الرئيسية » مقالات » غدر بالجار وهدم للديار.. في الذكرى 17 للعدوان على دولة الكويت – الحلقة الاولى

غدر بالجار وهدم للديار.. في الذكرى 17 للعدوان على دولة الكويت – الحلقة الاولى

في عام 2001 ولمناسبة مرور 11 عاما على خيمة صفوان دفعنا أغلب فقرات هذا المقال الى النشر في العديد من الصحف والمواقع على الانترنيت دون الاكتراث لردود فعل النظام الصدامي المقبور و لا لشراسته المعهودة التي ارتفعت وتيرتها في الشهور الاخيرة من عمره ما بين ترغيب وترهيب ذقنا منها مرارتها وزادتنا صلابة في الموقف , وهذه الخواطر كنت شاهدا عليها وعاصرتها قبل ان اقرر الهروب الى الحرية والمغادرة من العراق عام 1991 بعد العدوان على دولة الكويت وتحريرها من قوات التحالف واندحار الطاغية وجيشه المهزوم , ولا نريد هنا ان نذكر كل التداعيات والاشكالات التي تعرضنا لها عام 1990 بعد الاحتلال بسبب موقفنا الرافض والصريح لهذه الجريمة البشعة انذاك حيث كانت الصدفة وحدها هي التي حفظت حياتي من اشرس نظام عرفته البشرية منذ سقوط النازية عام 1945 .
وعلى الرغم من الضرر الجسيم الذي أصاب الشعب والدولة في الكويت من نظام عدواني غدر بالجيران وهدم الديار وجعل من العراقيين ثلاثة شعوب , واحد في العراق يرزح تحت سياط الجلاد وأخر في المنافي مابين مهجر ومسفر ولاجئ وهارب من الجحيم وثالث تحت الارض في المقابر الجماعية التي طالت العرب والكورد والتركمان والاشوريين والكلدان صغارا وكبارا , أقول على الرغم من كل هذه الجروح وقف الشعب الكويتي وحكومته مع شعب العراق في المحنة المشتركة واسهمت الكويت في التحرير والخلاص من هذا النظام البشع وهو موقف مشرف يمد جسور الثقة والمستقبل المشرق القائم على احترام الخيارات والتعاون المثمر القائم على حكم القانون وعلاقات حسن الجوار بين الاشقاء .
لقد زرت دولة الكويت الشقيقة قبل التحرير وبعده ولم نجد من الشعب والسلطات الكويتية الا الخير وكانت الحسرة والالم تؤرق كل انسان في العراق والكويت في ان لا تكون لآحداث الماضي اي ظلال على علاقات الاخوة والمحبة بين الشعبين لان صدام ونظامه البشع احتل العراق بنهجه العدواني المتخلف قبل ان يحتل دولة الكويت ولا يخفى ان الاحتلال الداخلي هو اخطر من الاحتلال الخارجي بتفاصل كثيرة معروفة للقاصي والداني.
وفي شهر ايلول من عام 1998 في لاهاي – هولندا دعوت مع بعض الاخوة الافاضل في المعارضة العراقية الى انعقاد مؤتمر دولي للاعداد لمحاكمة صدام والمسؤولين العراقيين من خلال مؤتمر تحضره شخصيات عديدة ناشطة في حقوق الانسان والقضايا الانسانية رغم مخاطر عقد مثل هذا المؤتمر الذي جاءت الدعوة له في أوج شراسة نظام صدام , وقد عقد المؤتمر فعلا بدعم من حركة الوفاق العراقية و بحضور شخصيات عراقية معروفة ( السيد الدكتور محمد بحر العلوم والسيد الدكتور اياد علاوي والشخصية المعروفة حسن النقيب والسيد نوري البدران – وزير الداخلية السابق والاستاذ الدكتور صلاح الشيخلي والسيدة رند رحيم والسيد بختيار أمين وغيرهم كثيرون ..) كما وجهت الدعوة الى الاخوة في الكويت ومنهم السيد السفير خالد الدويسان وحضر مندوب وكالة الانباء الكويتية , وكنا مع أخرين نسعى بجد الى تفعيل ملف المحاكمة لمحاسبة صدام ونظامه . ودعونا في محاضراتنا قبل سقوط النظام وخاصة في واشنطن وفي لاهاي الى تشكيل محكمة جنائية وطنية عراقية داخل العراق من قضاة عراقيين لمحاكمة المتهمين بهذه الجرائم الدولية وفعلا تم تشكيل هذه المحكمة العراقية بقانون رقم 10 لسنة 2005 الصادر عن أول جمعية عراقية منتخبة من العراقيين .
