الرئيسية » مقالات » من ملفات الشرطة الرحلة الاخيرة لرجل دفع ضريبة حب العراق !

من ملفات الشرطة الرحلة الاخيرة لرجل دفع ضريبة حب العراق !

في حي الكاظمية الشعبي المعطر بالرائحة الدينية المميزة … ولد عبد الكاظم ونشأ وتربى وسط اسره متماسكة كانت تعيش في مستوى معاشي مرتفع كثيراً عن مستوى حياة البسطاء الذين يسكنون هذا الحي .. وفي ازقة وشوارع الكاظمية عرف -عبد الكاظم – طعم الحياة وسط الناس الطيبين وتعلم ان القدر صائب خفي في تشكيل مصائر البشر .. الذين لا يمكنهم في النهاية سوى الاستسلام لإرادة السماء.. وكان الصبي – عبد الكاظم- منذ صغره تلميذاً متفوقاً في دراسته نابغاًُ عن اقرأنه التلاميذ ، مما جعل أساتذته يتنبأون له بمستقبل باهر.. ومثل كثير من الصغار .. اذا سأله احد : ماذا تتمنى ان تكون عندما تكبر . – كان الصبي -عبد الكاظم- يرد في الحال : اتمنى ان اكون طبيباً .. وحققت الأيام أمنية الصبي الصغير .. ومرت سنوات الدراسة بسرعة .. وعبد الكاظم – يتجاوز امتحاناته بنجاح باهر ، أهله ليلتحق بكلية طب بغداد .. وفي اثناء دراسة الطب تحول عبد الكاظم الى شخص اخر.. كان يبتعد عن اصدقائه وينفر من قضاء وقت فراغه في المسرات التي يحبها الشباب الجامعي .. وكان يغلق على نفسه باب غرفته عاكفاً على كتبه يلتهم محتوياتها بشغف العابد .. وبذلك استطاع ان يواصل نجاحه في دراسة الطب .. حتى تمكن من اجتياز الامتحان النهائي ، ويوم اعلنت النتيجة النهائية .. اصبح عبد الكاظم طبيباً..
بكى والده من الفرحة وقال له : الان يا ابني استطيع ان استريح .. لقد اعددت لك مفاجأة .. ساله : عبد الكاظم : أي مفاجاة يا ابي ؟.. – قال الاب : لك ان تختار اية شقة في أي مكان وسوف اشتريها لك لتحولها الى عيادة تبدأ فيها عملك.. انني يا ولدي اريد ان اراك تعمل في عيادتك حتى تصبح اشهر اطباء بغداد .. واطرق -عبد الكاظم – الى الارض .. فقد كانت لديه مفاجأة اخرى .. ضريبة للاب .. ولاول مرة في حياته قال – عبد الكاظم – لوالده : لا .. كانت صدمة الاب عظيمة عندما اخبره ابنه انه لا يوافق على مشاريعه التي اعدها له .. يرفض العياده ويرفض التعيين في المستشفيات فور تخرجه.. كانت احلام – عبد الكاظم – الطبيب الشاب اكثر من هذا الحلم الذي يتمناه كل طلبة كلية الطب .. كان – عبد الكاظم – يريد ان يكمل دراسة الطب العالية في احدى جامعات اوربا المشهورة ليحصل على شهادة التخصص التي ستضعه على اول طريق النجاح. وحين فشلت محاولات الاب لاثناء ابنه عن عزمه، وحين فوجئت الاسرة باصرار ابنها الشاب على السفر الى الخارج ، استسلم الجميع فلم تكن لديهم حجج لها نفس قوة منطق الطبيب الشاب .. هكذا تمت اجراءات الحاقه باحدى الجامعات الانكليزية المشهورة .. وعندما