الرئيسية » مدن كوردية » النار الازليه ( باوه كَركَر)

النار الازليه ( باوه كَركَر)

 باحث كيميائي / المانيا
قلما نجد شخصا في بلد مثل العراق او حتى خارجه لم تطرق سمعه النار الازليه . النار الازليه هذه الشعله الوضاءه المتوهجه منذ آلاف السنين وهي تنفث بلهيبها وسط مختلف التقلبات الجويه من عواصف وامطار او غيرها طيلة الحقب البعيده للتاريخ . وتشير الكتب القديمه من زمن الفراعنه والبابليين ان منطقه من بلاد ما بين النهرين تحوي بقعه من الارض تشتعل فيها النار دونما تدخل للانسان . وقد جاءت تلك الكتب بتفسيرات تنسجم وطبيعة تلك الحقب الزمنيه من انتشار المعتقدات بان هناك قوى سحريه خلف هذه الظاهره وهناك اخطار تلحق بالسكان وعليهم بتجنب كذا امور خشية وقوع نكبات تفتك بالناس وما الى ذلك واحيانا كانت بعض الشعوب التي سكنت تلك البقاع تجري طقوس دينيه ومراسيم ارضاء الالهه بعدم الحاق الضرر بالمجتمع وكانت القرابين تتوالى على تلك الشعله تباعا .
لم تتمكن اية جهه حديثة العهد من اضفاء الصبغه العلميه لهذه الظاهره الا بعد ان برزت وظهرت حاجة الامبراطوريه البريطانيه للنفط امرا واقعا وملحّا في اواخر القرن 18. الدوائر البريطانيه ومنذ الازل تعتمد دقة الملاحظه ومن ثم البحث و الاطلاع في اعماق الكتب القديمه فاستنتجت بان هناك في بلاد ما بين النهرين/ الميزوبوتاميا ارضا تنفث النار التي جاء ذكرها في تلك الكتب . فهرعت بارسال جواسيس بصفة مستشرقين للاطلاع وتقييم تلك المنطقه مع رفع التقارير المتخصصه لموضوع النار الازليه تلك . من الناحيه العلميه لم يسبق المستشرق البريطاني جيمس باكينكهام احدا للقيام بزياره الى منطقة كركوك لرؤية النار الازليه بنفسه وكان ذلك عام 1816 وتحديدا في منتصف شهر تموز اي قبل 191 سنه من يومنا هذا وقد دون في مذكراته انه زار الموقع وامعن النظر في تلك البقعه النفيسه في تفكيره المستقبلي لما تحمل من كنز لامبراطوريته ولسان حاله ( يا ترى الارض التي تنفث بهذه الشعله المستديمه ماذا تحتضن من طاقه في احشائها ؟ على التاج البريطاني اقتلاع هذه المنطقه من ايدي العثمانيين مها كلفت من تضحيات ) وقال (لاحظت النسوه يطفن حول النار وفي احضانهن طفل وليد ويطلقن عبارة باوه كَركَر طلبا لحماية الطفل من المرض والحسد وكانت تلك كطقوس اجتماعيه) نعم ونحن نقول ايضا طقوس اجتماعيه متوارثه وليست دينيه ان قارننا تلك الطقوس بمبادئ الدين الاسلامي الذي يمنع اي معتقد يشير الى غير عبادة الله تعالى ويعتبره بدعة وما اكثرها في عالمنا الاسلامي من تقبيل الشبابيك والابواب والحيطان في الاضرحه التي تاتي كتبرّك في حين الدين الاسلامي خالي من هذه الطقوس جملة وتفصيلا ولكن علينا مقارنة التفكير الاوروبي وتفكيرنا منذ ذلك الوقت والى يومنا هذا ومدى تخلفنا المخيف نحن .
