الرئيسية » التاريخ » الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933) الحلقة الاولى

الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933) الحلقة الاولى

لا يزال تاريخ الحياة البرلمانية العراقية ميدانا خصبا للدراسات التاريخية بالرغم من الدراسات التي تصدت لمعالجة العديد من جوانبه، إلا ان موضوع دور النواب الكورد لم تخصص له دراسة اكاديمية مستقلة مع العلم ان الكورد يمثلون القومية الثانية في العراق، وكان لممثليهم وزنهم ودورهم المشهود في اعمال مجلس النواب العراقي ومناقشاته، كما خارج المجلس ايضا منذ ان تأسس ولغاية سقوط النظام الملكي. لذا يمثل هذا الموضوع اضافة جديدة للمكتبة التاريخية العراقية، كونه يقدم صورة عن دور النواب الكورد في الحياة السياسية، خصوصا فيما يتعلق بالقضية الكوردية في احدى مراحلها الحساسة الطافحة بالاحداث والتطورات التي كان للبريطانيين من طرف، والهيئة الحاكمة العراقية بزعامة الملك فيصل الاول من طرف آخر، تأثير مباشر على مسار تلك القضية وافرازاتها سلبا في الغالب وايجابا احيانا، مما يضفي بعدا علميا وعمليا خاصا على موضوع الرسالة.
تتألف الرسالة من هذه المقدمة وخمسة فصول وخاتمة موجزة عالج الفصل الاول منها الذي يحمل عنوان “تطور الوعي لدى النخبة الكوردية واحتكاكها المبكر بالتجربة البرلمانية في العصر الحديث” الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والادارية للعراق في اواخر العهد العثماني، وبين كيف ان السيطرة العثمانية فرضت حالة من الفوضى والتخلف والمرض في اقاليم العراق عموما واقليم كوردستان خصوصا. وتناول الفصل في سياق ذلك تكون الفئة المثقفة الكوردية في العصر الحديث، مما اقتضى التطرق إلى ما شهده العراق في اوائل القرن الماضي من تطور في حركة التعليم، والظروف التي مهدت الطريق امام عدد من الشبان الكورد للدراسة في مدارس المنطقة الكوردية وبغداد والموصل، بل وحتى في استانبول، وكان امرا طبيعيا ان يتأثر هؤلاء الشبان بموروث شعبهم، وصحافته في مراحلها المبكرة، وبافكار النخبة التي سادت المنطقة يومذاك، بما في ذلك افكار ثورة الاتحاديين والتجربة البرلمانية في اواخر العهد العثماني والثورة الدستورية الايرانية (1905-1911) وغيرها. ومن بين صفوف هؤلاء ظهر من تقلد مواقع رفيعة في مؤسسات الدولة العراقية في مرحلة التكون، بما في ذلك داخل مجلس النواب، الامور التي تعد مدخلا وتمهيدا ضروريا إلى صلب الموضوع في اطاره الزمني المحدد.
ويحمل الفصل الثاني من الرسالة عنوان “تأسيس المجلس التأسيسي ودور النواب الكورد فيه ” ويتطرق الفصل بايجاز إلى انتخابات المجلس التأسيسي واوضاع المنطقة الكوردية التي كانت تعاني من عدم الاستقرار السياسي، ثم يتطرق إلى اهم الشخصيات الكوردية في المجلس وانتماءاتهم الطبقية ومشاربهم الفكرية، كما تناول بالتفصيل موقف النواب الكورد من القضايا الثلاث الرئيسية المعروضة على المجلس، وهي:
1- البت في المعاهدة العراقية-البريطانية لعام 1922،
2- سن الدستور (القانون الاساسي) العراقي،
3- وقانون انتخاب المجلس النيابي في حين كرس الفصل الثالث المعنون “النواب الكورد في الدورة الانتخابية الاولى لمجلس النواب العراقي” (1925-1927)” لدراسة اول مجلس نيابي في العراق، ومناقشة النواب الكورد لاوضاع التعليم في العراق بصورة عامة والمنطقة الكوردية بصورة خاصة وتصديهم لبعض المواقف الشوفينية لكبار موظفي الدولة في مجال التعليم في المنطقة الكوردية بما في ذلك عدد المدارس والتعليم باللغة الكوردية، كما يناقش الفصل مسألة الضرائب وما تفرضه من اعباء تثقل كاهل المواطن العراقي، وفي سياق متصل اثار النواب الكورد مسألة الزراعة واساليب تحديثها اعتمادا على الطرق الحديثة في الري ومكافحة الآفات الزراعية، وعلى الغرار نفسه حاول الفصل تحديد موقف النواب الكورد من التصنيع وضرورته بوصفه ركنا مهما من اركان رقي البلاد وتطورها. يتصدى لفصل الرابع لدراسة “دور النواب الكورد السياسي في الدورة الانتخابية الثانية لمجلس النواب (1928-1930)”، بما في ذلك موقفهم من اهم القضايا السياسية التي اثيرت في جلسات تلك الدورة، من ذلك، على سبيل المثال، موقفهم من الديمقراطية، واقامة مؤسسات الدولة الحديثة وفق سيادة القانون، فضلا عن الموقف من من المعاهدات والاتفاقيات والعلاقات الخارجية للدولة العراقية. واستمر الفصل في دراسة موقف النواب الكورد من اهم قضايا المجتمع والاقتصاد التي اثيرت في الدورة الانتخابية الجديدة للمجلس.