وضع – عبد الكاظم – قدمه على سلم الطائرة .. طفرت الدموع من عيني الأب .. ربت – عبد الكاظم – على كتف والده قائلاً : – لماذا تبكي يا ابي ؟.. – قال الاب وهو يمسح دموعه : اخشى يا ولدي ان يكون هذا هو اخر لقاء بيننا . هل كان قلب الاب المسكين يعلم الغيب ؟.. بالتاكيد .. كلا .. لكن هذا كان بالفعل هو اللقاء الاخير بين الطبيب الشاب ووالده .. واستقر – عبد الكاظم – في لندن مستمراً على نفس طريقته في الحياة .. ابتعد عن اماكن اللهو وعن الاصدقاء وانشغل تماماً بدراسته .. حتى اصبح اشهر طلبة الجامعه .. وتكالب الزملاء من مختلف الجنسيات على التعرف عليه ، واحاطه كبار الاساتذة والاطباء بالتقدير والرعاية ، وكانت اسرة – عبد الكاظم – تتوقع الا تزيد غيبته عن بلده اكثر من عامين .. لكن قبل انقضاء العامين واعلان نجاحه في دبلوم التخصص اخبر – عبد الكاظم – والده عن طريق الهاتف انه سيستمر لفتره اخرى في لندن لانه لآبد ان يعمل في احدى مستشفياتها الشهيرة وعمله في هذه المستشفى سيكون جواز سفره الى دنيا مشاهير الأطباء .. واستسلم الاب لرغبة ابنه الطبيب .. وتعود فيما بعد ان يلقى من ابنه نفس المكالمات بين حين واخر ..
بدأ – عبد الكاظم – عمله في المستشفى البريطاني الشهير وسرعان ما وجد لنفسه مكاناً بين مشاهير الاطباء .. واستغرقه عمله تماماً عن التفكير بالرجوع الى بغداد .. كان يعتقد – عبد الكاظم -انه وهب نفسه لمهنة الطب التي كانت في نظره رسالة سامية .. شيء واحد لم يكن – عبد الكاظم – يتوقعه على الاطلاق : هو الحب .. في حفلة راقصة أقامها احد كبار الاطباء الانكليز في بيته .. في هذه الحفلة التي ذهب اليها – عبد الكاظم – مضطراً لمجاملة الطبيب الكبير .. وقع في الحب .. حين وقع نظره عليها لاول مرة اجتاحه شعور عنيف جعله يهتز في اعماقه .. كان جمالها غير عادي .. وكأنها امرأة مغموسة في بحيرة كبرياء .. وحين قدمه بعضهم اليها .. قال لها بالانكليزية : مساء الخير .. ففوجئ بها ترد باللهجة العراقية : مساء النور .. وفي تلك الليلة ولاول مرة شعر الطبيب بان هناك شيئاً اخر غير الطب وغير العمل .. شيئاً لذيذاً وغريباً ومثيراً .. شيئاً اسمه الحب .. في تلك الليلة ربط كيوبيد بين قلب الطبيب وبين العراقية الحسناء فاتنة الحفل .. وقبل ان تنفض السهرة .. كان يواجه عينيها السامرتين الواسعتين – سألها ببساطة : تتزوجيني ؟.. ردت في استحياء .. نعم . تغير مجرى حياته تماماً .. بعد ان تزوجا وعاشا معاً في لندن اجمل ايام العمر .. وعرف طعم السعادة والهناء .. وادرك كل منهما انه خلق للأخر .. وبعد ان انتهت ايام العسل .. – قالت له : آن الاوان لنفكر في الإجراءات التي يجب ان نفعلها للسفر .. – سألها بدهشة : السفر الى اين ؟ .
