الرئيسية » مقالات » ( تركيا) .. الى أين؟ ( 8)

( تركيا) .. الى أين؟ ( 8)

2. مكامن ضعف الدولة (التركية)
أ‌. عوامل تأريخية
تواجه (تركيا) الكثير من المشاكل التي تهدد وجودها ككيان سياسي في المنطقة. إنّ بعضاً من هذه المشاكل لها جذور تأريخية تعاني منها (تركيا) منذ أن نزح الأتراك من بادية الصين الى منطقة الشرق الأوسط، حيث إستوطنوا و إستقروا فيها و من ثم أقاموا الإمبراطورية العثمانية على أوطانٍ تعود لقوميات و شعوب عاشوا فيها منذ فجر التأريخ. إعتنق الأتراك المذهب الحنفي و تمسكوا به لأن هذا المذهب لا يلتزم بحديث الرسول محمد القائل “الأئمة في قريش” و عليه فأن تمسكهم بهذا المذهب خدمهم و أعطاهم الشرعية الدينية لأخذ الخلافة الإسلامية من قبائل قريش العربية و نقل مركز الخلافة الى إستانبول. هكذا أوجد الأتراك شرعية دينية لإحتلال بلدان العالم الإسلامي و إقناع الكثير من المسلمين بأن الدولة العثمانية هي إمتداد و إستمرار للخلافة الإسلامية. بعد إنهيار إمبرطوريتهم، نتيجة إندحارهم في الحرب العالمية الأولى، قاموا بتأسيس الدولة (التركية) الحالية على أجزاء من كوردستان و أرمينيا و اليونان، بعد إبرام معاهدة لوزان. الأتراك يشعرون بالغربة في منطقة الشرق الأوسط نتيجة إفتقارهم لجذور تأريخية في المنطقة بسبب تركهم موطنهم الأصلي و لحداثة تواجدهم و إستقرارهم في منطقة الشرق الأوسط، و لذلك لا تربطهم وشائج قوية بالأرض التي يعيشون عليها. بسبب هذا النزوح، فأن الأتراك أضاعوا الكثير من ثقافتهم التركية و فقدوا الكثير من مفردات لغتهم الأصلية، التي كانت بدورها لغة بدوية فقيرة و بسيطة، مما دفعتهم الى الإستعانة بلغات شعوب المنطقة لإغناء لغتهم و تطويرها لتواكب الحضارة و التقدم الإنساني. إستعارة الأتراك لمفردات لغات الشعوب الأخرى في المنطقة، جعلت اللغة التركية لغة خليطة و هجينة، تُشكّل المفردات الأجنبية، من عربية و كوردية و فارسية و أرمنية و سريانية و يونانية و غيرها، غالبية مفرداتها (على سبيل المثال، يبلغ عدد الكلمات التركية المأخوذة من اللغة العربية حوالي عشرين ألف كلمة من مجموع الخمسين ألف كلمة التي يتضمنها المعجم العثماني – التركي الذي وضعه فريد ده وه للي أوغلو في عام 1970، أي أنّ نسبة الكلمات العربية أو التي هي من أصول عربية في المعجم المذكور تبلغ 40%). طغيان المفردات الأجنبية في اللغة التركية أبعدت هذه اللغة عن اللغة التركية المستعملة في الدول الناطقة بالتركية، مثل أذربيجان و تركمنستان و أوزبكستان و غيرها، و لذلك يتعذر على الأتراك من (تركيا) التفاهم بلغتهم التركية مع سكان الدول الأخرى الناطقة بالتركية، حيث نرى أن المسئولين في (تركيا) و في تلك الدول الناطقة بالتركية يستعينون بمترجمين للتفاهم مع البعض عندما يلتقون و يتباحثون. نتيجة إحتلال الأتراك لأوطان الشعوب الأخرى، نلمس منهم تبنيهم لأفكار و قيامهم بأفعال و إجراءت هي عبارة عن إنعكاسات و ردود أفعال لل”الخطيئة” التأريخية التي إقترفوها بحق الشعب الكوردي و الأرمني و اليوناني، حين أقاموا دولة تركية عنصرية على أجزاء من أوطان هذه الشعوب. تعكس أفعالهم أيضاً أزمة الهوية و الإنتماء التي يعانون منها منذ نزوحهم الى منطقة الشرق الأوسط. أستطرد هنا في حديثي في هذه المقالة الأفكار و الأفعال الناتجة عن إستحقاق البُعد التأريخي الذي يواجه الأتراك تحمل نتائجه و إفرازاته. من ضمن هذه الإنعكاسات هو تبني الأتراك للعقيدة الأتاتوركية