واليوم بعد ان سقط النظام وجرت محاكمته محاكمة عادلة من القضاء العراقي الذي أصدر حكمه العادل في إعدام الطاغية عن واحدة من جرائمه أرتكبها في مدينة الدجيل يحتاج العراق في هذه المحنة الكبيرة الى كل الدعم من الكويت وغيرها لبناء مقومات دولة القانون وترسيخ ثقافة الحوار والاعتراف بالاخر ونشر قيم المحبة والتسامح عدا المتهمين بجرائم دولية حيث لا يجوز قانونا ولا شرعا التسامح مع المجرمين الذين ارتكبوا هذه الجرائم العمدية الخطيرة ضد دولة الكويت وضد العراقيين . كما يقع على كل القوى المحبة للسلام ان تقف بحزم ضد الارهاب وقوى التكفير وبقايا البعث التي تهدد الامن والسلم في المنطقة ولا نشك ان هناك الملايين من العناصر الخيرة في العراق والكويت تريد بناء الجسور السليمة واواصر الصداقة والجوار القائم على المصالح المشتركة والروابط التاريخية والاخوية لتعزيز الامن والاستقرار وتحقيق الرخاء للمنطقة وهذا لن يتحقق الا بالسلام ونبذ العنف وهو مبدأ اساسي للحكم الجديد في العراق. وليس من الضير ان نعيد التذكير لما حصل قبل وبعد احتلال دولة الكويت لغرض الاستفادة من هذه الدروس واعتماد اسس صحيحة في العلاقات مع الجيران قائمة على السلم والاحترام .
-2-
الوضع قبل العدوان على دولة الكويت
في إحدى الأمسيات البغدادية التي خيم عليها الظلام الدامس بسبب متطلبات الحرب ضد إيران ووجوب التعتيم وعدم فتح الإنارة لكي لا تكون هدفا للطائرات المغيرة فوجئ الشعب العراقي بظهور صدام وهو يبكي من على شاشات التلفزيون في العراق – قبل نهاية الحرب العراقية / الإيرانية بشهور – ويذرف دموع التماسيح بسبب استمرار الحرب مع إيران وللخسائر البليغة في الجيش العراقي والأرواح والأموال والطاقات ويدعو إلى الصبر والدعاء إلى الله لإنهاء الحرب الضروس التي أشعل فتيلها. ولاشك أن هذه حالة غير مسبوقة إذ لم يسبق لرئيس دولة أو ملك أو حاكم أن يظهر بالصورة التي كان عليها. وليست هذه هي المرة الأولى التي ظهر فيها صدام وهو يبكي بهذا الشكل فقد سبق أن ذرف دموع التماسيح مع البعض من رفاقه في قاعة الخلد ببغداد عام 1979 إبان ادعائه في اكتشاف المؤامرة عليه من رفاقه في البعث و الذين اعدمهم فيما بعد بمحاكمات صورية بعيدة عن أي ضمانات قانونية لينفرد بعدها في السلطة ويهدر الدار ويعلن الحرب على الكورد والشيعة وعلى دول المنطقة والعالم مدعيا انه باني العراق والبطل القومي المخلص والمنقذ للامة والناشر للفكر الإنساني..!
ثم أخيرا وضعت الحرب العراقية – الإيرانية أوزارها في الثامن من آب 1988 بينما كانت بيوت العراقيين مثخنة بالجراح من حرب دامية بدأها نظام صدام واستمرت 8 سنوات لم تترك غير الدمار والخراب في كل مناحي الحياة في العراق , سواء أكان ذلك أثناء الحرب الضروس التي استخدمت فيها كل صنوف الأسلحة التقليدية وغير التقليدية مثل السلاح الكيمياوي والغازات السامة ضد الكورد في حلبجة وجرائم الانفال وضد البارزانيين وضد الشيعة وضد القوى الوطنية العراقية , أم ما تبع ذلك من أثار مدمرة هي الأقسى من وقائع العمليات العسكرية ذاتها التي دارت رحاها خلال فترة الحرب.
