الرئيسية » مقالات » هل عمت الفرحة بين الأوساط الطائفية السياسية بفوز المنتخب العراقي؟

هل عمت الفرحة بين الأوساط الطائفية السياسية بفوز المنتخب العراقي؟

وجه لي صديق فاضل سؤالاً مشروعاً حين كنت أتابع معه مباراة كرة القدم بين العراق والسعودية وحين كنا نتابع معاً بفرح طفولي وعفوي تلك الفرحة والبهجة والانطلاقة العفوية التي عمت العراق واجتاحت شوارع بغداد من أقصاه إلى أقصاه , كما أخذت معها أوساط العراقيات والعراقيين في الخارج : هل تعتقد حقاً بأن الفرحة قد عمت صفوف القوى الطائفية السياسية التي أسست لها أحزاباً تستند إلى الفكر الطائفي وتركت المشروع الوطني العراقي , مشروع المواطنة العراقية , مشروع المشاركة الواعية والمتساوية في العراق يلهث خلفها؟ أجبته بلا تردد ووضوح في حالتين:
1. أرى جازماً بأن الفرحة بهذا النصر الجميل لم تصل إلى أولئك الذين افتوا الناس بعدم لعب كرة القدم ووجدوا فيها لعبة صبيانية مجنونة لا يحق للرجال ممارستها , كما لا يحق للمرأة بالمرة ممارستها أو ممارسة غيرها من الرياضات الحرة أولاً.
2. وأرى ثانياً أن جميع القوى والأحزاب السياسية التي بنت أحزابها وكياناتها الشخصية على الطائفية السياسية والتمييز بين الطوائف ورفض الديانات الأخرى ومحاربة أتباعها لا يمكنهم أن يفرحوا ملئ القلب بهذا النصر الجميل. وهذا لسبب بسيط جداً هو أن الفريق العراقي الذي حقق هذا النصر كان فريقاً مختلطاً أفاده ينتمون إلى قوميات وأديان ومذاهب واتجاهات فكرية وسياسية متنوعة , ولكنهم جميعاً ينتمون إلى أرض العراق. كم تمنى هؤلاء أن يكون الفريق العراقي إما من المسلمين الشيعة فقط أو من المسلمين السنة فقط , وليس من الشيعة والسنة ومن المسيحيين وربما من الصابئة المندائيين والأيزيديين وغيرهم من الأديان والمذاهب التي تعيش منذ ألاف أو مئات السنين في هذا العراق المستباح حالياً بعلة الطائفية القاتلة. فالطائفي لا يتحمل هؤلاء جميعاً , بل لا يتحمل الاختلاف حتى بين انباء طائفته , كما نعيش اليوم في البصرة وفي مناطق أخرى من العراق.
إن قناعتي ليست نتاج حكم مسبق إزاء الطائفي السياسي , إزاء الإنسان الذي يتعامل على أساس طائفي مع الإنسان الآخر , بل هي نتيجة منطقية لطبيعة الموقف الفكري والتصرف السياسي والعملي الذي تمارسه القوى السياسية الطائفية إزاء بعضها الآخر. والسؤال المنطقي الذي يفترض أن يطرح في مثل هذه المناسبات هو: لماذا حقق هذا الفريق النصر البهيج في مبارياته على امتداد الموسم في بلد تسوده الطائفية ويسعى أصحابها أن تعم في العراق كله حكومة وشعباً؟ الجواب المنطقي عن هذا السؤال بسيط جداً ومبدئي حقاً : لأن هذا الفريق العراقي :
– يضم إليه خيرة اللاعبين العراقيين وأكثرهم كفاءة في التعامل مع الآخر ضمن الفريق ومع الكرة وإزاء الفريق الآخر, فهو ليس خصماً للفريق السعودي , بل صديقاً يمارس معه مباراة ينتصر فيها الأكفأ لا غير.
– لأنه لا يميز بين اللاعبين على أساس ديني أو مذهبي أو فكري أو سياسي , بل ولم يدخل في بال المدرب واللاعبين مفهوم الاختلاف الديني والمذهبي والسياسي في إطار اختيار اللاعبين لتشكيل الفريق العراقي , ولهذا ضم في صفوفه المسلم والمسيحي وغيرهما , العربي والكردي والكلداني وغيرهم أيضاً , ولأن مدرب الفريق لم يسأل عن الهوية الدينية أو المذهبية أو القومية حين اختار اللاعبين , بل وضع نصب عينية الكفاءة والقدرة على التعامل مع بقية أفراد الفريق بتناغم وتعاون وتنسيق وانسجام من أجل تحقيق النصر. ولو تابعنا موقف الرياضيين العراقيين لأنعشتنا الفرحة حين نرى كيف يثمن هؤلاء اللاعب الكبير وشيخ كرة القدم في العراق عمو بابا.