التي تستمد فكرها من الأيديولوجية الطورانية و التي تؤمن بتفوق العنصر التركي و إبعاد الصراع الطبقي و إحلال مفهوم الوعي الإجتماعي محله. بعد تأسيس (تركيا) الحديثة، نتيجة هذه الغربة و فقدان الشعور بالإنتماء الى الأرض التي يعيش عليها الأتراك، ينتابهم هاجس نفسي متواصل و إحساس بالقلق الشديد من فقدان الأرض التي يحتلونها و إكتسبوا حساسية شديدة تجاه كل شيئ له صلة بلُغة و ثقافة و تراث و تأريخ و أسماء المناطق و الحضارات، الذي يعود الى الشعوب التي يحتلون أراضيها و هذه الأشياء تُشكّل كابوساً مؤرقاً لهم يحاولون بذل أقصى جهودهم لطمسها أو سرقتها و الإستحواذ عليها في محاولة يائسة من التهرب من حقائق التأريخ و التخلص من كابوس غربتهم و عزلتهم و التعامل مع مشكلة أزمتهم مع الهوية و إنتمائهم الى الأرض التي يعيشون عليها و المنطقة التي تحتضنهم و الشعوب التي تجاورهم. يتحدث الباحث التركي الدكتور إسماعيل بيشيكجي عن سرقة الأتراك للثقافة الكوردية في كتابه المعنون “” كُردستان مستعمرة دولية” (ترجمة زهير عبد الملك، دار APEC للطباعة و النشر، 1998، صفحة 257 الى 261) و يذكر العشرات من الأغاني الكوردية المسروقة. نتيجة عُقدة التأريخ و الشعور بالغربة، قام كمال أتاتورك بتغيير حروف الكتابة العربية الى اللاتينية و إستدعى اللغويين الأتراك لتخليص اللغة التركية من المفردات الأجنبية بإيجاد مفردات جديدة، إلا أن محاولته تلك لم يحالفها النجاح. في محاولة للتهرب من أزمة الهوية و الإنتماء. منحَ كمال مصطفى نفسه لقب أتاتورك (أب الأتراك)، في محاولة بائسة منه لإظهار الشعوب العائشة فيما تُسمى الآن ب(تركيا) بأن جميعها تنتمي الى العنصر التركي. كما أنه إستحدث إسماً عنصرياً لدولته بإطلاق إسم (تركيا) عليها، لاغياً بذلك كل الشعوب و القوميات التي تعيش في هذا الكيان المصطنع. لهذا السبب فأنني في كتاباتي أضطر أن أضع هذا الإسم العنصري للدولة (التركية) بين قوسين كلما أشير إليها. نتيجة هذا الشعور، فأن الأتراك إكتسبوا شخصية قلقة و حساسة تجاه التأريخ و حقوق الشعوب التي تعيش في (تركيا) الحالية و قيامهم بتربية أطفالهم الصغار في المدارس على العنصرية و الإستعلاء و غرس روح الكراهية في نفوسهم للشعوب التي تعيش معهم، حيث يعلّمون هؤلاء الأطفال الأبرياء في المدارس الفكر القوموي العنصري و ترديد عبارة (سعيد مَن يكون تركياً) و جعل تماثيل و صور الدكتاتور أتاتورك تنتشر في كل مكان في (تركيا). نشرت جريدة Allehanda Nerikes السويدية اليومية في عدد يوم الأربعاء المصادف 18 تموز 2007، مقالاً إفتتاحياً بعنوان “البلاد الممنوعة” بقلم السيد Malm Fredik، عضو البرلمان السويدي و أحد قادة حزب الشعب. تتصدر مقالته المذكورة صورة جميلة لدبكة كوردية يقوم بها أطفال كوردستان وهم يحملون مناديل ملونة تحمل ألوان عَلم كوردستان و يتحزمون بقطع قماش ذات اللون الأخضر و الأبيض و الأحمر التي ترمز الى الَعَلم الكوردستاني. يذكر السيد Malm في مقالته بأنه قام بزيارة ترفيهية للمنطقة السياحية، Alanya التركية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط في بداية شهر حزيران من عام 2007. يضيف قائلاً “كانت هناك خارطة باللغة السويدية لأوروبا و الشرق الأوسط معلقةً في باحة فندق Belle الذي نزلت أنا و زوجتي فيه. عندما نظرتُ الى الخارطة المذكورة، لاحظتُ أن تسع بُقع مدوّرة بيضاء موضوعة على القسم الجنوب-الشرقي من (تركيا) (إقليم شمال