واثرنا ان نكرس الفصل الخامس والاخير من الرسالة لدراسة دور النواب الكورد السياسي في اواخر عهد الملك فيصل الاول بما يتزامن مع اعمال مجلس النواب في دورتين لاحقتين من دوراتهم، الدورة الانتخابية الثالثة برمتها، وذلك الجزء من الدورة الانتخابية الرابعة التي يبدأ اطارها الزمني مع بداية عهد الاستقلال وينتهي بوفاة الملك فيصل الاول، وذلك بحكم التداخل الكبير مع احداث تلك السنوات. مع ذلك تبعنا النهج نفسه في دراسة مواقف النواب الكورد من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مع التركيز على عدد من المحطات الاخيرة في تلك المرحلة المصيرية من تاريخ العراق المعاصر، من قبيل الموقف من معاهدة العام 1930، وانتفاضة السادس من ايلول 1930 في السليمانية، وحركات الشيخ محمود.
حاول الباحث في حدود الامكان، التوصل إلى مجموعة من الاستنتاجات العلمية والفكرية التي ضمنها في خاتمة رسالته، واتبعها بملحق وقائمة بالمصادر وملخص الرسالة باللغة والانكليزية. تؤلف محاضر المجلس التأسيسي ومجلس النواب المنهل الاساس لمادة الرسالة في فصلها الثاني حتى فصلها الخامس والاخير. تأتي وثائق البلاط الملكي غير المنشورة، المحفوظة في دار الكتب والوثائق، ومن ثم وثائق وزارة الداخلية العراقية غير المنظورة المحفوظة في مخازن كسرة وعطش في المقام الثاني من حيث الاهمية لاعداد هذه الرسالة، فانها تلقي الضوء على خفايا كثيرة في غاية الاهمية تنشر لاول مرة ضمن مواد جهدنا هذا الذي استفاد في السياق نفسه من بعض المصادر المنشورة للحكومة العراقية في تلك المرحلة. كما زودت الصحافة العراقية العربية والكوردية العديد من مباحث الرسالة بمعلومات فريدة خصوصا انها كانت تتابع وقائع مجلس النواب اولا باول، كما اولت الصحافة العراقية باللغة العربية تطورات الاحداث في كوردستان اهتماما استثنائيا من منطلقين متناقضين، الاول شوفيني غالبا والثاني ديمقراطي نادرا فجاءت مادتها مفيدة في الحالتين على اساس قراءة فكرية محايدة توخت البحث عن الحقيقة، وعن الاسباب الخفية التي زادت من تعقيدات القضية الكوردية. بعد ذلك ياتي دور مذكرات عدد من الرعيل الاول من الشخصيات الكوردية ممن شاركوا في الاحداث بانفسهم، تتمها المقابلات الشخصية التي اجراها الباحث مع شخصيات كوردية يحفظون في ذاكرتهم معلومات مفيدة عن النواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول بحكم علاقاتهم الاسرية بهم. ورفدت الرسائل الجامعية غير المنشورة الرسالة بمعلومات مهمة، وساعدت الباحث كثيرا على استيعاب تطورات الحياة البرلمانية في العراق، وارى لزاما ان اشير هنا بصورة خاصة إلى اطروحة الدكتوراه التي قدمها علاء حسين عبد الامير الرهيمي المعنونة “المعارضة البرلمانية في عهد الملك فيصل الاول”، التي تحتل موقعا متميزا في هوامش الرسالة. واكتملت الرسالة معلوماتها بالرجوع إلى عدد غير قليل من المصادر والبحوث والمقالات العربية والمعربة والكوردية والانكليزية، اكتنف الحصول على عدد منها بعض الصعوبات، والانكى ان الباحث عجز عن الحصول على الملفات الشخصية والاضابير التقاعدية للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول بالرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها في هذا المضمار. يتوجه الباحث، في الختام، بخشوع إلى العلي القدير ان ينال جهده المتواضع رضا الله سبحانه وتعالى. وان يكون درسا مفيدا من دروس تاريخ العراق المعاصر، فينال بذلك رضا المعنيين، ولا سيما اساتذته الافاضل الذين تربى على ايديهم الكريمة.