فمن المعلوم للجميع أن الآثار الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والعسكرية والإنسانية لمرحلة ما بعد الحرب هي الأخطر من الحرب والعمليات العسكرية ذاتها وبسبب هذه الخطورة لا يمكن تجاوزها أو حلها بسهولة أو إنهاء نتائجها بين ليلة وضحاها فما يزال العراقيون يعانون من نتائج هذه الحرب حتى ألان وأن جروح العراقيين لم تندمل بعد سواء من حيث قضية الأسرى أم المفقودين في الحرب أم في مئات الآلاف من العوائل الثكلى أم من المعاقين الذين فقدوا شبابهم وطاقاتهم في الحرب أم في الطاقات البشرية التي سئمت الحروب وتركت الوطن وركبت المخاطر والموت بحثا عن الأمان والحرية أم في الثروات التي أهدرت في شراء السلاح من التجار ومن السوق السوداء الدولية عبر الوسطاء وتجار الحروب.
وبالرغم من هذه المأساة وأثارها البليغة على كل العراقيين وشعوب المنطقة والعالم فان صدام كان يخطط سرا لموضوع كارثي هو الغدر بالجار الجنوبي بعد أن غدر بالجار الشرقي وكان هو الأخطر فعلا من الحرب التي سبقتها حيث لا يعلم أي شخص بهذا الزلزال المنتظر أو الكارثة سوى عدد محدود جدا من القيادة العراقية في مجلس قيادة الثورة المقبور وهي عملية التخطيط لاحتلال دولة الكويت و (بعض دول الخليج العربية) للسيطرة على منابع البترول وتنفيذا للأحلام التوسعية والسيطرة المطلقة وللنفس المريضة للطاغية وتطبيقا لسياسة الغدر والنهب للجار والتخريب للديار.
ومن مقدمات هذه الخطة التي كانت تهدف للتمويه أو الخداع وصرف الأنظار عن خطة الغدر بالجار السرية هي قيام النظام آنذاك في عمليات التمويه ومنها ممارسة عمليات الإخلاء للسكان المدنيين من بغداد. وقد أشاع النظام في حينها باحتمالات قيام إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية مفاجئة إلى بغداد وتارة أخرى باحتمال فيضان نهر دجلة وحصول غرق لمناطق بغداد ولذلك نشطت الأجهزة الحزبية والأمنية في عمليات تدريب السكان المدنيين على الإخلاء وعلى عمليات الدفاع المدني وعلى اللجوء إلى الملاجئ التي كانت معدة أصلا لعوائل نخبة النظام كحماية من الضربات الجوية المحتملة أو للتحصين مما كان يزعم من الفيضان لنهر دجلة أو الضربة العسكرية من إسرائيل. كما صنفت هذه الملاجئ حسب أهمية البشر ومدى صلتهم بالنظام فالبشر على درجات وأصناف في معايير النظام واعدت هويات خاصة لبعض المسؤولين وعائلاتهم للتحصين في الملاجئ المذكورة عند حصول الخطر المزعوم. كما قام النظام بتكليف المديرين العامين والمسؤولين وعمداء الكليات والقادة الحزبين والأمنيين وغيرهم بتولي مهام إخفاء أو الحفاظ على الوثائق والسجلات المهمات في بيوتهم أو مزارعهم أو منتجعاتهم أو في أي مكان أخر يرونه مناسبا وأمينا من الخطر القادم من نهري دجلة والفرات !! أو من إسرائيل وضربتها الجوية المنتظرة على العراق!
ولقد كنا نستغرب من سلوك السلطة آنذاك ونتساءل بهمس هو انه إذا كان هناك خطر قادم من هجوم إسرائيلي مرتقب أو من فيضان مزعوم فلماذا يوزع النظام هويات أو بطاقات الدخول للملاجئ للبعض دون البعض الأخر لكي يتحصنوا فيها؟ لماذا لم أحصل أنا مع عائلتي وآخرون مثلي من هذه الهويات؟ أسئلة كثيرة محيرة لم نفهم دوافعها حينذاك.
-3-
نكث العهود و إهدار القيم
في منتصف فبراير ( شباط ) من عام 1989 أجبرت الأجهزة الأمنية العراقية المندسة تحت غطاء الحزب عشرات الآلاف من الطلبة والموظفين وأساتذة الجامعات إلى ساحة الاحتفالات الكبرى في بغداد وقد سيقوا مثل قطيع الأغنام تحت القوة والسياط للتجمهر هناك وللحضور وسماع خطاب القائد الضرورة ولما سيدلي به من أقوال تاريخية للامة في تحديد ورسم معالم طريقها للمستقبل الزاهر…!