كوردستان)، حيث أن شخصاً ما كان قد رسمَ تلك البُقع على ذلك الإسم الممنوع بالحبر الأبيض.). يستطر د عضو البرلمان السويدي في حديثه قائلاً بأن المرء مسموح له ذكر كلمة “كوردستان” في كل دول العالم بإستثناء (تركيا). هناك يعيش في (تركيا) فقط أتراك و مَن يشّك في ذلك سيكون مصيره السجن أو الموت. يشير السيد Malm أيضاً بأنه خلال الشهر الجاري تمّ فصل جميع أعضاء مجلس بلدية مدينة دياربكر (آمد) لأنهم أعطوا تعليمات لسكان المدينة باللغة الكوردية لجلب القمامة. كما أنّ محافظ مدينة دياربكر ينتظر المحاكمة لأنه إستعمل الحروف “Q ,X ,W” التي يُمنع إستعمالها في (تركيا) لأن هذه الحروف غير موجودة في اللغة التركية (هذه الحروف الثلاث تُستعمل في اللغة الكوردية و التي تقابل الحروف العربية “ق، خ، و” على التوالي). الإتهامات في كل الحالات واحدة هي الإرهاب و العمل على تجزئة البلاد. االمواطن الذي يطالب بحقوق ثقافية يعني عند السلطات التركية أنه محاولة لتجزئة (تركيا) و أنه من أنصار حزب العمال الكوردستاني (PKK) و بنفس الطريقة يتم تعريف جميع الكورد بأنهم رجال المقاومة الكوردية المسلحة. يستطرد الكاتب السويدي بأنه قد يتم سجن البروفسور Yayla Atilla لمدة ثلاث سنوات، حيث أن محاكمته جارية في هذه الأيام. جريمة هذا الأكاديمي التركي هي أنه قال “عندما يصبح العالم أكثر تمدناً، حينئذٍ سوف يسأل الكثيرون (تركيا) لماذا صور رجل واحد (يقصد صور أتاتورك) تغطي كل مكان؟” في نهاية مقالته يقول البرلماني السويدي بأن المسائل المهمة في (تركيا) لا يمكن حجبها و إخفاءها. هذه المسائل لا يمكن أن تتم تسويتها بالحبر الأبيض. نتيجة محاولة (تركيا) تحقيق الحد الأدنى من المعايير الأوروبية للإنضمام الى الإتحاد الأوروبي و الضغوط التي تتعرض لها الحكومة التركية من قِبل دول الإتحاد و الدول الديمقراطية و بسبب التغييرات الكبرى التي يمر بها المجتمع البشري و النظام العالمي الجديد، إضطرت الحكومة التركية الى إجراء بعض الإصلاحات القانونية و السياسية الهامشية، منها السماح بالتكلم باللغة الكوردية و الإستماع الى الموسيقى و الأغاني الكوردية، إلا أنها تمنع إستخدام اللغة و الموسيقى الكوردية في الإجتماعات و الدعايات الإنتخابية كما حصل خلال الإنتخابات التشريعية التى جرت في (تركيا)، حيث أُجبر المرشحون الكورد أن يديروا حملاتهم الإنتخابية باللغة التركية و على صدى الموسيقى و الأغاني التركية، بالرغم من أنّ أعداداً كبيرة من مواطني إقليم شمال كوردستان لا يجيدون اللغة التركية أو لا يعرفونها و رغم أن الكورد في (تركيا) يُشكّلون 30% من نفوس سكان (تركيا) على أقل تقدير. كما أنّ تحديد القانون التركي نسبة 10% كحدٍ أدنى من مجموع أصوات الناخبين التي يجب على كل حزب سياسي يخوض الإنتخابات التشريعية على إجتيازها للتمكن من الحصول على مقاعد في البرلمان، أُقر خصيصاً لمنع الكورد من الدخول الى البرلمان و حرمانهم من المشاركة السياسية في إدارة البلاد. في نفس الوقت قد يؤدي هذا الحاجز النسبوي العالى الى حرمان حوالى نصف سكان البلاد من ممثليهم الذين يصوّتون لهم، كما حصل في الإنتخابات التشريعية التي جرت في (تركيا) عام 2002. حيث تضيع أصواتهم بسبب حصول الكيانات السياسية على أقل من 10% من مجموع أصوات الناخبين و بالتالي حرمانهم من تبؤ مقاعد البرلمان. في الإنتخابات المذكورة ذهبت أصوات مليونين كوردي هباءً عندما صوّتوا لحزب المجتمع الديمقراطي الذي