بالتوغل في جوهر الموضوع نجد ان هناك محورين اولهما علمي والثاني جغرافي :
المحور العلمي : ان هذه البقعه هي عباره عن منفذ للغاز النفطي الطبيعي والذي بمجرد ملامسته لاوكسجين الهواء وفي اية ظروف يبدأ بالاشتعال . هذا المنفذ يتصل بمكمن غازي في اعماق الارض يتصل بمكامن نفطيه فوق العملاقه وهي ميزات منطقة كركوك والبصره بحقول النفط السوبر عملاقه التي تحوي الحقل الواحد منها اكثر من 5 مليارات برميل نفط مخزون ومن الطبيعي ان عدد الحقول السوبر عملاقه تزيد عن عشرات الحقول في كركوك فلنتصور حجم الخزين الاستراتيجي لهذا النفط الذي سال اليه لعاب الامم واخيرا حسمت الولايات المتحده امره بالاحتلال وبعد بضعة سنوات سيكون تصدير برميل واحد من هذه الحقول بتصرف امريكي صرف . اما الذين يتشدقون الى اعتباره ثروه وطنيه وملك الشعب ما هم الا ناس ذو خلل عقلي فقد ولت الايام التي كان يحلم بها الناس بما يسمى بالاستثمار الوطني وما الى ذلك من الخرافات .
الغاز المشتعل هو عباره عن غاز الميثان مع بضعة غازات كبريتيه خفيفه جدا ما ان تلامس اوكسجين الهواء حتى تبدأ بالاشتعال . وقد سبق هذا المقال عدة مواضيع بكيفية تطور فكرة المستشرق جيمس باكينكهام بارسال مستشرق آخر اعقبه عام 1894 لغرض تقييم السكان هناك وكيفية وضع مخطط سياسي يضمن الهاء الناس واستحواذ تلك الثروه باثمان بخسه . جاء متخصصون في الجيولوجيا والحفر ليبدؤا الدراسات الخاصه اذبان الحكم العثماني الذي كان غارقا في شخيره وبعيدا عن ساحة العلم ولم ينتبه احد من الساسه فيها الى هذه الظاهره ولا حتى من السكان والى يومنا هذا فمعظم الناس لا يدركون التفسير العلمي لهذه النار . ومن ثم بدأت عمليات حفر اول بئر عام 1927 لينفجر البئر بسبب الضغط الهائل للغازات النفطيه استحالت السيطره عليها مدة اسبوع كامل الى ان اصبح بالامكان نصب معدات رأس البئر النفطي بصعوبه بالغه جدا وثم تلت ذلك البئر بعامين حفر مجموعه اخرى من الابار وهكذا بدا الانتاج الفعلي عام 1934 من حقل باوه كَركَر ..
اما الناحيه الجغرافيه وموضوع الحديث فالمقصود هو اسم المنطقه واصل كلمة باوه كَركَر . من المؤكد ان هذه العباره كورديه على طول التاريخ وتعتبر من دلائل كوردية المنطقه التي يحير السياسيون الكورد قبل غيرهم بها . فهذه العباره كانت النسوه ترددها عندما كنّ يحضرن لمباركة وليد حديث وحمايته من الامراض كطقوس اجتماعيه وقد جاء ذكر هذه الطقوس في مذكرات المستشرقين الانكليز . كوردية المنطقه تتاكد من كوردية المنطق السائد يومئذ والا لماذا لم تذكر مذكرات المستشرقون هؤلاء الظاهره تلك بلغات غير الكورديه ؟ فعبارة باوه كَركَر تعني باللغتين العربيه والدي لهيب لهيب والتركمانيه اتا اتاش اتاش ولا نجد لاي العبارتين اي ربط باسم النار مطلقا . حتى هذه العباره الكورديه تم تحريفها جزئيا الى بابا كَور كَور ولو انها قريبه جدا من اللفظه الكورديه باوه كَركَر . لذلك فالعباره هي بالاصل مشتقه من كلمة باوه اي الاب باللهجه الكَرميانيه وكَر تعني اللهيب وليس كَور . وعلى اطراف كورديه عديده ان تصحح العباره قبل غيرهم ومن العيب جدا ان يلفظ الكوردي اسم النار الازليه ببابا كَور كَور فكيف بغير الكوردي ؟ ومن الملاحظ ان اهل المدينه من الكورد لا يزالون يلفظون اسم الموقع خطأ وعلى جميع المعنيين ان يبادروا الى اصلاح اللهجات المحليه باطلاق التسميات الحقيقيه والهادفه الى تمثيل حق الكورد ولو ان التسويف اصبح واضحا في المواقع القياديه لطمس هذه الحقائق وما اكثرها لاضاعة الحق فقد سئمنا توبيخ هذه المواقع ..