 الفصل الاول
تطور الوعي لدى النخبة الكردية واحتكاكها المبكر بالتجربة البرلمانية في العصر الحديث
لمحــة عـامـة عـن الاوضـاع الاجتماعيـة والاقتصـادية والاداريـة

للعراق وكوردستان في اواخر العهد العثماني

  دامت السيطرة العثمانية على العراق، واجزاء من الوطن العربي زهاء اربعة قرون، عاش خلالها العراق حالة من الاضطراب والفوضى انعكست على اوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فلم يجر فيه أي اصلاح ملحوظ واضح للعيان، بسبب “ادارته الفاسدة العمياء، والتي كان اهم ما يميزها انها كانت تتوارث الفساد مثل معالم الوجه التي تورث قبل الولادة. لقد كان نظام الحكم في الدولة العثمانية، اقرب ما يكون إلى النظام الفوضوي. وقد وصف لونكريك بلاد الرافدين، موئل الحضارات، في ظل الدولة العثمانية قائلا انهم “تمسكوا بها مدة اربعة قرون باسم السلطان، وقد تركوها وهي ما تزال متأخرة جاهلة، فقيرة غير مستقرة تعمها الفوضى، ويخالجها السخط على حكامها، ومن دون ان توجه إلى أي طريقة من طرق التقدم. حتى ان فخر السيطرة على بغداد الرشيد قد اصبح، بفعل تقادم الزمن المر، من الامور التافهة، لذلك فلا عجب ان تتحول بغداد إلى منفى لكل الولاة الذين فقدوا الحظوة عند السلطان. إذا كان هذا هو حال بغداد قلب العراق النابض فمن البديهي ان تكون المناطق التي كانت تخضع اسميا للسيطرة العثمانية مثل كوردستان اسوأ، فقد ظهرت فيها نتائج الحكم التركي واضحة المعالم على حياة الناس هناك، اذ “ابدت الخشونة والحكم الوحشي التي يتصف بها الموظفون الاتراك اثرها على السكان الخاضعين لنظامهم”. وليس ادل على غياب السيطرة العثمانية ما صرح به النائب الكوردي في مجلس المبعوثان اسماعيل حقي بابان، بعد تجواله في بلاد ما بين النهرين، بان السلطات التركية لا توجد إلا في بغداد.
يتضح مما تقدم ان الثالوث القاتل الفقر والجهل والمرض هو الذي كان يسيطر على العراق واقاليمه.
اذن امام هذا وذاك كان لا بد ان يخيم التخلف بكل معانيه، وتظهر ملامحه ومعالمه على الحياة اليومية للناس، ان لجوء ورثة اقدم الحضارات البشرية إلى استخدام الاحجار وبراز الفأر والجربوع في علاج الامراض في ظل العثمانيين لهو دليل ساطع على مقدار تخلف العراق في ذلك العهد. ونتيجة لهذا الجهل المطبق والفقر المدقع كانت الاوبئة والامراض تفتك بالناس فتكا ذريعا، كما حدث ايام الطاعون الذي اجتاح العراق عام 1830 مثل. فلا غرو ان انخفض مستوى معدل الزيادة السكانية في بلاد الخيرات ليصل إلى ادنى مستوى له في العالم حين بلغ في اواسط واواخر القرن التاسع عشر إلى 1,3% فقط.
وقد وصف احد الرحالة مدينة السليمانية، بعد ان اجتاحها طاعون عام 1831 قائلا “فكأن الانسان حينما ينظر اليها كأنما ينظر في وجه ميت عانى انواع الآلام، وذاق مر العذاب.