يتبنى حقوق الشعب الكوردي و الذي لم يتمكن من إجتياز الحاجز النسبوي الإنتخابي. لو نستعين بالتحليل النفسي لتصرفات و إجراءات الحكومات المحتلة لأوطان شعوب أخرى، نتوصل الى أن المحتلين يقفون على أرضية هشة و غير ثابتة و تطاردهم حقائق التأريخ التي تُشكل كابوساً مرعباً يقضّ مضاجعهم. لذلك نراهم يحاولون بكل الوسائل خداع أنفسهم و الآخرين و محاولة الهرب من مستحقات التأريخ و من حقوق الشعوب و الأوطان. من الأمثلة الحية للمأزق التأريخي الذي يعايشه المحتلون و الفزع الذي يداهمهم هو محاولة طمس الحقائق التأريخية و تشويهها و محاولة القضاء على لغة و ثقافة الشعوب التي يحتلون أوطانهم و صهرها عن طريق التتريك أو التعريب أو التفريس، كما هو الحال مع الحكومات و الأنظمة الدكتاتورية في منطقة الشرق الأوسط. المحتلون يحاولون بطرق شتى طمس معالم إحتلالهم و إزالة آثار سرقة أوطان غيرهم. لنأخذ الشعب الكوردي، الذي يحتل وطنه كلاً من (تركيا) و إيران و العراق و سوريا، نرى أن أنظمة هذه الدول تحاول بكل الوسائل المتاحة أمامهم طمس و تشويه التأريخ الكوردي العريق و منع إستخدام اللغة الكوردية و تطورها و القضاء على الثقافة الكوردية، في محاولة بائسة لصهر الأمة الكوردية و إذابتها و الإستمرار في إحتلال كوردستان و نهب خيراتها. تهرباً من حقائق التأريخ و من مستحقاتها، قام المحتلون بتسمية كياناتهم السياسية تسمية عنصرية. كما نعلم فأنّ الأتراك، الذين أسسوا كيانهم على أجزاء من كوردستان و أرمينيا و اليونان، يطلقون إسم (تركيا) على كيانهم السياسي، عاملين بذلك على إلغاء الشعب الكوردي الذي يؤلف ثلث نفوس الكيان (التركي) و يلغون كذلك القوميات و الأقليات الأخرى. هكذا بالنسبة لتسمية سوريا ب (الجمهورية العربية السورية) و التي يُراد منها إنكار وجود الشعب الكوردي الذي يُشكّل حوالي 15% من سكان هذا الكيان. بالنسبة للعراق، فأن القومويين العرب يحاولون في هذه الأيام تعديل الدستور العراقي الدائم الذي صوّت (الشعوب العراقية) عليه و أقره بعد تحرير العراق من النظام البعثي الفاشي، لجعله ينص على أن (الشعب العراقي) هو جزء من الأمة العربية و أن العراق جزء من (الوطن العربي)، في محاولة عنصرية قذرة لإلغاء الشعب الكوردي و القوميات الأخرى التي تعيش في هذا الكيان و جعل إقليم جنوب كوردستان جزء من (الوطن العربي) الذي لا وجود له بل هو وهم من أوهام العروبيين العنصريين. لو عدنا الى التأريخ و الوقائع، لَنرى أن العرب هو أقلية في العراق، يُشكّلون حوالي 15% من نفوس العراق، حيث أن نفوس الكورد و المسيحيين و التركمان و الشيعة في العراق تبلغ حوالى 85% من نفوس العراق. بالنسبة للشيعة، فأنهم أحفاد السومريين و العيلاميين و الميديين، حيث ينتمون الى الشعوب الآرية و لا ينتمون الى الجنس السامي الذي ينتمي إليه العرب و اليهود. إن المصادر التأريخية تؤكد على أن غالبية الشيعة هم كورد مستعربون أو معرّبون، حيث أنهم بدؤا ينسلخون عن شعبهم الكوردي بقوة السيف و بالإرهاب بعد الغزو العربي لبلاد الرافدين في عهد الخليفة عمر بن الخطاب و إستمرار إحتلالهم لبلاد ما بين النهرين الى يومنا هذا. على الشيعة أن يحرروا أنفسهم من الإستعمار الثقافي و السياسي و الإقتصادي للأقلية العربية في بلاد الرافدين و يعودوا الى قراءة متأنية لتأريخهم المجيد و ثقافتهم الثرة و تقاليدهم و عاداتهم المتمدنة، ليجدوا هويتهم المفقودة و يثبتوا وجودهم و يحققوا إستقلالهم و