– ولأن الفريق قد بذل جهداً كبيراً في التدريب والتأهيل الذاتي , كما امتلأ رغبة في إحراز النصر في الملعب ليشيع , ولو لفترة قصيرة , الفرحة الغامرة في نفوس الناس الطيبين في العراق الذين استباحتهم قوى الإرهاب والظلام والاستبداد والفساد والجريمة عل مدى السنوات الأربع المنصرمة.
– ولأن هذا الفريق كان يدرك بوجود جمهرة كبيرة ترجو له النصر وتتمنى له وعليه أن يحقق لها النصر في هذا المضمار على الأقل لكي تدرك قادة الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية معنى المواطنة ومعنى المساواة في المواطنة لجميع العراقيات والعراقيين بصرف النظر عن القومية أو الدين أو المذهب أو اللغة أو لون الشعر والبشرة.
هذا الفريق الرياضي يفترض أن نطلق عليه بالفريق العراقي المدني والعلماني , وهو فريق غير سياسي بطبيعة الحال لأن الدين والمذهب السياسيين ابتعدا عن الرياضة , إذ لم يتدخل الدين ولا المذهب في التأثير عليه وعلى اختيار لاعبي الفريق , وبالتالي استطاع , إلى جانب عوامل أخرى , أن يحقق النصر.
والسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه علينا هو : هل نحن في الساحة السياسية قادرون على إحراز النصر ونشر الأمن والاستقرار والطمأنينة في نفوس العراقيات والعراقيين؟ نعم أيها السيدات والسادة في بغداد وفي كل مكان من العراق , نعم يا حكام العراق الجدد , هذا ممكن وممكن جداً شريطة أن تتخلوا عن ربط الدين بالدولة , عن شد لحية الدين بلحية السياسة , إذ من خلال هذا الربط والشد ستتحرك القوى المذهبية السياسية هي الأخرى لتفرض نفسها على الساحة السياسية المتصارعة طائفياً , والحصيلة واضحة جداً هو ما يعيشه الشارع العراقي منذ سقوط النظام الدموي في العراق.
متى ما كف الإنسان عن أن يكون طائفياً سياسياً وكف عن التمييز بين أتباع الأديان والمذاهب المتعددة , عندها يمكن أن نقول بأن العراق قد وصل إلى شاطئ الأمن والاستقرار والسلام الأهلي؟ وعندها يستطيع العراق أن يكافح بنجاح كل التيارات العنفية والتكفيرية والظلامية والصدامية في أرض العراق , فهل يمكننا إقناع السادة الأعضاء في المجلس الأعلى الإسلامي أو حزب الدعوة أو حزب الفضيلة أو منظمة العمل الإسلامي أو التيار الصدري وكذا ميليشياتها وغيرها من جهة , والحزب الإسلامي وهيئة علماء المسلمين وأي مسميات مذهبية سنية أخرى وميليشياتها من جهة ثانية , هل يمكننا إقناع أعضاء مجلس النواب ومجلس الوزراء من أتباع تلك الأحزاب بالكف عن أن يكونوا طائفيين سياسياً , إذ أننا لا نطالب أحداً بالتخلي عن دينه أو مذهبه , بل التخلي عن استخدام دينه ومذهبه في السياسة , في وظائف وعمل الدولة؟ هذا هو السؤال الذي يفترض أن نناضل من أجل أن يجيب عنه هؤلاء السيدات والسادة بما يساعدنا على البدء بالسير بالاتجاه الصحيح وعلى سكة السلامة نحو عراق مزدهر يضم جميع العراقيات والعراقيين دون استثناء ويتعاملون مع بعضهم بكل مساواة وأخوة وتناغم.
إن الكف عن ربط الدين بالدولة , طريق المدنية والعلمانية , هو الطريق السليم الوحيد الذي يمكنه أن يقيم دولة المواطنة المشتركة وبناء المجتمع المدني الديمقراطي الحر , وفي الوقت نفسه دولة تحترم فيها كل الديانات والمذاهب وتحترم وتصان حرية العبادة لكل الناس.
هذا هو الدرس الكبير الذي تقدمه الرياضة ويقدمه فريق العراق الفائز بكاس آسيا لكرة القدم في دورته ألـ 14, فهل سنتعلم منه؟ هذا هو أمل العراق الوحيد للخروج من محنته وأزمته الراهنة وبناء مستقبل أفضل!
31/7/2007 كاظم حبيب