الرئيسية » مقالات » الأكراد في بغداد

الأكراد في بغداد

من اعالي جبال كردستان نزلوا الى سهل بغداد انهم معشر الأكراد احفاد محمود الحفيد وأبناء ًُملاّ مصطفى البرزاني. واذا كان المنصورالعباسي القريشي اول من اسسها فأنها_اي بغداد_ عرفت العجم من كرد وفرس واتراك منذ ايام نشئتها الاولى يوم استعان الخليفة العباسي بدهاء (ابو مسلم) الخرساني ومن ثم الرشيد الذي استعان بالبرامكة في تنظيم شؤون دولته وسار اغلب خلفاء بني العباس على هذا المنوال حتى صار الاعتماد على الفرس او الترك او الكرد بتنظيم امور الدولة وادارتها من تقاليد الحكم العباسي. اذكر ذلك كدليل تاريخي على ان وجود غير العرب في اعلى مراتب الحكم في بغداد ليس وليد ساعته فلا غرابة ولا عجب ان نرى اليوم الاكراد يحكمون في بغداد ولماذا نستكثر عليهم ذلك وهم الذين يرون انفسهم جزء من الامة العراقية واختاروا طواعية البقاء ضمن العراق الاتحادي؟

بل سنستغرب اذا ما رأينا بغداديا اصيلا يحكم مدينته اذ يشهد تاريخ بغداد انها لم تحكم من ابنائها قط وجميع من مرَّ عليها حاكما او فاتحا او غازيا كان من الوافدين اليها وليس من سكانها الاصليين. ولنبدأ بالعراق الحديث وبفيصل الاول الذي نودي به ملكا كثمرة من ثمار ثورة العشرين التي اشعل فتيلها العرب الشيعة حيث كانت من مطالب الثوار اقامة مملكة وحكم وطني يتزعمه ملك هاشمي فجيء بفيصل من سورية ومن عجب ان تسمع اليوم من يصف الاكثرية الشيعية في العراق بـ(الصفوية) ويطعن بعروبتها وبولائها للوطن وهي التي استماتت من اجل قيام نظام وطني في العراق يترأسه ملك عربي !.

لا اجد تفسيراً منطقياً للطعن بعروبة الشيعة سوى الطائفية المقيتة التي جُبل عليها البعض، وعلى أية حال فأنه ووفقاً لمفاهيم الدولة القطرية المعاصرة والمبادئ الوطنية المعمول بها يعتبر فيصل الاول اجنبي لانه اصلا حجازي وليس عراقي ولا بغدادي فلماذا استساغ البعض حكمه لبغداد ولا يستسيغ اليوم رؤية الاكراد في بغداد والذين هم جزء اساسي من الامة العراقية وفقا لمبادئ المواطنة والمساواة؟

وفيصل هو ابن الشريف الحسين بن علي ملك الحجاز ومفجر الثورة العربية الكبرى عام 1916 الذي اتفق مع الانكليز على محاربة دولة الخلافة الاسلامية العثمانية ووعده الانكليز بمنح العرب الاستقلال واقامة دولتهم القومية الكبرى لكن الانكليز (ابو ناجي) اخلفوا بوعودهم له وحنثوا بيمينهم وضربوه (بوري ابو الطواطة) بعد انتصارهم على دولة الخلافة الاسلامية التي اعلن فقهاء الشيعة في العراق الجهاد في سبيل الحفاظ عليها وهي التي اذاقتهم مُر العذاب ايام حكمها وبرروا جهادهم بالحفاظ على (بيضة الاسلام)، وبكلمة اخرى وقف الضحية الشيعي مدافعا عن جلاده العثماني السني بينما تخلى السني العربي عن الدولة الاسلامية السنية وتحالف مع اعدائها الانكليز ( الكفار). الشريف الحسين بن علي يعتبره رواد الفكر القومي العربي من ابطال العرب ولم ينظر اليه على انه من احفاد (ابن العلقمي) كما يتهم شيعة العراق الان بإعتبار انهم ساهموا في اسقاط حكم (عبد الله المؤمن ) صدام التكريتي. والسؤال هو ما الفرق بين موقف قادة شيعة العراق من عملية تحرير العراق واسقاط نظام صدام الدموي والتعاون مع قوات التحالف عن موقف الشريف الحسين بن علي والد فيصل الاول من عملية اسقاط الخلافة العثمانية وتعاونه مع الانكليز في حينها؟

لايوجد فرق فكلا الحالتين استهدفت التخلص من الظلم والاضطهاد بالتعاون مع القوى الخارجية. والغريب ان اي من مفكري التيار القومي العربي لا تستوقفه حالة الشريف الحسين مع الانكليز بل ينظر اليها على انها براغماتية سياسية ولكن حينما يأتي هذا المفكر ذاته الى الحالة الشيعية العراقية يبدأ يتعاطى مع الامر بلغة التخوين وينظر الى الشيعة على انهم (خنجر) في خاصرة الامة وهذه النظرة يتفق فيها القومي العربي مع السلفي التكفيري على حد سواء وسبب هذا الاتفاق بين الاثنين رغم التفاوت الفكري بينهما هو الدوافع الطائفية التي تجعلهم يتحسسون من شيعي عربي كالجلبي ولا يتحسسون من سني عربي قام بنفس فعل الشيعي في سبيل خلاص بني قومه كالشريف الحسين والد الملك فيصل الاول والذي يبدو انه كان على سر ابيه في تعامله مع الانكليز في العراق.