يقع على عاتق المثقفين الشيعة العمل على تحقيق الذات الشيعية و تخليصهم من آثار الثقافة البدوية المتخلفة و الغريبة عن الثقافة الشيعية التي تمتد جذورها في أعماق التأريخ. هكذا نرى إطلاق أسماء عنصرية على دول و مناطق مثل جمهورية مصر العربية التي هي وطن الأقباط (الأقباط هم السكان الأصليون لمصر و مع ذلك يستوجب إستحصال موافقة رئيس الجمهورية لبناء الكنائس في مصر!!) و المملكة العربية السعودية التي تحتل أجزاء واسعة من الوطن الشيعي و تستحوذ على موارد البترول في مناطق الإحساء و القطيف الشيعية، و المغرب العربي الذي هو وطن الأمازيغ. من هنا ندرك بأن محاولة صهر الشعوب و القوميات التي تتحكم بها الدول المحتلة لأوطانها و العمل على إلغاء لغات و ثقافات الشعوب الأصيلة في منطقة الشرق الأوسط و محاولة تعريبهم أو تتريكهم أو تفريسهم و تغيير ديموغرافية أوطانهم و أسماء مدنهم و قراهم و شوارعهم و تزوير تأريخهم، هي أفعال و إجراءات لا يقوم بها إلا حكومات و دول محتلة لأوطان الشعوب الأصيلة في المنطقة، مثل الكورد و الشيعة و الأقباط و الأمازيغ و البلوج و النوبيين و غيرهم، لأن الشعوب التي تعيش على أرضها و في وطنها ليست بحاجة الى إلغاء الشعوب و القوميات الأخرى التي تعيش معها. إذن فأنّ عمليات التتريك و التعريب و التفريس التي تقوم بها الحكومات التي تتحكم بالمنطقة تدل على أن هذه الدول هي دول محتلة، تعيش في هلع و فزع دائميين، خوفاً من تحرك الشعوب التي تم إحتلال أوطانها لتحرير أوطانها. المحتل يعيش في قلق دائم، يعاني من عقدة التأريخ و الإغتراب و فقدان الإنتماء الى الأرض التي يعيش عليها. إن عمليات التتريك و التعريب و التفريس ماهي الا محاولة المحتلين لإخفاء رؤوسهم في التراب لكي ينقطعوا عن التأريخ و يحجبوا شعاع الشمس عن الشعوب الواقعة تحت إحتلالهم دون أن يدركوا أن دفن رؤوسهم في التراب لا تحجب الحقيقة عن الشعوب التي تم سرقة أوطانها و لا يغيّر من الواقع شيئاً. هذه الشعوب سائرة لا محال في طريقها لتحرير أوطانها مهما طال الزمن. على الأتراك و كل الدول المحتلة لأوطان الآخرين أن يأخذوا العبر و الدروس من الآخرين. ليأخذوا الدروس من الإسرائيليين الذين كافحوا لأكثر من ألفين عام الى أن نجحوا في تحرير وطنهم من الإحتلال و تأسيس دولة لهم على أرضهم التأريخية. لماذا نذهب بعيداً، ليأخذ الأتراك العبر من جنوب أفريقيا، حيث قام المستوطنون الغربيون البيض بإحتلال هذا البلد و الإستحواذ على السلطة و الثروة فيه، إلا أن السكان الأفارقة، أصحاب البلاد الأصليين، إستطاعوا بالأمس القريب من دحر المحتلين و إرغامهم على تسليم السلطة في هذه البلاد الى أصحابها الأصليين. نتوصل من خلال ما تقدم الى حقيقة مهمة هي أن إحتلال الأتراك لأراضي الغير و إضطهاد الشعوب الأصلية التي عاشت على هذه الأرض منذ ما قبل التأريخ و محاولة تتريك تلك الشعوب و إذابتها هي من أهم التحديات التي يواجهها الأتراك و التي تهدد الدولة (التركية) ككيان سياسي في المنطقة و لا حل أمامهم غير التسليم بمنطق الواقع و القبول بهذا الواقع و عودة الأوطان الى شعوبها، إلا أن هذا المنطق بعيد عن العقيدة الطورانية و الكمالية العنصرية و الذي يؤدي بهم الى كارثة وخيمة و يقودهم الى هزيمة تأريخية نكراء إن آجلاً أو عاجلاً و خاصة و نحن نعيش في عصر العولمة و ثورة المعلومات و الإتصالات و إنتشار الأفكار الديمقراطية و الحرية و الليبرالية و التعددية و حقوق الإنسان.