الرئيسية » مقالات » خطاب القسم كرديا

خطاب القسم كرديا

ترجح التقديرات بأنه وحسب انطباع الأغلبية الساحقة من السوريين في الداخل والخارج من معارضين وغيرهم مثقفين ومتابعين للشأن العام شكل خطاب القسم ( 17 – 7 – 07 ) ( للرئيس الوراثي المعين من القيادة القطرية التي تقود الدولة والمجتمع في سورية قسرا وبواسطة الأجهزة الأمنية – العسكرية ) موجة تنكيت ساخرة تتندر بها العامة في هذه الأيام ذلك الخطاب الذي تجاوز الساعة والنصف ولم يحمل أي جديد سوى الجمل الانشائية التي تمقتها النخب الثقافية الملتزمة بالخيارات الشعبية ولا يرغب المزاج الشعبي سماعها , والعبارات المزايدة الصادرة من خارج اطار التاريخ التي كانت تطلق قبل نحو خمسين عاما وجلبت المآسي والهزائم ووأدت الديموقراطية وأوقفت تطور المجتمع ومهدت لتسلط الأنظمة الدكتاتورية في بلدان المنطقة كما هو حاصل في بلادنا .
كان الأجدر- بالرئيس – مادام يتحلى بقدرة اطالة الحديث وتحويل خطاب القسم الى حكاية ألف ليلة وليلة أن يبدأ أولا بكشف الحساب ويعلن أمام الملأ ما نفذه من تعهداته في خطاب القسم الأول قبل سبع سنوات وما أخفق فيه حينها كان يمكن أن يأخذ الشعب خطاب القسم الثاني محمل الجد ويتعاطى مع ” مصطلحاته الخاصة ” البديلة لما هي متبعة على النطاق الكوني ويصدق ” معارك النظام ” التي نجهل حتى اللحظة أين خاضها وما هي نتائجها ؟ ويتابع بنوايا حسنة معاني مصطلحات ” المواطنة والتشاركية ” وتطبيقاتها الميدانية الضارة و ” الوضوح والشفافية ” التي لا تتخطى جدران قصر الرئيس و ” الحوار الصريح ” غير المعلوم بين من ومن و ” اختلاف الرؤا وتباين الاجتهادات ” حيث تنتفي أية فسحة في البلاد للرأي الآخر سوى السجون والمعتقلات و ” الاقتصاد المتين ” الذي أوصل 60 % من مواطني سورية الى مستوى تحت خط الفقر و” تخفيض المديونية من 20 مليار دولار الذي نهبه النظام اياه من وراء ظهر الشعب والدولة الى 3 مليار دون توضيح مآل ما سرق من أموال اللبنانيين وما صودر من أموال نفط رميلان خلال عقود خلت , نعم من حق الرئيس وحده الاشادة ” بتجربته السياسية ” في الوراثة والتحايل على الدستور والتسلط حيث دام حكمه الاستبدادي طوال هذه المدة رغم كل الزلازل وسقوط توأمه والتحولات الهائلة اقليميا ودوليا واستطاع بقوة العامل الأمني الاستمرار حتى الآن و – الصمود – أمام الرفض الشعبي العام لنظامه وملاحقته حسب القانون الدولي بتهم ارتكاب جرائم القتل ودعم الارهاب ومن ثم القول بالأخير ” أن الهجمة المعادية الشرسة حالت دون انجاز المهام المطلوبة في التطوير والاصلاح ” وهي على أية حال تستهدف النظام ولا دخل للشعب السوري المغلوب على أمره بها لأنه ببساطة من ضحايا الاستبداد وبريء من تلك التهم ومن معاناة اللبنانيين والعراقيين والفلسطينيين االمطالبين مثله با الحرية والديموقراطية والاستقلال .
شاء الحاكم أن يوهم الناس في اطالة الحديث الممل حول الداخل السوري بأن قضايا الوطن والشعب من أولى أولوياته في حين كان منتظرا أن يجيب على عشرات التساؤلات حول اشكالية وخطورة الخيوط التي تربط نظامه باالبعدين الاقليمي والدولي واسقاطاتها على تورط نظامه في الشؤون اللبنانية والعراقية والفلسطينية وعن تبعيته لأجندة النظام الايراني وتوضيح ما تتم من صفقات في الخفاء مع اسرائيل والتنسيق الأمني مع تركيا والعلاقات مع المنظمات الأصولية الارهابية في المنطقة بكل مسمياتها وآخرها – فتح الاسلام – وهي كلها مسائل بالغة الخطورة تجنب الخطيب الخوض فيها عجزا وهلعا وتهربا .