ويبدو انه لم يكن المرض والفقر هما الرافد الوحيد لبحيرة الاسى والحزن التي غرق بها العراق بصورة عامة، وكوردستان بصورة خاصة، بل ان الصراع الداخلي والتطاحن القبلي واراقة الدم الكوردي بسيف كوردي قد بلغ اقصى درجاته، ليشمل افراد الاسرة الواحدة، وليس ادل على ذلك من صراع الامراء البابانيين المستفحل في السليمانية.
كان كل ذلك امرا متوقعا من دولة متخلفة، جائرة تأخذ الحقوق ولا تؤدي الواجبات. ويبدو ان الدولة العثمانية كانت تدرك اهمية كوردستان كونها العمود الفقري للشرق الاوسط، اذ انها تقع في قلب آسيا الصغرى، لذا لاعجب ان تتخلى الدولة العثمانية عن جزء من اراضيها إلى الدولة الفارسية مقابل تخلي الدولة الفارسية عن ادعاءاتها بمدينة السليمانية.
لم تتوقف، مع ذلك، عجلة التطور في العراق، كما بين الكورد في ظل العثمانيين لاسباب شتى، لكن ذلك التطور كان يجري ببطء شديد، ولا سيما في مضمار التعليم والثقافة والفكر.

تكون الفئة المثقفة الكوردية الحديثة وبوادر وعيها المبكر: شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر حدثا عالميا مهما ترك اثره الواضح والملموس على عجلة التقدم والتطور في حياة شعوب منطقة الشرق الاوسط بصورة عامة، وبعض اقطارها مثل العراق بصورة خاصة، فلقد ادى افتتاح قناة السويس( )، إلى تعزيز الصلات التجارية بين الشرق والغرب، والى ظهور عامل اضافي مهم لاندماج العراق بالاسواق الرأسمالية، فان قيمة الصادرات العراقية خلال نصف قرن ارتفعت بمقدار اكثر من عشرين مرة في الحقبة الممتدة بين سنة 1864 والسنة التي سبقت نشوب الحرب العالمية الاولى.
وكانت التمور والحبوب هي بضائع التصدير الاساسية، فضلا عن الحيوانات الحية والجلود المدبوغة، والمصارين والصوف المحلي، والتي كانت تصدر إلى اوربا والولايات المتحدة.
سعت الدول الكبرى إلى تعزيز مواقعها في العراق بصورة عامة، بما في ذلك ولاية الموصل بصورة خاصة بوصفها جزءا غنيا ومهما من الناحية الاستراتيجية، فلا غرابة ان سعت تلك الدول، وبكل الوسائل إلى تثبيت مواقع اقدامها في هذه البلاد بغية الاستحواذ على ثرواتها، وربطها بالاسواق الخاصة بها( ).
وكان النفط احد العوامل النوعية الجديدة غير المنظورة التي كانت تحرك سياسة الدول الغربية ازاء المنطقة. وبرزت اهمية كوردستان من خلال سكة حديد بغداد-برلين التي كان يمر جزء منها عبر المناطق الكوردية. تمخضت عملية الاندماج هذه عن نتائج واضحة امتدت اثارها إلى كل مرفق من مرافق الحياة والمجتمع، فالاسوار القديمة التي كانت تفرض حالة من العزلة والرتابة بدأت بالتآكل التدريجي، وظهر هذا بوضوح في مختلف اقاليم العراق، بما في ذلك المدن الكوردية( )، مما ادى إلى تعزيز الروابط بين الريف والمدينة، وظهور مؤسسات لم تكن معروفة من قبل، مثل دوائر البرق والبريد والمصارف والكثير من الامور التي لم تكن معروفة، ولا مطلوبة من قبل.
فعلى سبيل المثال ساعدت علاقات العراق البريدية على تعزيز روافد الاتصال بمراكز الاشعاع الفكري، وبوشر بتأمين طرق الحماية من خطر قطاع الطرق. وهكذا اننا في اواخر العهد العثماني غدونا امام مجتمع جديد، واقتصاد جديد، فرضا، بحكم الواقع والتطور، اراء ومواقف جديدة نقيضة لكل ما كان باليا يتنافى مع روح العصر ومتطلباته.
فبعد ان كان التعليم مقتصرا على الكتاتيب والمدارس الدينية وحدها لغاية اواسط القرن التاسع عشرحين صدر نظام المعارف العمومي في ايلول 1869 والذي وضع بموجب منطوقه نظاما خاصا للتعليم الرسمي تحت اشراف الدولة المباشر.