ولم يتمكن أحد من هذا ( القطيع ) الغياب أو الاعتذار عن الحضور فالنتائج معروفة لمن يعصي أمر النظام لا سيما ان المخبرين منتشرون بين القطيع..!. وحين وصل الجمهور إلى الساحة الكبرى للاحتفالات في وسط بغداد انتظروا فترة من الزمن حتى ظهر أربعة من الرؤساء العرب هم الرئيس محمد حسني مبارك والرئيس علي عبد الله صالح و الملك المرحوم الحسين بن طلال و صدام الذي كان يرتدي (السدارة الفيصيلية نسبة للمرحوم فيصل الأول – ملك العراق ومؤسس الدولة العراقية (.
وقبل الدخول للساحة المذكورة خضع كل فرد للتفتيش الدقيق كما لم يسلم حتى أحد عمداء الكليات من جامعة بغداد ( الدكتور نزار العنبكي عميد كلية القانون ) وهو من الكوادر( العفلقية ) من التفتيش والإهانة حيث قام أحد جنود الانضباط العسكري بتفتيشه من خلال عصا كان يحملها بيده بطريقة تكشف عن مدى الاستهانة بالبشر , ثم ألقى صدام خطابا مطولا كانت فحواه تدور حول بنود مجلس التعاون العربي للدول الأربع وقد جاء من بينها (عدم جواز استخدام القوة بين الدول العربية لحل أي مشكلة قد تنشا فيما بينها) وعلى أساس أن هذا المجلس هو نواة لقوة عربية مشتركة تسمح بالتعاون في جميع المجالات من خلال تزاوج الخبرات والثروات والطاقات العربية وكذلك تضمن الميثاق عدم جواز حل المشكلات بين العرب بالقوة وعدم جواز التدخل بالشؤون الداخلية للدول العربية وغيرها من البنود التي تشبع فكر المواطن العربي بها منذ اكثر من نصف قرن.
ولم تمض إلا فترة قصيرة على إنشاء المجلس حتى قام أمير دولة الكويت انذاك بزيارة العراق في شهر نيسان من عام 1989 وقد حظي بتكريم كبير من القيادة العراقية وقام صدام بتكريمه بوسام الرافدين من الدرجة الأولى عرفانا له وتقديرا لدور دولة الكويت الشقيقة في وقفتها مع العراق في الحرب ضد إيران خلال فترة 8 سنوات ( 1980- 1988 ) سواء للدعم المادي أم العسكري أم السياسي وحتى للدعم الإعلامي والشعبي. وقد كان هذا التكريم تتويجا للعلاقات الطيبة وترسيخا للثقة وتمتينا للعهود بين البلدين الجارين.
وحين سأل أمير دولة الكويت الرئيس صدام عن موعد زيارته القادمة للكويت , أجابه صدام ( زيارتي للكويت ستكون مفاجئة لكم !! ). ثم ذكر … صدام انه أمر أولاده وأسرته باللجوء إلى عمهم سمو الأمير إذا حصل ما لا تحمد عقباه من تغيير في العراق ليكونوا في رعاية عمهم سمو أمير دولة الكويت !
وفي شباط من عام 1990 زار صدام الملك الحسين لمناسبة مرور عام على تأسيس مجلس التعاون العربي وصرح صدام في زيارته بضرورة الاعتراف بدور العراق في الخليج كقوة عظمى لا ينافسها أحد وهذا يتطلب دعم العراق ماليا وهو ما أثار غضب العديد من الدول العربية وغير العربية , ويبدو أن هدف الزيارة كان ابتزاز دول الخليج , وخاصة السعودية والكويت , لكي تلعب القوة الصدامية دورها في المنطقة الملتهبة بالبترول ويبدو أن هذا الاجتماع لمجلس التعاون كان بمثابة الشرارة الأولى للزلزال … أو للكوارث اللاحقة.
-4-
)الضوء الأخضر أم الضوء الأحمر ) من السفيرة الأمريكية أبريل غلاسبي؟
بتاريخ 25 تموز من عام 1990 وبينما كانت المفاوضات بين الجانبين العراقي والكويتي بين مد وجزر , تهديد ووعيد , وبينما كانت الأنباء تتناقل عن حشود عسكرية ضخمة على الحدود العراقية – الكويتية وما كنا نشاهده من تحرك كبير للقطعات العسكرية العراقية من مناطق كوردستان والموصل وغيرها إلى الجنوب (منذ عودة صدام من عمان في شباط 1990) , كان صدام قد استدعى السفيرة الأمريكية السيدة غلا سبي للاجتماع بها في ذات الساحة الكبرى للاحتفالات ببغداد القريبة من القصر الجمهوري في اليوم المذكور للوقوف على موقف الولايات المتحدة الأمريكية من قضية الخلاف مع دولة الكويت.
