكارثية التي ارتكبتها سلطات الاحتلال الأمريكي، والرجل الذي أوكله الرئيس بوش لحكم العراق[ بول بريمر]، وهو الذي كان يجهل كل شيء عن العراق وشعبه ، ولم يسبق له حتى زيارة هذا البلد من قبل، فكان أن اتخذ قرارات خطيرة كانت لها نتائج كارثية على الجانبين السياسي والأمني، من خلال إقامة نظام حكم طائفي في البلاد ،أوصل العراق إلى هذا الجحيم الذي نشهده اليوم ، والذي بات الخروج منه يصل إلى حد المعجزة، إن كانت هناك معجزات حقاً في علم السياسة وإدارة الأزمات .
لقد أوصلت تلك السياسة الرعناء للإدارة الأمريكية إلى ما دعته بـ [الفوضى الخلاقة] كما يتحدث الممسكون بالملف العراقي في البيت الأبيض والبنتاكون ووزارة الخارجية ، ولا أدري هل في قواميس اللغة ما يشير إلى الفوضى ، أية فوضى بكونها خلاقة !!
أنها في واقع الحال الفوضى المخربة والمدمرة، والمستنقع الذي وقع فيه ليس الشعب العراقي فحسب ، بل قوات الاحتلال للدولة العظمى في العالم ذاتها، والتي باتت لا تعرف كيف تخرج من هذا المستنقع ، ولا تستطيع تحديد النتائج الكارثية للخروج منه ليس على قواتها العسكرية فحسب بل على منطقة الخليج والشرق الأوسط خاصة ، والعالم بصورة عامة، فقد يقع العراق فريسة أما بأيدي القاعدة وحلفائها أيتام صدام ، أو بأيدي ملالي طهران وحلفائها قوى الإسلام السياسي الشيعي المعروفة ، ولا شك أن الإدارة الأمريكية تدرك تمام الإدراك نتائج هذا المصير المفزع على العراق والعالم أجمع.
إن العراق اليوم تتحكم فيه قوى الإسلام الطائفي بشقيه الشيعي والسني بما تحمله من فكر ديني متخلف عفا عليه الزمن، لتستخدمه سلاحاً فعالاً لتحقيق أجندتها السياسية الهادفة لامتلاك السلطة والثروة ، مستخدمة كل وسائل العنف والتدمير والقتل على الهوية ، ومستغلة الجهل والتخلف الذي حل بالمجتمع العراقي خلال أربعة عقود من حكم البعث القومي الفاشي، ولاسيما أبان حكم طاغية العراق صدام حسين ونظامه القمعي الشمولي، والذي ركب نفس المركب الذي يركبه اليوم رجال الدين المتسيسون، من خلال حملته الدينية المشعوذة ، وهو الذي ارتكب من المجازر بحق شعبه وشعوب جيرانه ما يعجز خبراء الإحصاء عن تحديد حجمها وعددها، وبذلك هيأ صدام حسين الظروف الموضوعية لرجال الإسلام السياسي ليحققوا أحلامهم في الاستئثار بالسلطة والثروة ، وهذا ما يجري اليوم في البلاد حيث انتشر الفساد في كل مرافق البلاد وكل الأجهزة الإدارية والعسكرية والأمنية، بل والأجهزة التربوية والتعليمية والصحية والخدمية .
إن قوى الإسلام السياسي لا يهمها من أمر الدين شيئاً، وهي التي باعت مبادئها بثمن بخس للمحتلين، وتعاونت مع الإدارة الأمريكية في سعيها لاحتلال العراق ، وعادت من منفاها وراء دباباتها لتتولى السلطة في البلاد.