ماذا عن الكرد ؟
للمرة الأولى في تاريخ سورية الحديث يقوم – رئيس – بتهديد جماعي لجزء من مكونات البلاد الأساسية ويعلن الحرب – القانونية والسياسية – جهارا وعلى رؤوس الأشهاد على بنات وأبناء القومية الكردية في سورية عامة ومنطقة الجزيرة على وجه الخصوص وتجريدهم من صفات وعلائم تجسد هويتهم كشعب ومن كل الحقوق وفي المقدمة حق المواطنة وشرعية الاقامة والعيش في وطنهم تمهيدا لاجراءات من نوع آخر في المستقبل وخاصة على الحدود السورية – العراقية وتحديدا المجاورة لاقليم لكردستان العراق الفدرالي وما ستترتب عليها من ذيول وتفاعلات من شأنها تهديد الوحدة الوطنية والحاق الضرر بالعلاقات العربية الكردية كما تشير الدلائل وذلك للأسباب التالية :
أولا – الاستخفاف بنتائج وانعكاسات جريمة حرمان أكثر من 200 ألف مواطن كردي منذ أربعة عقود وحتى الآن واعتبارمعاناة هؤلاء الضحايا الانسانية والمعيشية والقانونية وفقدانهم لحقوق العمل والتملك والسفر والتعليم ” أمر لم يكن له أولوية ” بدلا من مصارحة الشعب والاعتراف بالجريمة وممارسة النقد الذاتي وطلب المعذرة من الضحايا الكرد ودفع التعويضات لمستحقيها .
ثانيا – تسمية – الهبة الدفاعية الكردية – التي أغنت تاريخنا كنقطة مضيئة في نضالنا القومي – الوطني في آذار 2004 ظلما ” بأحداث الشغب ” في حين كان عليه وضع النقاط على الحروف والاعتراف بفشل مخطط الفتنة العنصرية بفضل شجاعة ووعي الجماهير الشعبية الكردية ودماء الشهداء والجرحى الذين أسقطوا المؤامرة في حينها وكأن – الرئيس – يبحث عن سبيل للانتقام بتنفيذ فصولها المؤجلة من جديد .
ثالثا – التعامل باسلوب مكابر وعقلية أمنية مع المشهد الكردي متحاشيا رؤية المسألة في اطارها الواقعي كقضية تحررية عادلة تتعلق بحقوق قومية ديموقراطية واثارة الشكوك حول طموحات وآمال الشعب الكردي في ازالة آثار الاضطهاد القومي والقوانين الاستثنائية والمخططات العنصرية وانتزاع الحقوق القومية والديموقراطية المشروعة عبر النضال السلمي وفي اطار الحركة الوطنية السورية واتهام الجميع با ” الاستغلالية لأهداف غير وطنية ” .
رابعا – محاولة بائسة في تجزئة وتغطية موضوعة االاجراءات العنصرية القائمة منذ عام 1962 بهدف تعريب المناطق الكردية وتغيير تركيبتها الديموغرافية عبر مخططي – الاحصاء والحزام العربي – المتكاملين والفصل المتعمد بين عملية ونتائج احصاء عام 1962 الاستثنائي العنصري الخاص بالمناطق الكردية في الجزيرة الذي شطب مواطنية عشرات الآلاف بينها عائلات بكاملها وليس كما – يأمر – الرئيس” ببعض الحالات في العائلة الواحدة ” ومسألة المكتومين متجاهلا أن نتائج الاحصاء أثمرت مصطلحات جديدة أطلقت على ضحاياها الكرد مثل – أجنبي – و – قيد الدرس – و – مكتوم سجل القيد – و – غير عربي – والمعمولة ببعضها حتى الآن .
خامسا – بخصوص مسألة – المكتومين – التي أثارها – الرئيس – في خطاب القسم ومحاولة الصاقه بالكرد نقول بأنه قبل وبعد الاستقلال كانت هناك قبائل كردية في محافظات الجزيرة وحلب والرقة وبينها قبائل عربية لم تكن مسجلة في دوائر النفوس لأسباب عديدة ولم تكن راغبة في تسجيل أبنائها واستمرت الحالة حتى عهود قريبة وأطلق عليهم عبارة – المكتومين – أما اعتبار هؤلاء ” أكراد أجانب قادمين من تركيا والعراق لأسباب معاشية سياسية أمنية لاعلاقة لنا بهم ” فمخالف للحقيقة أولا لأن المعنيين يعيشون على أرض الآباء والأجداد منذ العصور الغابرة وقبل أن تظهر دولتي تركيا والعراق والدولة السورية وحجة – الرئيس – تذكرنا بمواقف زكي الأرسوزي العنصرية وبكتابات السيء الصيت محمد طلب هلال وتحذيرات سعيد السيد وأسعد محاسن من الوجود الكردي , ومنافية للمبادىء الانسانية والمواثيق والشرائع ثانيا لأنه وحتى اذا سلمنا جدلا بصحة ما تفضل به – الرئيس – ألا يستحق – المكتومون – كردا كانوا أم عربا أو آشوريين وبعد أكثر من نصف قرن من اقامتهم بسورية أن ينالوا حق المواطنة لأن الدول الحضارية المتقدمة تمنح هذا الحق من ثمانية الى عشر سنوات وما يتعلق الأمر بمن سماهم – الرئيس – بالمكتومين الأكراد فليكن معلوما أن آباءهم وأجدادهم ساهموا في استقلال سورية وحافظوا على وحدتها بدمائهم وواجهوا الانتداب الفرنسي بالانتفاضات والثورات من الجزيرة مرورا بجبال الأكراد والزاوية وانتهاء بالغوطة وحي الأكراد في الوقت الذي كان البعض يتعاون مع المستعمر ويمهد لتقسيم البلاد على أسس طائفية بغيضة .