دار الحديث بينهما بحضور المترجم وطارق عزيز – رغم أن السفيرة كانت تجيد التحدث بالعربية – وقد فهم صدام من السفيرة أن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لن تتدخل في قضايا النزاعات أو الخلافات بين الدول العربية باعتبارها شأنا داخليا عربيا بين البلدين العربيين المتجاورين , كما فهم صدام آنذاك أن أمريكا ستبقى على الحياد إذا ما اقدم على الاحتلال العسكري لدولة الكويت خاصة انه قدم ( خدمات جليلة ) إلى أمريكا ولدول الخليج العربية في الوقوف بوجه تصدير الثورة الإيرانية – الإسلامية إلى المنطقة.
وأيا كان الفهم الذي ترشح من هذا اللقاء الذي دار بين الطاغية والسفيرة الأمريكية فان قرار احتلال الكويت ( ومنابع البترول في بعض دول الخليج العربية ) كان مرسوما في ذاكرة عدد محدود جدا من القيادة في العراق استنادا لعدد من المعطيات الداخلية والظروف الخارجية وأمور عديدة كانت تجري آنذاك في العراق نابعة من طبيعة نظام الحكم الفردي وهوس أحلام السلطة المطلقة والقوة وعبادة الشخصية القائم على الإرهاب المتميز وإنكار وجود الأخر والغدر ونكث العهود حيث تأكد ذلك بخطاب عضو مجلس قيادة الثورة سعدي مهدي صالح التكريتي مع عدد محدود من أساتذة الجامعات العراقية في بغداد في شهر ايلول 1990 أي بعد تنفيذ جريمة العدوان على الكويت.
وعلى آية حال انتهت المقابلة مع السفيرة (غلا سبي) بقولها أن الخلافات الحدودية بين العراق والكويت ليست قضيتنا وهو أمر لا يعنينا بحد ذاته …!؟. فهل كان هذا هو الضوء الأخضر أو الضوء الأحمر للزلزال؟ أو كان فخا كبيرا اكتشفه الكثير من المسؤولين العرب والمحللين ومنهم الدكتور مروان القاسم ( مستشار الملك الحسين ) الذي طلب من طارق عزيز مرات متعددة بضرورة الانسحاب من الكويت وعدم الوقوع في الفخ الخطير المنصوب للعراق ولكن لا حياة لمن تنادي.
-5-
مغامرة فردية طائشة لاحتلال دولة الكويت
على اثر انهيار مفاوضات الفرصة الأخيرة بين الوفدين العراقي والكويتي في جدة والتي عقدت في نهاية شهر تموز من عام 1990 وانهارت في 1 آب 1990 , حيث كانت التعليمات الى الوفد العراقي المفاوض برئاسة المجرم عزة ابراهيم الدوري إفشال المفاوضات بكل صورة لان قرار الاجتياح كان مخططا له أصلا منذ انتهاء الحرب مع إيران عام 1988 حيث لم تنجح وساطة الحكومة السعودية في نزع فتيل الأزمة بين الطرفين بسبب النية السيئة للوفد العراقي المفاوض , وكان لابد من حصول الاجتياح للقوات العراقية ودخولها الكويت بالنظر لتأزم المواقف بين الطرفين وسياسة الابتزاز وتنامي القوة العسكرية العراقية وخاصة القوه الصاروخية بعيدة المدى ولعوامل عديدة داخلية وعربية ودولية معروفة للجميع. بل ان القطعات العسكرية العراقية كانت قد تحركت فعلا منذ شباط 1990 على الحدود مع الكويت مما يدلل على النية المبيتة مسبقا على الاحتلال والحاق دولة الكويت بالعراق وهو ما يكرر طرحه الان من بقايا أزلام البعث المقبور من العرب السنة وكأنهم يريدون إعادة إنتاج الماضي ومأسايه رغم مرور 17 عاما على هذه الجريمة .