والامر ذاته ينطبق على عبد الرحمن النقيب الاب الروحي للانكشاريين الطائفيين الذين احتلوا العراق بعد افول دولتهم العثمانية فعادوا الى بغداد حاكمين من جديد لكن هذه المرة بجلد انكليزي بعد ان خلعوا جلدهم العثماني. ويكاد يجمع اكثر الباحثين والمؤرخين على حقيقة كون العهد الملكي هو امتداد للعهد العثماني البغيض ويستدلون على ذلك بكون اكثر رجالات العهد الملكي هم ذاتهم رجالات العهد العثماني وادواته التي ُحكم بها العراق ومنهم النقيب وهو اول رئيس حكومة عُينت تحت حراب الاحتلال والانتداب الانكليزي للعراق وقبل نيل استقلاله.

ومن الغرابة ان صمتا عجيبا يلف القوميين العرب عند المرور على حياة النقيب وقبوله وهو (شيخ الاسلام) تشكيل الوزراة تحت راية الاحتلال ولا ادري لماذا لا نسمع تخوينا للنقيب او طعناً بـ(عروبته) او وطنيته او وصفه بالعمالة لانه قبل التعامل مع الاحتلال الانكليزي مثلما نسمع اليوم نعيق البعض ضد الشيعة والاكراد لانهم بوصفهم (عملاء) للاحتلال ! فما الفرق بين حالة النقيب بالامس وحالة العراقيين اليوم الذين ارتضوا الدخول في المشروع الامريكي وتحرير العراق علما ان الانكليز دخلوا العراق محتلين اما الامريكيون فقد جاؤا منقذين ومُخلصيين؟.

ويعتبر النقيب من ابرز رموز الاقلية السنية في العراق بل من بناة مجدها واليه يعود الفضل في هيمنة ابناء طائفته على مقدرات العراق واحتلالها للسلطة واستحواذها بالامتيازات اكثر من ثمانية عقود حيث وقف النقيب ذات يوم مخاطباً المس بيل سكرتيرة المندوب السامي قائلا: ( خاتون ان امتكم عظيمة وغنية وجبارة فأين قوتنا؟ انا اعترف بإنتصاركم فانتم الحاكمون وأنا المحكوم وإذا سئلت ِعن رأيي في استمرار الحكم البريطاني فان جوابي هو اني خاضع للمنتصر وانكم بذلتم الاموال والنفوس في سبيل ذلك ولكم الحق في ان تنعموا بما بذلتم) (تاريخ الوزارت للحسني ج1 ص 115.)

لا اعتقد ان قائدا ً شيعياً او كردياً قال للامريكيين اليوم عُشر معشار ماقاله النقيب للخاتون بالامس ومع ذلك فأن بقايا الديناصورات السياسية من القوميين العرب والطائفيين والصداميين والتكفيريين ومعهم المطبلين من المُستَحمَرين مافتؤا يكيلون للشيعة والاكراد التهم ويحللون قتلهم لانهم بحسب وصفهم عملاء للمحتل وخونة.

والنقيب من الاسرة الكيلانية التي يعود نسبها الى مدينة كيلان غرب في ايران اي انه من اصول ايرانية لكن لا احد يطعن بـ (عراقيته) ولا احد يتعرض الى (عروبته) لانه سني ولو كان شيعيا او كرديا لأقاموا الدنيا عليه ولم يقعدوها. وكذلك الحال مع عبد المحسن السعدون الذي مات وترك وصيته مكتوبةًٌ باللغة التركية كي تستطيع زوجته التركية قراءتها والحال لا يختلف كثيرا مع نوري السعيد الذي كان من اصول البانية والذي شكل الوزارة اكثر من ثلاث عشر مرة وحكم بغداد مدة سبعة وثلاثين عاما.

واما مزاحم الباججي فأصله التركي اوضح من ان ينكر ولقبه الانكشاري يدل على ذلك وكذلك الحال مع جعفر العسكري الذي يقول عنه السوسيولوجي حنا بطاطو في كتابه (تاريخ العراق، الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية ج1 ص 356) انه ابن لواء عثماني والأمر ذاته مع طه الهاشمي وشقيقة ياسين الهاشمي الذي انتحل لقب الهاشمي بعد ان انتقل الى معسكر الملك فيصل واسمه الحقيقي (ياسين حلمي) وهو من اصول سلجوقية على حد قول بطاطو ومع ذلك يعتبره البعض (بسمارك العرب) يالها من مفارقة سلجوقي بسماركا ً للعرب!