– قالت له : الى بغداد .. وفوجئ الدكتور – عبد الكاظم – بان زوجته لا تفكر في الاقامة الدائمة في لندن .. وانها تخطط للعودة معه الى العراق .. – وقال لها : بغداد!. – فقالت : نعم بغداد .. لتعود الى اهلك وتخدم شعبك وابناء بلدك .. ولم يكن يستطيع ان يقول لها لا .. ولماذا يرفض وهو يحبها وقد اصبحت زوجته .. وهكذا اتخذ قراره بسرعة .. او بالأحرى وافق على قرارها بسرعة .. وخلال اسابيع كان يضع قدمه مره ثانية ويعود الى بغداد .. وكان القدر يخبئ له قصة اخرى .. قابله الموت في اليوم الاول لوصوله الى بغداد ..بعد ان استقر في منزل شقيقته ليستريح من عناء السفر وقبل ان يسألها .. – قالت له بحزن : والدك .. سألها بلهفة : اين هو ؟ .
– اطرقت قائلة : البقاء لله .. لقد توفي .. وصدم الدكتور – عبد الكاظم – صدمة كبيرة .. فقد كان يتخيل انه سيعود ليجد كل شيء كما كان، وكان يامل ان يعوض والده الحنون عن غيبة السنوات الطويلة .. وتمالك نفسه ليسأل شقيقته : وماذا فعلت امي . لم ترد .. صرخ فيها : اين امي ؟ لم ترد .. واجابت بدموعها .. ماتت امه ايضاً .. دون ان يعلم .. ورغم هذه الفواجع والذكريات الأليمة .. فقد استقر في حي المنصور وافتتح عياده طبية قريبة من داره وعين في احدى مستشفيات بغداد الرسمية .. وبدأت مظاهر الاستقرار تحيط بحياته .. حتى دوت في سماء بغداد اصوات دوي المدفعية وقصف الطائرات وسقطت بغداد بعد ذلك وبدأت حملات التصفية الجسدية وقتال الشوارع .. لم يكن يدرك او يفهم : لماذا يشارك إنسان بشكل من الإشكال في قتل وتخريب بلده ؟ وما هو سر التعصب والنفور الذي لا معنى له بين كافة شرائح المجتمع العراقي .. كان يشاهدهم سابقاً في المطاعم والمقاهي والمتنزهات وفي الاحتفالات الدينية والوطنية معاً .. ويعالجهم في المستشفيات معاً .. وكان يتساءل لماذا اذن يوجهون الاطلاقات الى بعضهم البعض ؟ ..
ولدت ابنته الصغيره الوحيدة تحت دوي اطلاق الرصاص والمدافع وانفجار السيارات المفخخة .. يوم ولادتها تحولت سماء بغداد الى جهنم .. كانت النيران وأصوات الانفجارات تندلع في قلب السماء .. وكانها العاب نارية شيطانية .. كان طبيباً .. وكان يكره ان يشاهد انساناً يتألم .. لكن كل ما حوله كان يصرخ بالالم .. وكان يوم يتخذ قراره بمغادرة بغداد .. ويعود الى المنزل فلا يستطيع مجابهة زوجته بالقرار .. كيف يطلب منها ان تنجو بنفسها وتترك اهلها واخوتها وإخوته لمصير غامض .. كان يشعر انه بذلك يقسو على وطنه الذي تربى بين أحضانه .. ومرت ايام .. وشهور ولم تتوقف مطحنة العنف والقتل والاغتيال.. كان الدكتور – عبد الكاظم – قد تحول الى انسان اخر .. انسان يبكي يومياً على كل جريح ينزف دماً في اروقة المستشفى ولا يستطيع ان ينقذه من الموت المحتوم .. ماذا فعلت مشاهد القتل والجرحى والانفجارات ودوي التفخيخ وطلقات الرصاص في نفس هذا الرجل المسالم .. كل الذي نعلمه انه استيقظ فجراً على دوي قنابل هاون بدأت تتساقط كالمطر على محيط داره .. وأصابت أحداها منزله فاحترق وعائلته مع اثاث المنزل .. ولم يعثر في الصباح الا على بقايا رجل كان طبيباً يحب العراق .. وأبناءه..
التآخي