الرئيسية » الآداب » احمد عبدالله زه رو يستذكر المسيرة الثقافية في مدينة دهوك

احمد عبدالله زه رو يستذكر المسيرة الثقافية في مدينة دهوك

كانت الثقافة الكوردية محظورة على روادها
اول مهرجان للشعر الكوردي اقيم في دهوك عام 1973 شارك فيه 30 شاعراً
كان لطلبة القسم الكوردي وخريجيه دورا في نشر الثقافة الكوردية في دهوك
الثقافة الكوردية اليوم تتألق وبفاعلية اكبر بسبب الامان والاستقرار

حاوره في دهوك : حكيم محمد رسول
للثقافة الكوردية دورها الكبير في تغيير الاوضاع وتنوير الافكار ، على الرغم من عزلتها ومعاناة روادها من جراء انقطاع تواصلهم الفكري والمعرفي والانساني عن العالم الخارجي على مدى عصر التاريخ الحديث ، حيث اريد لهذه الثقافة والمثقفين الارتكان الى سبات قسري متعمد كي لا يكون لهم ذلك الشأن الكبير في مجريات الاحداث التي عاشتها المنطقة ، ولكي لايسهم المثقف او الاديب الكوردي بدوره الفاعل في تغيير الواقع المظلم وتحويله الى واقع ناصع ينبيء عن شفافية القلم الكوردي صاحب القضية وحامل همها الاول.ولكي نتمكن من الالمام الحقيقي لسنوات نصف قرن مضت في مسيرة الثقافة والمثقفين الكورد في مدينة عريقة مثل مدينة دهوك ، لابد من الاحتماء بذاكرة المثقفين والادباء من ابنائها، وقد كان هذا هاجسي الاول وانا اتوجه للكتابة عن المشهد الثقافي المعاصر في هذه المدينة ، اذ ان محاولة مثل هذه تحتاج الى نبش ذلك الخزين الكبير بما يتضمنه من حكايات وسير ومواقف ووقائع والوان من ذكريات يمكنها ان تقرب ما ابتعد من عوالم ، قد تكون غائبة او مغيبة عن المشهد في حضوره اليومي الذي يؤكد المشاركون فيه ان ادباء وفناني هذه المدينة ان هم الا امتداد لاجيال مبدعة ارست دعائم النهوض الفكري ، ووضعت اللبنات الاولى لواقع الثقافة الرصينة في خاصرة المدينة التي تألقت عبر الزمن الطويل بأبداعات ابنائها في شتى ضروب المعرفة الانسانية. في هذه الرحاب التقينا مع واحد من الشخصيات الثقافية الذي وضع بصمات واضحة على خارطة الثقافة الكوردية منذ مطلع ستينيات القرن المنصرم ، وكان شاهدا على كل مجريات المسيرة الثقافية بما حملته من اعباء عبر رحلة اربعة عقود ابتدأت خطوتها الاولى في عام 1967 حيث تخرج الاديب احمد عبدالله زه رو مع مجموعة طيبة من طلبة القسم الكوردي في كلية اللغات جامعة بغداد ، وما قدموه للثقافة الكوردية خلال فترة الدراسة وجودهم في بغداد ، حيث برز الكثير منهم كأدباء ، ما تزال اثارهم الابداعية ماثلة للعيان في ساحة الفعل الابداعي … قبل ان نتحدث مع الاديب احمد عبدالله زه رو لابد ان نتعرف على اجزاء مهمة من بطاقته الابداعية والشخصية ، فهو من مواليد زاخو عام 1944 ، اكمل فيها دراسته الاعدادية ثم تواصل في تحصيله الجامعي بكلية اللغات جامعة بغداد وعين كمدرس في سميل مطلع آذار 1969، ومايزال مستمرا حتى اليوم كمدرس اختصاص للغة الكوردية في ثانوية التآخي للبنين في مدينة دهوك ، وهو الى جانب وظيفته كمدرس كرس حياته للعمل الثقافي في مدينة دهوك فأسهم بأصدار معظم المطبوعات الصحفية والثقافية في المدينة حرصا منه على ادامة المعرفة لتتواصل عبر الاجيال ، واسس مكتبة ثقافية عامرة هي مكتبة ( دهوك ) التي رفدت عبر سني وجودها المثقف الكوردي بما يحتاجه من الاصدارات الجديدة من الكتب والمجلات والصحف المتنوعة ، الى جانب كونها الملتقى الاول لرواد الفكر والثقافة من الادباء والفنانين والاكاديميين من اساتذة جامعة دهوك ومعاهدها ومحبي المعرفة في المدينة و زائريها . اصدر العديد من الكتب الشعرية والتراثية منها( شاهي و ديلان /سترانا ليريكي -حه يرانوك /الالغاز والاحاجي الكوردية /ديوان شعر مطبوع في السويدباللاتيني /نكات عالمية كردية ، دراسة ونصوص / الديموقراطية الاشتراكية ، الكوردية انموذجا /الى جانب مشاركاته التي لاتحصى في المجلات والصحف . عن بدء المسيرة الثقافية في منطقة بهدينان ارتأى ان ينطلق من سنوات الجفاف التي تسببت في حرمان الاديب الكوردي من حقه المشروع في الاسهام الفاعل في اغناء الساحة الثقافية من ابداعاته التي ظلت مغيبة قسريا ، و عدم تمكينه من بناء مؤسساته الثقافية التي من شأنها ان تنهض بالموروث الثقافي حاضرا ومستقبلا ، اذ يقول:الثقافة الكوردية في كوردستان بشكل عام ومنطقة بهدينان شكل خاص عاشت لفترات متقطعة بحسب الظروف السياسية للمنطقة .. الانتفاضات والثورات الكوردية كان لها الدور الايجابي في ظهور وانتعاش الحركة الثقافية ، مع وجود الخطر القسري على هذه الثقافة من قبل الانظمة المستبدة والتي لم تعترف يوما بوجود شعب له تراثه وحقوقه القومية، لذا فأن الانشطة الثقافية والابداعلت الادبية والفنية لم تكن ظاهرة للعيان بشكل مرئي الا ما ندر من منشورات وقصائد ومقالات في بعض الصحف الكوردية التي كانت تصدر في بغداد او في السليمانبة بشكل متقطع يصعب الحصول على بعضها في مناطقنا ، وبأستثناء ذلك فأن كل ثقافة كوردية كانت محظورة الى درجة كان من الصعوبة مجرد الاحتفاظ بديوان شعر لشاعر ما من امثال ” جكه ر خوين او خاني او حاجي قادر كويى” وغيرهم . فترة الانفتاح في منطقة بهدينان على الثقافة بدأت في اواخر الخمسينيات ، وتحديدا في اعقاب ثورة 14 تموز ،حيث صدرت مجموعة كبيرة من الصحف والمجلات الكوردية في بغداد واربيل والسايمانية وكركوك كمحاولات فردية من بعض الادباء في نشر نتاجاتهم في تلك المطبوعات امثال ” صادق بهاء الدين وامين عثمان وصبري بوتاني وابراهيم رمضان النجار وغيرهم ، وكصحافة خارج المناطق المشار اليها صدرت مجلة ( روناهي)في بغداد مابين عامي 1960 – 1962، وكانت متداولة بين النخبة المثقفة من اجيال الخمسينيات والستينيات.ولابد من الاشارة هنا الى الدور الكبير الذي لعبه طلبة القسم الكوردي في جامعة بغداد خلال فترة الستينيات ، حيث اسهم الادباء الكورد في بناء نهضة حقيقية للثقافة الكوردية من خلال وجودهم في بغداد بعيدا عن مدن كوردستان ، و بعد صدور أتفاقية آذارعام 1970كانت الطفرة نوعية للثقافة الكوردية ، حيث بدأت الممارسات الثقافية تأخذ حيزا واسعا من الحرية ، مما اتاح للاديب الكوردي الحصول على اجازة لتأسيس مقر للاتحاد العام للادباء والكتاب الكورد في مدينة دهوك ، ومثله فعلت بقية الشرائح الابداعية حيث هب الجميع لاستثمار الموقف الايجابي المتمثل في ذلك الانفتاح على حرية الكلمة والرأي والنشر والحوار ،فقاموا بتأسيس منظمات لهم على غرار