ومن المؤسف أن تتخذ قيادات الأحزاب القومية الكردية نفس السبيل الذي اتخذته أحزاب الإسلام السياسي ، واضعة أيديها بيد الولايات المتحدة وجيش الاحتلال ، بل لقد ذهبت في سياستها بعيداً عندما تخلت عن اقرب واصدق حلفاء الشعب الكردي من القوى الديمقراطية والعلمانية ، وتحالفت مع قوى الإسلام السياسي وهي تدرك حق الإدراك أن هذه القوى لا تؤمن حقاً وصدقاً بحقوق الشعب الكردي المشروعة، يحدوها نفس الأمل لقوى الإسلام السياسي بالاستحواذ على السلطة والثروة ، واستطاعت القيادة الكردية إقناع الإدارة الأمريكية بفرض مادة في قانون إدارة الدولة في المرحلة الانتقالية فيما يخص إقامة نظام الفيدرالية للعراق ، وهذا ما شجع أحزاب الإسلام السياسي الشيعي على العمل لتضمين الدستور هذا النظام المشبوه، ومطالبتهم في إقامة فيدرالية الجنوب والوسط الذي يرمي إلى تمزيق وحدة العراق إن لم يكن اليوم ففي القادم من الأيام ، وهذا هو سر التحالف بين أحزاب الإسلام السياسي الشيعي وأحزاب القومية الكردية.
لقد نادت القوى الديمقراطية والعلمانية ومنذ أمد طويل بتحقيق أماني الشعب الكردي، وجرى الاتفاق على صيغة الفيدرالية للمنطقة الكردية بما يحقق وحدة العراق أرضاً وشعباً، فقد عاش الشعبان العربي والكردي إخوة متحابين ، وخاضوا معا النضال ضد سلطة البعث الفاشية التي نكلت بالشعب الكردي، تماماً كما نكلت بالشعب العربي، وبسائر القوميات الأخرى من تركمان وآشوريين وأيزيدية ومندائيين.
ومن المؤسف جداً أن ينبري السيد مسعود البرزاني عبر قناة الحرة الأمريكية بالحديث بأسلوب التهديد والوعيد بإشعال الحرب الأهلية التي سماها بـ [الحقيقية] ، إذا لم تعد كركوك إلى أحضان دولته القائمة فعلاً، وكأنما هذه الحرب الأهلية التي يشهدها العراق اليوم بكل ويلاتها ومآسيها لم تعد تكفي ، ولم تصل [المستوى الحقيقي !! ]، وأنه سيشن الحرب الأهلية الحقيقية إذا لم تنفذ المادة 140 من الدستور الذي وضع أسسه الاحتلال الأمريكي، ووكيله بريمر تحت ظل جيوش الاحتلال.
إن السيد مسعود البارزاني يضع نفسه وشعبه في مأزق خطير إذا ما أقدم على السير في هذا الطريق ، وهو يدرك أن الاستعانة بالحماية الأمريكية لن تدوم مدى الدهر ، وهو إن أقدم على إشعال حرب كردية عربية فسوف يقع في خطأ جسيم لا يمكن إصلاحه ، وربما يؤدي إلى انقلاب قوى الإسلام السياسي الشيعي عليه، وتضع أيديها بيد قوى الإسلام السياسي السني في معركة المصير، ولعمري إن هذا لا يعني سوى اللعب بالنار التي ستأتي على الأخضر واليابس ، وسيكتوي الجميع بنيران الحرب التي يبشرنا بها السيد مسعود البارزاني ، وسيكون الشعب الكردي الخاسر الأكبر في هذه الحرب إن وقعت لا محالة .
أتمنى من صميم قلبي أن تتصرف القيادة الكردية بحكمة بعد أن حققت كل هذه المكاسب التي حصلت عليها ، والتفرغ لخدمة الشعب الكردي والنهوض بمستوى معيشته ورفاهه، لا التضحية بكل هذه المكاسب ، فهذه السياسة لن تجلب الخير للشعب الكردي على أية حال، وعليه أن يدرك أن السياسة هي فن الممكن ، وتتحكم الظروف الموضوعية الداخلية والإقليمية والدولية في مساراتها ، وإن سياسة حرق المراحل قد تفقد الشعب الكردي كل ما حصل عليه من حقوق ، والعودة به إلى الوراء عشرات السنين .
إن مدينة كركوك هي مدينة التعايش الوطني لكل فئات الشعب بكل قومياته وأديانه وطوائفه ، وإن فرض أي حل بالقوة لمشكلة كركوك التي تمثل اليوم برميل بارود كبير وخطير يمكن أن يحرق العراق من البصرة حتى زاخو، فلا تقامروا بمصير العراق وشعبه ، فتتحملوا وزر الكارثة التي ستحل بالعراق ، و سيحاسب التاريخ كل من سعى لتخريب وتدمير العراق وقتل أبنائه حساباً عسيرا.