وفي هذا السياق كان صدام قد اصدر أوامره السرية للغاية منذ شباط 1990 ( أي بعد عودته من عمان ) إلى 200 عنصر من القوات الانتحارية العراقية ( العمليات الخاصة ) بدخول دولة الكويت على شكل وجبات حيث استكملت وجودها في تموز من عام 1990 وهي تنتظر الأوامر بالهجوم الانتحاري على بعض الأهداف الأساسية في دولة الكويت ومنها قصر أمير دولة الكويت والعائلة الحاكمة والإذاعة وبعض الأهداف الحيوية والمهمة لتشكل بذلك رأس الرمح في الهجوم المباغت على المؤسسات الكويتية وخاصة السيطرة على الحكومة والعائلة المالكة الكويتية ومحاولة إلقاء القبض عليها وذلك قبل أن تدخل القطعات العسكرية العراقية وقد حصلت هذه المجموعة على الأسلحة من السفارة العراقية في دولة الكويت و من بعض الأشخاص المقيمين في الكويت ممن يحصلون على الدعم من النظام آنذاك ولاسينا عملاء النظام المقبور من العراقيين والفلسطينيين المقيمين في دولة الكويت.
وقد كان من بين هذه العناصر الانتحارية المدعو العميد محمد فارس كاظم كامل الذي عمل فيما بعد مستشارا ثقافيا في السفارة العراقية في لبنان وقاد عملية اغتيال المرحوم الشيخ طالب سهيل التميمي في بيروت عام 1994 وهو من فرق الإعدام ومنسوب للعمليات الخاصة وسبق أن زار الأردن متخفيا اكثر من مرة قبل وبعد عملية الاغتيال للشيخ التميمي . وقد القي القبض عليه في تشرين الثاني 2003 في منطقة الحبانية لقيادته عمليات التخريب وارتكابه العمليات الاجرامية ضد العراقيين بعد التحرير.
ومع بزوغ فجر يوم الخميس 2 آب من عام 1990 اندفعت القطعات العسكرية العراقية التي كانت على الحدود على محاور ثلاثة. وقد جاء الهجوم على دولة الكويت بصورة مفاجئة للجميع , أي للعراقيين وللبلدان العربية ولحكوماتها وللعالم. بل أن هذا الهجوم جاء مباغتا ومفاجئا حتى لبعض الأعضاء في القيادة العراقية ومجلس قيادة الثورة المنحل .
فقد سبق أن وعد صدام العديد من الملوك والرؤساء العرب وغيرهم من المبعوثين انه لن يدخل الكويت ولن يقع في الفخ المنصوب له ولن يحل المشكلة بالقوة وفقا لبنود ميثاق مجلس التعاون العربي ذاكرا لهم أن الأمر لن يتعدى عن كونه أزمة لابد أن تحل ضمن إطار البيت العربي حيث ذكر هذا للرئيس المصري حسني مبارك شخصيا وللملك الحسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية .
في صباح يوم الخميس 2 آب وفي تمام الساعة الثامنة صباحا أذاع راديو بغداد خبر دخول القوات العراقية إلى دولة الكويت. ومن الطبيعي أن عملية احتلال الكويت لم يكن يعرف بها إلا عدد محدود من القيادة العراقية لا يتجاوز عددها أصابع اليد. وهذا يعني أن عملية التخطيط والإعداد والتنفيذ لم تحصل إلا من صدام , بل أن رئيس أركان الجيش الفريق نزار الخزرجي وبعض الأعضاء المسؤولين في الدولة العراقية عرفوا بخبر الدخول إلى دولة الكويت من المذياع. ولم تنجح جميع الوساطات العربية والأجنبية لإقناع الرئيس العراقي في الانسحاب من الكويت. فأعطى الإنذار المعروف من مجلس الأمن للانسحاب وإلا تعرض العراق إلى العمل العسكري وطرد القوات العسكرية بالقوة من الكويت ( القرارات 660 في 2 آب 1990 و 661 و663 و664 و665 و666 و667 و669 و670 و674 و677 و678 و686 و687 لسنة 1991 ).
ولما لم يستجب صدام لقرارات مجلس الجامعة العربية المنعقد في 10 أب 1990 و لا لقرارات مجلس الأمن في الانسحاب من الكويت , تعرض العراق إلى كارثة الحرب في اضخم معركة دفع الشعب العراقي ثمنها حيث ما تزال أثارها الى الآن يعاني منها جميع العراقيين .
ففي فجر يوم 17 من كانون الثاني 1991 تعرض العراق للهجوم المدمر واستمرت الحرب حتى 28 شباط حيث قبل صدام بقرار وقف إطلاق النار وجلس ممثلي النظام في خيمة صفوان الشهيرة التي فرط فيها النظام بالسيادة الوطنية وفرضت الشروط العلنية والسرية على طرف غدر بالجار وخرب الدار لقاء بقائه في الحكم على بغداد وضواحيها.
التآخي