ما فعله الادباء ، حيث كان دور الهيئة الادارية في ذلك الاتحاد فعالا من خلال قيامه بتنظيم برنامجه الخاص الذي اشتمل على العديد من الفعاليات والانشطة الثقافية كالندوات والمؤتمرات ، واستقطابه لمجموعة من الشباب المؤهلين للكتابة ، وكان من نتائج ذلك الانفتاح قيام الاتحاد بتنظيم عدة ندوات تخصصية للشعر والقصة والبحوث النقدية والدراسات ، كما كان لفرع الاتحاد في دهوك عام 1973 دوره الفاعل بأقامة مهرجان للشعر استغرق يومين متتاليين شارك فيه اكثر من 30 شاعرا من ابناء المنطقة وخارجها من امثال الشاعر بدرخان السندي وعبد الرحمن مزوري وفيصل مصطفى ، وقام الشاعر بدر خان السندي في اليوم الاول من المهرجان بالقاء محاضرة ادبية على حدائق نادي الموظفين ( سابقا) والمهرجان اقيم انذاك في سينما دهوك لعدم وجود قاعات واسعة في المدينة آنذاك تستوعب هكذا فعاليات كبيرة ، حيث القى الدكتور بدرخان السندي كلمة الاستاذ الشهيد صالح اليوسفي رئيس اتحاد ادباء كوردستان انذاك، وكان للاذاعة الكوردية ببغداد حضورها الواضح في نقل وقائع هذا المهرجان حيث كانت تبث يوميا خمس او ست قصائد لشعراء كورد مشاركين في المهرجان بشكل مباشر الى جانب اللقاءات والحوارات التي اجراها مندوب الاذاعة مع عدد كبير من المشاركين في ذلك المهرجان.في الفترة من 1970 ـ 1974 ولاول مرة صدر بعض المجلات والنشرات في مدينة دهوك مثل مجلة ( ره شه ن) التي كانت تصدر عن دائرة تربية نينوى ، وكذلك مجلة ( جيا ) للدكتور بدرخان السندي وهي اول مجلة تطبع في دهوك وصدر منها عددان فقط ومجلة ( هيفي ) الشهرية والتي كانت تصدر عن مركز اعلام اتحاد معلمي كوردستان فرع دهوك وكنت في ذلك الوقت مشرفا على اصدارها حتى العدد السابع حيث اغلقت بسبب التحاقنا بثورة ايلول عام 1974 .خلال فترة الثورة كان لنا الدور الفاعل كل من موقعه كالتربية او الاعلام او الاذاعة ، وهناك ايضا كان لي حصة نشر قصيدتين في مجلة ( صوت البيشمه ركه ) بعد نكسة عام 1975 اعقاب اتفاقية الجزائر التي ادت الى خيانة القضية الكوردية بقيت عدة اشهر في ايران ثم عدت بعدها الى مدينة دهوك وبقينا في جمود لحركتنا الثقافية حتى العام 1978 حيث تبلغت من الامين العام للثقافة والشباب انذاك حول اقامة مؤتمرعام للادباء الكورد ، وجدت في حينه ان الادباء الذين جمعهم الامين العام لغرض المشاركة في المؤتمر ليس لهم علاقة بالاتحاد رسميا وليسوا من اعضائه اصلا ، فقلت للامين العام بصراحة تامة ان هؤلاء الاخوان ليسوا اعضاء في اتحادنا ، فقال لي : ( ومن هم الاعضاء ، هل يمكنك جمعهم الآن ؟ ) وازاء هذا التحدي تمكنت من جمع عدد من الزملاء الادباء ، مما جعل لنا الحضور الواضح في عقد المؤتمر الخامس في اربيل وكنت عضوا في اللجنة التحضيرية في ذلك المؤتمر المهم ، حيث حاولت مجموعة الامين العام للثقافة والشباب تشكليل مجموعة ادارية تكون تحت اشرافه مباشرة ، أي بمعنى ادق ان يتشكل ( اتحاد للادباء الكورد – لصاحبه )كما كان الحال مع مجموعة الاحزاب الكارتونية في بغداد ، لكننا في المؤتمر ، وبشكل جماعي كنا موحدين حتى تمت الانتخابات بشكلها القانوني ،التي افرزت فوزي كعضو فيها من مجموع احد عشر اديبا