والحال لا يختلف مع تركي مثل كامل الجادرجي والذي اكد بمذكراته هذه الحقيقة من ان اغلب الذين حكموا بغداد _ان لم يكونوا كلهم_ ليسوا من اصول عربية او عراقية وليسوا من سكان بغداد الاصليين حيث نقل عنه الكاتب حسن العلوي في سفره الرائع ( التأثيرات التركية في المشروع القومي العربي في العراق ص 102) وتحت عنوان الشجرة التركية نقل عن الجادرجي وهو يتحدث عن السياسيين الذين حكموا العراق في العهد الملكي قوله: ( كان طالب جد حكمت سليمان مملوكا لسليمان باشا الكبير احد ولاة بغداد فاشتراه مع طفل آخر يقال انهما اختطفا من قرية بجوار ( تفليس) في (القفقاس) فتولى تربيتهما وتعليمهما وقد سمى احدهما (طالبا) والثاني داود، وكان كلاهما بلغ مراكز رفيعة فقد اصبح داود واليا على بغداد واصبح طالب (كهيته) اي معاونا له. والظاهر ان طالب كهيته قد سمى ولده سليمان تيمنا ً باسم مولاه سليمان باشا الكبير… اما والدة حكمت فكانت شركسية شديدة المراس ) انتهى.

وحكمت سليمان اصبح رئيسا للوزراء في العهد الملكي ومن عائلته ناجي شوكت وهو الاخر رئيس وزراء ايضا وسامي شوكت وهذا الاخير من زعماء الحركة القومية العربية في العراق ويالها من مهزلة تركي زعيما للقوميين العرب! ومن قبل ذلك فان ساطع الحصري الذي تشبع بالمفاهيم الطورانية ويعد من ابرز تلاميذ ومريدي المدرسة القومية التركية اصبح منظراً للقومية العربية !

ومن المصادفات الغريبة ان معظم الذين يعترضون على وجود الاكراد في حكومة بغداد والذين يزعقون ليل نهار في الاعلام مولولين على العروبة التي انتهكها الشيعة (الصفويون) والاكراد حسب زعمهم اقول ان اغلبهم من طينة سامي شوكت اي من اصول اعجمية تركية وانكشارية ومع ذلك يزاودون العرب الاصلاء اعني الشيعة على العروبة ويزاودون على عراقية الاكراد! هؤلاء ينطبق عليهم المثل العراقي القائل:( الي ابعبه طلي يمعمع).

وهكذا تستمر الشجرة الملعونة بتفرعاتها ويستمر الغرباء بحكم بغداد لاسيما العسكر القادمين من القرى النائية والذين نزوا على الحكم بالانقلابات ابتداءاً بعبد السلام عارف وانتهاءاً بصدام التكريتي القادم من قرية العوجة من وسط الصحراء القاحلة. ولم اجد وصفا ً لحقيقة الحكام الذين تعاقبوا على حكم بغداد اروع من وصف العلوي لهم بكونهم ( عرب من قوارير). هؤلاء ورغم تخلفهم وجهالتهم وقسوتهم المستمدة من قساوة الصحراء لا يثيرون حفيظة العنصريين والطائفيين الانكشاريين لكن ان يكون الحاكم كرديا وفي بغداد؟ فتلك جريمة لاتغتفر.

لا ادري لم كل هذا الحقد على شعب عانى الامرين من حكم العنصرين؟ وما هي جريمة الاكراد حتى يُستكثر عليهم حقهم في العيش بحياة كريمة وبمشاركة بقية العراقيين الحكم والسلطة؟ ان الحقيقة التي تضيق بها الصدور المريضة هي ان الاكراد اثبتوا انهم رجال دولة وحكم واهل حكمة وعقل تفتخر بهم الاوطان ولا غرو اليسوا هم احفاد صلاح الدين الايوبي الذي حرر القدس التي لازال العرب يلهجون باسمها ويصرخون مع الشاعر العراقي الشيعي مظفر النواب:

(القدس عروس عروبتكم
فلماذا ادخلتم كل زناة الليل الى حجرتها
ووقفتم تسترقون السمع وراء الابواب لصرخات بكارتها
وسحبتم كل خناجركم وتنافختم شرفا
وصرختم فيها ان تسكت صونا للعرض
فما اشرفكم… اولاد القحبة هل تسكت مغتصبة؟)

من يعلم.. فنزول الاكراد لبغداد قد يكون مقدمة لتحرير القدس وحينها لا ادري ماذا سيكون موقف عتاة القومية العربية وهم يرون علم كردستان بشمسه المشرقة يرفرف عاليا خفاقا الى جنب علم فلسطين؟ مسألة قد تكون صعبة التحقيق لكنها في السياسة قد تحدث. فما اصعبها من لحظة على العنصريين الذين يستكثرون رؤية الاكراد في بغداد فما بالك اذا ما دخلوا القدس محررين؟.