ودشن النظام بداية تطور التعليم الحديث في كل العراق، بما في ذلك ولاية الموصل التي ارتفع عدد المدارس الابتدائية فيها من مدرسة واحدة إلى ثلاثين مدرسة في العام 1914، كانت حصة المنطقة الكوردية منها تسعة عشر مدرسة، يقدر مجموع عدد الطلاب فيها في ذلك العام بما لا يقل عن الف ومائة واربعين طالبا، في حين بلغ عدد طلاب المدارس الابتدائية في مدينة الموصل والقرى الملحقة بها وحدها ستمائة وثمانية وخمسين طالبا، ولغاية العام 1908 بلغ عدد المدارس الرشدية في المنطقة الكوردية اربعا، يدرس فيها مائتان وستة عشر طالبا، ويقدر عدد طلاب المدارس الاعدادية فيها في اواخر العهد العثماني بمائتين وثمانية وتسعين طالبا.لا شك في ان احد الاسباب الجوهرية التي حدت بالعثمانيين للاهتمام بالمدراس الرشدية يكمن في الحاجة المتزايدة إلى خريجيها لاشغال الوظائف الحكومية المهمة، ولقد شغل العديد من خريجي هذه المدارس من الكورد الوظائف الحكومية فعلا فيما بعد.ادت المدارس الاهلية والتبشيرية دورا مهما في رفد الفئة المثقفة العراقية في تلك المرحلة. فقد افتتح الاباء الدومنيكان اول مدرسة في الموصل عام 1857، وامتد نشاطهم ليشمل مناطق اخرى من ولاية الموصل، مثل زاخو وعقرة وكركوك منذ العام 1867. وان اخطر ما اقدم عليه المبشرون في هذا المضمار كان تأسيس اول مدرسة للبنات في الموصل عام 1875، في حين بلغ عدد المدارس التي اسسها الاباء الدومنيكان عام 1897 في مختلف اقاليم العراق تسع مدارس يتلقى العلوم فيها اكثر من ستمائة طالب وطالبة. واما التواجد التبشيري الامريكي في عموم المنطقة فلم يقل شأنا عن ذلك، اذ قدر عدد المدارس التي ترعاها الكنائس الامريكية بالعشرات، تركز قسم منها في المدن والمناطق الكوردية، او بالقرب منها. وقد ادت المدارس الاهلية دورا افضل في بلورة الوعي لدى المثقفين الكورد، وكان معظم تلك المدارس قد تم انشاؤها بجهود الاهالي او ابناء الطوائف. قامت الطوائف الكاثوليكية الثلاث في عام 1878 بتأسيس مدراس لها في بغداد، وقد ادخلت الانكليزية والفرنسية في مفردات المنهج الدراسي لتلك المدراس التي ضمت اكثر من الف وثمانمائة وثمانين طالبا من مختلف الاديان. بل ان مدارس الطوائف وجدت مكانا لها في اقاليم كوردية نائية، من ذلك “مدرسة اسرائيلية” تحدثت عنها “لغة العرب” سنة 1912. تكون جانب كبير من افكار الفئة المثقفة العراقية الحديثة في المراحل الاولى من ظهورها في باحات المدارس الاهلية، التي ضمت عددا من الشبان الكورد، منهم جمال بابان صاحب اول مجلة كوردية صدرت في العراق قبيل الحرب العالمية الاولى، والذي تحول إلى واحد من ابرز البرلمانيين الكورد في عهد الملك فيصل الاول. تحولت سياسة التتريك التي اتبعها الاتحاديون إلى عنصر محرك قوي لبلورة الوعي القومي عند العرب والكورد وغيرهم من ابناء القوميات المنضوية تحت حكم العثمانيين، مع العلم ان المؤتمر الكوردي الذي عقد برئاسة الشيخ عبيد الله النهري في العام 1880 يؤشر، عادة، كبداية لظهور نواة ذلك الوعي. لكن محاولات الاتحاديين صهر المعالم القومية للعناصر غير التركية ادت دورا حاسما في خلق حالة نفور واضحة لدى مثقفي تلك العناصر من طلاب وحقوقيين ورجال دين متنورين وغيرهم، ممن بدأوا يفكرون بصورة جادة في تنظيم صفوفهم للتصدي لتلك السياسة الشوفينية، ولم يكن موقف المثقفين الكورد اسثناء في هذا المجال، فلقد ظهر اول تنظيم سياسي لهم في اسطنبول في العام 1908.
وهكذا شملت فكرة الاصلاح السياسي معظم المثقفين الكورد الذين اخذوا ينادون بالسر والخفاء منددين بسياسة التتريك. (يتبع)