برئاسة الدكتور عزالدين مصطفى رسول، ولا يفوتني ان اذكر للتأريخ والاجيال المقبلة ان الشخصية الكوردية المتمثلة في شخص المرحوم عزالدين فيضي لعبت دورا اساسيا من خلال ترأسه لجلسات المؤتمر وضبطه لبنود ومحاور المؤتمر بشكل دقيق وصادق عبر عن نصاعة مواقفه القومية النزيهة تجاه الادباء الكورد في ذلك الزمن الصعب . بعد تشكيل الفروع اسندت الي رئاسة فرع دهوك وبقيت كذلك حتى انعقاد المؤتمر السابع عام 1986 في اعقاب المؤتمر الخامس ، أي خلال الفترة الواقعة بين عامي 1978 – 1986 برز الكثير من الشعراء والادباء والصحفيين ، وكانت الملتقيات الادبية والمهرجانات الشعرية مكثفة بشكل بارز ، وهذه المسألة سجلت للحركة الادبية في دهوك كأكبر تظاهرة ثقافية من حيث غزارة الانتاج وكثرة الملتقيات الشعرية والقصصية داخل مدينة دهوك وخارجها ، وخلال تلك الفترة شارك فرع دهوك للادباء في اعمال الملتقى الاول للقصة العراقية المنعقد في مصيف صلاح الدين خلال فترة الثمانينيات . على الرغم من تعاظم الانشطة الثقافية في مدينة دهوك خلال الفترة التي اشرنا اليها ، الا انني اود ان اشير في هذا الجانب بأن المدينة لم تشهد صدور اية صحيفة او مجلة ثقافية بأستثناء عدد واحد من مجلة ( به يف – الكلمة) والتي قمت بأعدادها كرئيس للفرع ، وبعدها لم تسمح لنا رقابة المطبوعات العراقية بطبع العدد الثاني ، بعد قيامنا بطبع العدد الأول في مطبعة الحوادث البغدادية لعدم وجود مطبعة حينذاك في محافظة دهوك ، الا اننا كمجموعة ادباء في المدينة كان لنا ثمة اتصالات دائمة مع المجلات والصحف التي تصدر في بغداد واربيل مثل جريدة هاوكاري وملحق العراق الكوردي ومجلة به يان و روشنبيري التي تصدر عن دار الثقافة والنشر ببغداد ومجلة نوسه ري كورد ومجلة شمس كوردستان لجمعية الثقافة الكوردية في بغداد ومجلة كاروان في اربيل ، وبقرار من وزارة الاعلام العراقية تم اصدار صحيفة كوردية بالكرمانجية الشمالية ، وكنت احد الاعضاء المؤسسين لها مع المرحوم الدكتور نافع عقراوي ، وكانت معروفة بجريدة ( بزاف – النهضة )وكان لتلك الجريدة دور فعال في نشر الثقافة الكوردية باللهجة المذكورة .بعد الانتفاضة المجيدة عام 1991 واستقرار المنطقة ، بدأت حركة الصحافة الحرة ، الحزبية منها بالدرجة الاساس تأخذ دورها الفاعل والحقيقي برفد المئات من الاقلام للكتابة في معظم المجالات الفكرية بشكل حر ، وهذا الفعل الثقافي الكبير ادى الى تنامي الصحافة الكوردية في عموم الاقليم بما فيها محافظة دهوك التي تشهد في الوقت الحاضر صدور قرابة الاربعين مطبوعة مابين صحيفة اسبوعية او شهرية وما بين مجلات مختلفة التي تنوعت جهات اصدارها بتنوع المنظمات الكثيرة الموجودة في ربى هذه المدينة التي تألقت منذ فجر التاريخ بأبداعات ابنائها ، وهي الان تتألق بشكل اكثر فاعلية واكبر حجما بعد ان نالت نعمة الامان والاستقرار لتتفرغ للبناء والنهوض الذي يليق بأمجادهاوتأريخها المشرف الناصع ، ويشرفني ان اكون من بين ابنائها في العمل الثقافي من خلال تواصلي بنشر المقالات والمذكرات الادبية والفنية والاعلامية التي تسهم بشكل او بآخر ببناء مفاصل الموروث الثقافي لمحافظة دهوك العريقة .
التآخي