الرئيسية » مقالات » نتائج الانتخابات ال تركية.. صفعة مدوية لديمقراطيتها العسكرية..

نتائج الانتخابات ال تركية.. صفعة مدوية لديمقراطيتها العسكرية..

على الرغم من النصر الواضح والصريح لحزب العدالة والتنمية التركي، إلا أنّ نتيجتها لا تعني بالضرورة أنها ستساعد على تجاوز الأزمة السياسية في تركيا.
لأنّ في حال فشل الانتخابات الرئاسية التي (استدعت) تلك الانتخابات، وهو ما يرغب فيه بقوة حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية المتطرف وكذلك الجيش فسيكون من الضروري إجراء انتخابات جديدة في غضون ثلاثة أشهر. وعليه لا يبدو أنّ تلك التربصات لا تستطيع إيقاف مسيرة حزب “العدالة والتنمية” من قبل الأحزاب العلمانية التي لا تجيد سوى الكلام عبر وفرة الإعلام.

-1-
ما أن أعلن عن نتائجها حتى تنفس الأتراك الصعداء، وتحقيق حزب العدالة والتنمية الحاكم، فوزاً كبيراً فيها، حيث حصل الحزب ذو الجذور الإسلامية على أغلبية تكفي لتشكيل حكومة من حزب واحد. الذي حصل على قرابة 50% من الأصوات متقدما على حزب الشعب الجمهوري المؤيد من قبل الجيش، والذي حصل على 20% وحزب الحركة القومية اليميني المتشدد الذي جاء في المركز
الثالث بحصوله على 14% من الأصوات فقط. في حين لم تقترب أي أحزاب أخرى من تخطي نسبة
10% الضرورية لدخول البرلمان، عدا فوز عدد من المستقلين الكرد الذين سيكون لهم الوجود الفاعل إن ما كان هناك تناسقاً في عملهم.
وبذلك فإن حزب العدالة والتنمية مرشح لشغل 342 مقعدا في البرلمان المكون من 550 نائبا. وبالتالي فهو يأمل بالحصول على غالبية في البرلمان تمكنه من حسم صراع رئاسة البلاد لصالحه، إما بإيصال مرشحه إلى الرئاسة عبر هذه الغالبية، وإما بتعديل دستوري يسمح بانتخاب الرئيس عبر الاقتراع العام المباشر. وإن رافقته مخاوف داخلية وخارجية تتجاوز المخاوف من أن يتبع اردوغان سياسة ذات توجه إسلامي قوي فحسب، بل سيقوم بتعديل للدستور ومن ثم العمل على تقوية دور الرئاسة التركية في النظام السياسي التركي, مما سيسمح له بفرض الأجندة السياسية والتصورات القيَمية الإسلامية، الذي قد يقوض دور المؤسسات السياسية المؤثرة التي ما زال يسيطر عليها العسكر الذين يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة في البلاد، ورغم أنّ منصب رئيس الجمهورية في تركيا يعتبر فخري، باستثناء مهمة المصادقة على القوانين والقيام ببعض التعيينات في السلكين القضائي والإداري، إلا أنه بموجب دستور 1982 بات يتمتع بسلطات خاصة لحماية العلمانية، حتى أنه من حقه اتخاذ الإجراءات المناسبة من أجل استمرارية مؤسسات الجمهورية العلمانية. لهذا ربما سيضطر أردوغان الآن إلى استقطاب حلفاء له من أجل شغل 367 مقعدا وهي النسبة تكفي له الهيمنة عليها من أجل انتخاب رئيس جديد، أو ربما يلجأ إلى البحث عن مرشح مقبول من كل الأطراف كحل وسط. ورغم هذه الصورة الايجابية للانتخابات التركية، إذ لا يمكن تجاهل قلق الاتحاد الأوروبي بشأن طريق الإصلاح السياسي في تركيا خاصة في مجالات الديمقراطية وحل القضية الكردية. سيما وأنّّ الاتحاد الأوروبي كان قد وافق على فتح مفاوضات العضوية مع تركيا في أكتوبر 2005 لكن موافقة شابتها الحذر المستمر في العديد من دول الاتحاد الأوروبي حول انضمام أكبر دولة إسلامية في الكتلة الأوروبية. لكن حتى في حال حققت المفاوضات تقدما خلال الأشهر المقبلة فإنه من غير المتوقع أن تنضم تركيا للاتحاد الأوروبي قبل عام 2020.

– 2 –
أكبر هزيمة لحزب سياسي (الجيش) في تركيا:
ربما كانت الانتخابات التشريعية الأخيرة في تركية بمثابة الأهم في تاريخ الجمهورية قاطبة، نظراً لأنّها كانت تمس مصير مستقبل البلاد. والتي أتت بعد أربعة أشهر من الأزمة السياسية التي شلت البلاد من جرائها، ونتجت عنها انقسامات حادة بين التوجهات الرئيسة في البلاد، من جهة ومن الأخرى وسعت من دائرة التصدعات السياسية والثقافية في المجتمع التركي إلى درجة العداء لم تشهدها البلاد من قبل، والتي ساهمت وعلى نحو كبير في تعميقها بتداعياتها.
وحتى هزيمة الجيش بأحزابه القومية المتطرفة التي تنضوي تحت لوائه ليس مهماً جدًا. بل المهم هو أن هزيمة الجيش، مع فشل في طرح نفسه عبر مجموعة من الأحزاب الغارقة في قضايا الفساد والعنصرية، ذو جدوى للمجتمع التركي، والتي أدرك بها المجتمع التركي هذه الجزئية بيقين ودراية. وهذه ليست بسبب المشكلة الآديولوجية والهوية كما يبدو للوهلة الأولى، بل بسبب الجغرافيا الاجتماعية في البلاد وبسبب الاخلاقية التي يتعامل بها الجيش معها.
وهذا ما اقتنصه حزب العدالة والتنمية بنيل أصوات الناخبين في مناطق كردستان تركيا، حيث لم يميز “أردوغان” بين ما هو تركي وما هو كردي، وتعهده بأنه سيقلل قدر المستطاع دخول الجيش إلى مناطقهم، لأن من الصعب في الإمكان تحويل جزء كبير من المجتمع إلى هامش في ظل توفر بعض وسائل الديمقراطية.
فالجيش وأحزابه القومية مصابان بهذه العنصرية الخبيثة التي تنبع من الغطرسة ومن خوف الآخر. في حين حاول في مقابلة ذلك حزب العدالة والتنمية وبكل هدوء أن يضم أكبر قدر ممكن من السكان المهمشين إلى جانبه. لأن من يريد أن توجد هنا دولة كما يُحب، يجب أن يناضل من اجل انشاء روح عامة مشتركة لجميع مُركبات المجتمع، مهما كان انتمائها، وأن يلفظ منه الاتجاهات العنصرية.